البطل التراجيدي أحد تجليات الإنسان الأعلى منذ نحو 2500 سنة، لكن هناك الآلهة، بما تحققه من توازن اجتماعي وفقًا للفلسفة الإغريقية الكلاسيكية!
لم يخترع نيتشه مفهوم الإنسان الأعلى، الأسطوري، الخارق، المسيطر على كل شيء.. الإنسان السوبر..
لقد سيطرت هذه الفكرة على الإنسان منذ زمن بعيد.. فابتكر إنسانه الأرقى.. ولعل البطل التراجيدي عند الإغريق كان أحد تجليات هذا الإنسان الأعلى منذ نحو ألفين وخمسمئة سنة، لكن دائمًا كانت هناك قوة أعلى منه متمثلة في الآلهة، بما تحققه من توازن اجتماعي وفقًا للفلسفة الكلاسيكية التي وضعها الإغريق..
حتى جاء نيتشه، وجعل من هذا المفهوم محورًا رئيسيًّا لفلسفته.
نيتشه وشارباه الطويلان..
لكن كيف يمكن أن يتحقق الهدف دون تحرر كامل من كل شيء، كل قوة،
كل سلطة، ليصبح هو مالك كل قوة وكل سلطة..
المالك الأوحد لخيوط السيطرة على تفاصيل حياته، ولذلك كان لا بد له من تقويض سلطة القدر والطبيعة،
أو موت الآلهة… لتبدأ الحياة.
ماذا لو رأيت نيتشه بيننا، يمشي في المدينة، يطبق نظرياته كما تصورها، وإن كان بلا شواربه الطويلة!
باغت مسلسل لعبة نيوتن متابعي الدراما الرمضانية المملة ليدمر التصور النمطي عما يسمى بالموسم الرمضاني
الذي يتسم بالرتابة والتشابه وسهولة توقع مساراته من الحلقة الأولى. اعتمدت معايير النجاح “الرمضاني” في السنوات الأخيرة على تجاهل الفن واستبداله بمعايير أخرى كثقافة الكلمات المقفاة التي أعدت كي تكون “بوستًا” يجلب التفاعل اللحظي على مواقع التواصل الاجتماعي، وفرضت ثقافة الإبهار البصري الهوليودية نفسها كمعيار مشوه لتذوق الفن. الخلفيات المجتمعية لشخصيات المسلسل كانت سببًا من أسباب المتابعة الجارفة؛ فأغلب الشخصيات تواجه تحديات مجتمعية عدا بدر الذي قُدم بصورة غامضة، غير محدد الدوافع، سلوكه
بالنسبة لكتالوج المشاهد العادي غريب. مما استدعى بعض التشوش العاطفي في الحكم عليه.
فتفاعل الجمهور مع الشخصية بالسخرية والحذر والاستهجان وأخيرًا التعاطف.
يريد الجمهور تصنيف الشخصيات داخل ثنائية الخير والشر للتفاعل معها وهذا ما كان صعبًا عند تطبيقه علي بدر، تقف الشخصيات الأخرى على أرضية مجتمعية متقاربة مهما تطرفت، على عكس بدر الذي كان خارج هذا الاتفاق، كان ببساطة غريبًا؛ والغرابة هي ما يثير اهتمام الإنسان عمومًا، اللامتوقع، شخص يعبر الطريق
لن يثير اهتمام أحد، نفس الشخص لو عبر الشارع دون ملابس سيحوز كامل الاهتمام.
التشكل
بداية سننظر إلى شخصية بدر من تفاصيل تقديمه، البدر هو مصطلح لغوي يستخدم لوصف القمر ليلة كماله عندما يتوسط السماء ليظهر لنا نحن سكان الأرض بكامل نوره وبهائه، دخل بدر على خط الأحداث عندما اشترى الأرض التي يؤجرها، البطلان، حازم وهنا قطعة صغيرة كمنحل، تبدأ علاقة حازم ببدر عندما ذهب إليه للتفاوض على استمرار إيجار الأرض بصفته المالك
المالك الجديد، هنا يظهر بدر للمرة الأولى، ولكن قبل الدخول في تحليل سلوكه دعونا نستعرض عناصر المشهد الأخرى لنحاول فهم عالم بدر واختلافه، في خلفية هذا المشهد أغنية أم كلثوم أراك عصي الدمع ولكنها النسخة الأقدم؛ النسخة التي لحنها عبده الحامولي عام 1926، وهي غير النسخة الشائعة الأكثر شعبية، التي أعاد تلحينها رياض السنباطي بعد ما يقارب الأربعين عامًا. ممسكًا بسكين يقطع به الخيار بينما ينظر إلى حازم نظرة متفحصة، نرى محتويات طاولته من الطعام “الأورجانيك”، ما تجود به الأرض بشكل طبيعي دون مساس من أذرع الحضارة
العابثة ويبدأ حوارهما الأول أمام صحون الزبادي والجبن والفطير، ويرد بدر علي طلب حازم بمهمة إذا نجح فيها سيعطيه الأرض بلا مقابل؛ برطمان عسل من إنتاجه، ومعيار النجاح هو جودة العسل، لن يكترث لثمن الإيجار إن أعجبه العسل، وهنا يظهر الغموض للوهلة الأولى، من لا يهتم لإيجار أرضه عوضًا عن اهتمامه بجودة العسل! للوهلة الأولى ظننت أن بدرًا شخص صوفي مستغن عن العالم وما فيه، ولم أتحمس لهذا الطرح، كان رد الفعل الجماهيري الأول هو نقاشات تتمحور حول عدم فهم الشخصية ودوافعها، بدر وابتسامته العريضة واللامبالاة التي