مدينة اللامكان

تقديرات خاطئة

مدينة اللامكان

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

متى تصبح المدينة مدينتك.. هل أخطأت تقديراتنا في طبيعة المدينة.. في كينونتنا المدينية؟ هل ولدنا في العالم أم ولدنا في مدن بدت لنا وكأنها العالم؟ 

“… فالبولفارات أوجدت للعشاق من أمثال الحبيبين في قصيدة “عيون الفقراء” مشهدًا أوليًّا جديدًا: فسحة يستطيعون أن يكونوا فيها وحدهم أمام الملأ؛ في جو حميمي دافئ وخاص بدون أن يكونوا وحدهم. باتوا لدى تحركهم على امتداد الشارع في قلب تدفق هائل لا نهائي. يستطيعون أن يحسوا بحبهم بقدر أكبر من التوتر والحيوية مما في أي وقت مضى بوصفه محطة ثابتة ومستقرة في عالم دائب على الدوران (..) وأن يستمدوا أشكالاً مختلفة من المتعة من أولئك الغرباء كلهم؛ باتوا يستطيعون أن ينسجوا أقنعة خيالية حول زحمة المارة: من هم؟

من هم المارة؟!

من هم المارة؟!

من أين جاؤوا؟ إلى أين هم ذاهبون؟ ما الذي يريدونه؟ ما الذي يحبونه؟“..
“كيف يتعين على العشاق أن ينظروا إلى الناس ذوي الأسمال البالية الذين يجدونهم فجأة تحت أنوفهم؟ عند هذه النقطة يفقد الحب الحديث براءته. فحضور الفقراء يلقي ظلاً عنيدًا لا يقوام على إشراق المدينة وبهائها. والخلفية التي أوحت، بطريقة سحرية، بالرومانسية تفرز الآن سحرًا نقيضًا وتسحب العشاق من مخادعهم الرومانسية لتقذف بهم في شباك أوسع وأقل رومانسية غنائية. في هذا الضوء الجديد تبدو فرحتهم الشخصية امتيازًا طبقيًّا.

البولفار يجبرهم على الرد ردًا سياسيًّا" من كتاب “كل ما صلب يتحول إلى أثير” للكاتب مارشال بيرمان ص 252، 253
1
هل أخطأت تقديراتنا في طبيعة المدينة.. في كينونتنا المدينية؟ هل ولدنا في العالم أم ولدنا في مدن بدت لنا وكأنها العالم؟ من مفارقات التاريخ أن مدننا المحدّثة منذ ما يقارب المئتي عام، التي كان الانهيار والتفسخ يأكل بنيتها، والتحولات الاجتماعية والسياسية تترك على نواصيها أكوامًا من النفايات، وأرواحا نافقة بدا وكأن نخبتها المباركية (نسبة إلى مبارك) وبرجوازيتها الجديدة في عهده قد استفاقت على نوستالجيا، 

حيث بدأ استخدام المصطلح اللزج “الزمن الجميل“. الجناح الثقافي للبرجوازية المباركية التي لا تاريخ ولا قاعدة لها، استعاد أيضًا زمن الطيبين، وتوقف عن أبواب البنايات ذات الطابع الاستعماري، وأفاريز شرفاتها المشغولة بالجص، توقف عند الأقواس وتماثيل الملائكة والأعمدة ذات التيجان الزهرية، عند الستائر المخرمة الموشاة بالورود التي كان يطل من ورائها وجه عجوز فرنسية، أو مترمل يوناني. توقف عند الكتب المفتتحة بإهداءات رشيقة، الرسائل وصور الجميلات على الشاطئ الخالي. هكذا كانت تستعاد مدينة ما وكأنها أصل أو على الأقل نموذج مفترض 

الجناح الثقافي للبرجوازية المباركية التي لا تاريخ ولا قاعدة لها، استعاد أيضًا زمن الطيبين..

للجمال والتعايش ودهشة الاختلاف. لقد أزيح تماما القدر الهائل من العنف المباشر وغير المباشر الذي صيغت على أطلاله هذه المدن، أو على الأقل ترك للدراسة في باب مختلف من التاريخ يستخدم في وقت الحاجة فقط. ولم ينظر بكفاءة أعلى للجدل التحديثي المروع والآسر في الوقت ذاته. ربما كان المشهد الأكثر إثارة للحزن، هو مشهد الشباب في صباحات يناير 2011 وهم يكنسون الشوارع، وكأنهم يتشبثون ولو لمرة واحدة وأخيرة بمدينة هي “مدينتهم“. ولم يكن الأمر كذلك بالطبع. كان التشبث بالمكان المديني قد فات أوانه. وحين أُغلقت مصالح ومبان

رسمية بالجنازير من قبل مواطنين، كان لهذا الفعل دلالة مزدوجة، فصحيح أنه بدا، ظاهريا، توبيخًا وتعطيلاً للمؤسسة الرسمية، لكنه فعليًا كان يعبر عن مهابة وتجنب لسوء الطالع، وعن خوف من بيوت الأشباح البيرقراطيين الذين استعمروا بمكاتبهم القميئة ما كان في العهد الاستعماري قصورًا وفيلات ترفل فيها أردية السهرة وتسمع من وراء نوافذها أصداء العزف على البيانو. المدينة أو “الحالة” الميدنية كانت في الشارع، لكن الشارع الذي يمر عبر هياكل معمارية ضخمة تسكنها اللعنات، وكأنها تقبع في بيات شتوي مؤقت. الأدبيات الشائعة في الأوساط 

الثقافية عن المدينة كانت ذات طبيعة أدبية بالأساس، وهذا يفسر كليتها ولا إشكاليتها. والفارق مثلاً بيت كتابات روائي مثل علاء الديب عن المدينة خاصة في “قمر على المستنقع“، أو شعراء مثل عبدالصبور وحجازي، وبين ما يكتب منذ مطلع الألفية يتوازن على المحور ذاته؛ مدينة كلية الحضور، إما في هيئتها القاسية العدمية، وإما في اعتبارها منظرًا جماليًّا ولوحة للإنسان الفرد. هنا أو هنا كانت “المدينة” فرضية مسبقة، غير معينة تاريخيًّا بجدية على الإطلاق، مرة كشاهد على “سلطة الحداثة“، ومرة على “جمالية الحداثة“، كأنما المدينة صنعت من أجل 

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية