الزمان أيضًا رتيب متشابه. الثورات والحروب انتهت منذ زمن بعيد. تبقت إدارة تقنية، تميل يمنة أو يسارًا، لا يمكن تذكر أحداث مميزة منذ ثلاثة أرباع القرن!
اكتشاف الامتيازات
أول ما يلاحظ المرء في زمن الحظر امتيازاته!
في هولندا، حيث أقيم، فضلاً عن الامتيازات المعهودة في أوروبا الغربية، وبالأخص لموظفين في هيئات دولية أو شركات كبيرة والتي لا داعي للإشارة إليها في تفاصيل الدخل والأمان الوظيفي والاجتماعي، كان لنا امتياز حتى على الفرنسيين والايطاليين والإسبانيين، إذ اختارت الحكومة طريقًا وسطًا في الحظر، شمل إقفال عدد من المرافق التي تتطلب القرب الجسدي، ومنها مكاتب العمل حيث أمكن، لكنها لم تلزم الناس بالحجر في منازلهم.
بات الخروج من المنزل امتيازًا على شعوب مجاورة متقاربة المستوى المعيشي والتنظيم الاجتماعي.
امتياز آخر مفاجئ في هذا الظرف كان استمرار الطقس الجميل، بل والحار أحيانًا، لأكثر من شهرين ونصف الشهر. هكذا كان بإمكان المرء أن يقضي معظم وقت الحظر متجولًا، وإن كان يتفادى الآخرين ويتفادوه في نزقٍ أحيانًا، في حدائق وغابات المدينة أو على شاطئ البحر شبه الخالي، مكتشفًا ربما للمرة الأولى الزوايا المتشابهة للمدن الثانوية في الشمال الأوروبي.
بل وكان من حظي امتياز إضافي؛ إذ كنت من القلائل الذين كان في وسعهم
الذهاب إلى المكتب للعمل حينما يشاؤون.. فحتى وإن شابهت المكاتب أفلام نهاية العالم فإنها تحتفظ ببعض الألفة وإشاراتنا وملامح ذكرياتنا على سطح المكتب أو بجانب الكمبيوتر، فيما الآخرون ملزمون بالعمل من بيوتهم. الشباب (النسبي طبعًا) عنى أيضًا امتياز التحرر من الخوف من المرض نفسه، إذ أشارت كل الإحصاءات إلى ضآلة جسامته وخطورته على من تقل أعمارهم عن سن التقاعد.
كل ما كان في بداهة الظن أن الكوارث لا تصيب إلا الآخرين بات امتيازًا مكشوفًا أمام العينين.
لكن ربما كان هنالك امتياز إضافي فوق
كل ذلك، إذ أتاح تباطؤ كل شيء من حولنا، وامتناع السفر، وقتًا فائضًا لا نكاد نعرف كيف ننفقه.
وفي ذلك شعور طفيف بالذنب، وكأنما سيسأل واحدنا عن حظره فيما أفناه. سيولة الزمكان
يشبه المكان في هذه المدينة الزمان! في وسطها التاريخي الصغير، بضع شوارع تعد على أصابع اليدين، فيها المحال التجارية والسينمات والكازينوهات المقفلة وبعض المباني التاريخية ومعالم السلطة من برلمان وقصر ملكي ومتاحف غنية مع صغرها.
خارجها تتشابه الشوارع تشابهًا مخيفًا. يمكن التخمين ربما أن شوارع متقاربة
بنيت بعد الحرب العالمية الأولى، وغيرها بعد الثانية التي شهد بعض الدمار في أثناء الهجوم الألماني، وسواها من المباني الزجاجية الأعلى ارتفاعًا والأقبح منظرًا في الأعوام الأخيرة في ظل اقتصاد مزدهر وفائض مالي لا يعرفون أين يستثمرونه. الزمان أيضًا رتيب متشابه.
الثورات والحروب انتهت منذ زمن بعيد. ما تبقى هو إدارة تقنية، تميل يمنة أو يسارًا، ولكن دون انعطافات قاسية. لا يمكن تذكر أحداث مميزة ربما منذ ثلاثة أرباع القرن.
زمن الحظر هو زمن رتابة إضافية. لكن الرتابة على غير المتوقع لا تجعله أطول! لاحظ أحدهم أن زمن الحظر كزمن
السجن، دقائقه طويلة لكن أيامه، بل وأشهره، سريعة. دخلنا هذه المرحلة من الحظر قبل أحد عشر أسبوعًا، مروا دون أن ألاحظهم أو أن يستوقفني فيهم عبورهم نفسه.
هو زمن سائل بالضبط مثل البلوكات الطويلة من المباني ذات الطوب البني المتلاصقة المتشابهة.
تخيل صفًا طويلًا من المداخل، وقد نزعت عنها أرقامها. كيف سيعرف الساكن مسكنه؟
هكذا تمر أسابيع وأشهر الحظر، دون أرقام. تختلط بعضها ببعض، وإذ لا أذكر مبدأها، فإني لا أذكر أيضًا أية معالم على طريقها.
كلما ابتعدنا عن الوسط التاريخي ذي المعالم القليلة لكن الواضحة، باتت الشوارع مثل الأوتوسترادات التي نعبرها في سيارات سريعة، فلا نشعر بسرعتنا إلا حين ننظر إلى أعمدة النور وإيقاع المرور الذي يلقيها خلفنا. السرعة أيضًا سيولة الزمن لولا هذا الإيقاع.
لا غرابة أن اشتقت العربية من الجذر نفسه والإيقاع والوقائع.
ليس الإيقاع بالضرورة تكرارًا منتظمًا، لكنه تشديد على حوادث تقع على مسافة ما من بعضها.
الوقائع أي الأحداث الجسام، أو المعارك الكبرى، كانت أيضًا ما يؤرخ به العرب حيواتهم، إذ على وقع إيقاعها يمكن