أهمية هذا المقال الذي أنهيته قبل 14 عامًا بالتعاطف مع حسن حنفي، وشعوره بالزمن، وبدأته منحازًا لنموذج نصر أبو زيد في الشجاعة!
هل يمكن أن نتكلم عن الفلسفة أو الفكر أو العقل اليوم.. في ظل شعور عام بأننا مقبلون على كارثة.. أو نحن فيها بالفعل؛ تلبسنا أرواح الهروب من الخراب، أو جحيم ما بعد الزلازل الكبيرة؟ هل للحكمة دور هنا غير تثبيت الوضع، أو مصادرة طرق الهروب لصالح ركن مستقر في الخراب؟ وهنا أهمية هذا المقال الذي أنهيته قبل 14 عامًا بالتعاطف مع حسن حنفي، وشعوره بالزمن، وقد بدأته منحازًا لنموذج نصر أبو زيد في الشجاعة.
هل نواجه التخلف بالتَّقيَّة والهروب ووضع الألغام، أم بالبسالة وتفجير القنابل الموقوتة؟
التَّقيَّة أم الشجاعة في مواجهة التخلف؟ كيف يمكن التفكير الآن بعد أن لمسنا الخراب كما لم يتوقع لا حسن حنفي ولا نصر أبو زيد؟ أسئلة لم تعد ترفًا في ظل لحظة صدق عنيفة جدًا؛ عارية من الأكاذيب التي عاشها الناس في مصر منذ ميلادها الحديث؛ فالدولة تعرف وتتصرف على أنها مجرد مسرح لحكم المنتصر بالقوة (الغالب راكب)، ويمارس المارشال الحاكم هذه السلطة دون أن تشغله أكسسوارات المسرح الثقيلة؛ يتعامل مثل الساحر/ الحاوي الذي يلغي الواقع كي تظهر ألعابه ومعجزاته، ويرد المجتمع بالدخول في ثقوب الغيبوبة الزمنية، وتخرج إلى السطح
مكنونات صادمة من الفانتازيا الجنسية مع الموتى والحيوانات، وتهليل صاخب في حرب مختلقة مع “مجلس إدارة العالم”. هذا الصدق ليس نهاية العالم أو علامات الانحلال أو السقوط كما يتخيل الرومانتيكيون والمثاليون وأبناء العلاقة بينهما، لكنه مفترق طرق عادي بعد زلزال 2011. قد يظهر بعد من يعيد الأكسسوارات للمسرح، ويغطي على الفانتازيا بإكليشيهات التقوى والانسجام الجميل، وقد تساهم هذه اللحظة الصادقة في مزيد من التعرية والاحتياج إلى تفكير جديد في الحياة هنا والآن، دون أوهام أو صور مستهلكة عن زمن جميل وانسجام أجمل ضاعا منا.
ندوة الاعترافات
“هذه ندوة الاعترافات“. همست لمحمد شعير ونحن نلتقط أنفاسنا أخيرًا. سافرنا في الثانية عشر من القاهرة ووصلنا إلى الإسكندرية قبل موعد ندوة نصر أبو زيد بعشر دقائق (الثلاثاء الساعة الثالثة ظهرًا).
أسميناها بهذا الاسم على الرغم من أنها إحدى جلسات مؤتمر الجمعية الفلسفية (موضوعها: النقد في الفلسفة والفكر الاجتماعي). لكنها المرة الأولى التي يشارك فيها نصر أبو زيد في نشاط علمي بعد معركته الشهيرة مع قناصة التكفير. أي أنه هنا بدعوة من جمعية مصرية ولأنه أستاذ جامعي.
وهذا وحده حدث كبير يقطع 8 سنوات من الحياة في المنفى الثقافي: هولندا. (نصر يتمنى مقابلة نجيب محفوظ قبل عودته. وهناك مشروع أيضًا لظهوره في صالون جمال الغيطاني على قناة دريم). افتتح نصر كلامه بهذا الاعتراف: “اليوم فقط أشعر برد اعتباري.. انتظرت طويلاً لكي أتلقى دعوة من جامعتي. جامعة القاهرة.. لكي أرجع.. انتظرت أن يسألوني عن الرسائل التي أشرف عليها.. أو أن يشعروني بأن هناك من يدافع عن حق البحث العلمي وحريته.. لم يتحرك أحد من المسؤولين.. وربما لم يهتموا.. شعرت بالحزن الكبير، حتى قلت لنفسي: الجامعة ليست وطني..
وطني هو مصر وسأعود.. هكذا أتيت في زيارة عادية بناءً على نصيحة الدكتور حسن حنفي.. وها هي ذي الزيارة الثانية بدعوة من الجمعية الفلسفية وحسن حنفي.. دعوة انتظرتها طويلاً.. ولا أعتقد أن هناك تكريمًا أكبر من قراءة كتبي.. وما أسعد من يناله هذا التكريم بهذا الصيغة!”.
الشحنة العاطفية بدت متساوية هنا مع دقة توصيف الحالة: باحث جامعي يطارد في بلده بسبب أفكاره، نتاج بحثه خارج الأسوار المستقرة للمعرفة، ربما تكون بدأت من مخازن الآيديولوجيا لكنها مع التفاعل تحررت وبحثت عن فضاء أوسع.. انتظر نصر أن تتحرك
الجامعة فهي عنده ملعب من ملاعب انتصاره في الحياة والحرية. دخلها في سن الخامسة والعشرين عندما بدأ الدراسة بها في 1968. تفوق وتخرج بامتياز ومرتبة الشرف، وكاد يضيع حقه في التعيين بالسلك الجامعي (بسبب أحلام رشاد رشدي في بسط هيمنة قسم اللغة الإنجليزية على الجامعة) لكنه قابل رئيس الجامعة وظل يلح في الدفاع عن حقه حتى ناله هو وزملاء دفعته.. ثم عندما اختار فرع الدراسات الإسلامية ليكون محور دراساته العليا اعترض مجلس القسم (كانت بداية سيطرة الوعاظ) وخرج نصر من المعارك باحثًا متميزًا يؤمن بحرية البحث العلمي..