المدينة والمنفى بعد ٢٣ سنة فى الأسر

عصافير سقطت من جواز سفر نادر صدقة

 المدينة والمنفى بعد ٢٣ سنة فى الأسر

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

نادر صدقة ليس مجرد "سامري" عابر في تقارير الأخبار، بل روح تحمل الهوية الفلسطينية. من نابلس ومطاردات "جبل النار" لمؤبدات ستة في سجون الاحتلال. واليوم، يطل من القاهرة حاملاً وجع رفاق سقطوا من الذاكرة.

ربما مر بك يومًا اسم نادر صدقة، أو صادفت صورة له أو مقطعًا مصورًا، أو ذكرًا لقصته قد بلغ مسامعك. ولم لا؟ وهو من أكثر المحرَّرين حضورًا في الإعلام العربي في الصفقة الأخيرة؛ نظرًا إلى فرادة حالته كونه "سامريًّا". لكن نادر لديه ما هو أعمق من الهوية الدينية، وأغزر مما قد ترويه تقارير الأخبار العابرة. وفي مستهل حوارنا، ناولني نادر جواز سفره الذي تسلمه لتوه من سفارة دولة فلسطين؛ وغمرته فرحة ممزوجة بسخرية، فتناول مفكرتي، ودوِّن فيها هذه الأبيات لمحمود درويش:
كل العصافير التي لاحقت كفى

على باب المطار البعيد
كل حقول القمح، كل السجون،
كل القبور البيض كل الحدود،
كل المناديل التي لوَّحت،
كل العيون، كانت معي،
لكنهم قد أسقطوها من جواز السفر! 
وأما الجواز، فمكتوب فيه: نادر صالح ممدوح صدقة، الميلاد: ١٢ ديسمبر ١٩٧٧. الجنسية: فلسطيني. لا شيء آخر يعرف به نادر وفقًا للهوية الرسمية وكما يحب أن يعرف نفسه. عندما تجلس أمامه، تشعر أنك أمام فارس قادم من العصور الوسطى، أو شخصية خرجت للتو من الروايات "الرومانسية" في الأدب الفرنسي الكلاسيكي؛ يمكنه أن

رغم المعاملة العدائية لكونه سامريًّا، رفض نادر صدقة الاعتراف بشرعية المحاكم العسكرية، مؤكدًا أن المحتل هو من ينبغي أن يحاكم

يحارب بالسيف لا بالبندقية.
ونادر موهوب في الرسم، ومشهور بجودة الخط، حتى إنه قضى وقتًا في السجن يصمم "الوشوم" لرفاقه، كأنه يطبع الحلم على جلودهم.
يمتلك ملامح طفولية هادئة، ونحولة في الجسد وذكاءً ألمعيًّا ورقة في الروح ومنطقًا لا يغلب ولكن كن حذرًا؛ فقد لا تسلم من نقده اللاذع. وهو نقد لا يوجهه إليك كشخص، بقدر ما يشرِّح به وضع قضيته، فيخرج من قلب "الصندوق الأسود" الذي رفض أن يفتح أسراره للسجان، وبقي صامدًا رغم مؤبدات ستة حاصرته لأعوام.
لم يكن نادر يومًا أقلية دينية منعزلة،

بل عرَّف نفسه منذ الانتفاضة الأولى بوصفه عربيًّا فلسطينيًّا مقاتلاً. انتمى للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، متأثرًا بإرث جورج حبش وكنفاني، مستلهمًا تمرده من شعر مظفر النواب. التحق بجامعة النجاح ليدرس التاريخ، لكنه مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام ٢٠٠٠، قرر أن "يصنع" التاريخ بدلاً من دراسته، وأن يمحو آثار عدوه بدلاً من البحث عن الآثار، فانخرط في كتائب الشهيد أبو علي مصطفى. وقاد عمليات نوعية هزت أمن الاحتلال، من استهداف القوات الخاصة في عملية "جران فرش"، إلى المشاركة في استهداف معسكر "الحمرا".

رافق القادة الكبار فادي حنيني وجبريل عواد، وبعد استشهادهما، أقسم مع رفيقيه يامن فرج وأمجد مليطات على الرد، فكانت العملية الاستشهادية في "بتاح تكفا" عام ٢٠٠٣. بعدها أصبح أحد أخطر المطلوبين، وبعد استشهاد يامن وأمجد، تولى قيادة الكتائب في نابلس، وظل مطاردًا لعامين حتى وقع في الأسر في أغسطس ٢٠٠٤.
في السجن، برزت ملامحه؛ فرغم المعاملة العدائية الخاصة لكونه سامريًّا، رفض الاعتراف بشرعية المحاكم العسكرية، وأبى الوقوف أمام قضاة الاحتلال، مؤكدًا أن المحتل هو من ينبغي أن يحاكم. ردًا على هذا، أصدرت

بعد صفقة التبادل، نادر الآن في قلب القاهرة، مبعد أو رمبا منفي، لكن ملامحه تقول إنه لم يغادر نابلس بعد، أو ربما نابلس هي التي ترفض مغادرته

المحكمة حكمًا انتقاميًّا بالسجن المؤبد ٦ مرات.
في الأسر كان فنانًّا تشكيليًّا، ومحاضرًا للأسرى، وممثلاً لهم بفضل إتقانه العبرية. عرف بانفتاحه الفكري وروحه المرحة التي لم تكسرها الأحكام الثقيلة، وظل الصندوق الأسود الذي يحمل أسرار العمليات ورفاقه الذين استشهدوا. اليوم، وبعد ٢٣ عامًا من الأسر، خرج نادر صدقة في أكتوبر ٢٠٢٥ ضمن صفقة تبادل، مبعدًا إلى مصر. فكان هذا الحوار بعد نحو شهرين من تحريره. التقيته في أحد كمبوندات أقصى غرب القاهرة. فقلت باستنكار: "أنت تعيش في هذه المستوطنة؟!".

ضحك ساخرًا وقال: "صدقتِ!".
لكننا قررنا أن ننتزع الحوار من أسوار العزلة لنلقي به في مساحة برجوازية أخرى، في الزمالك. وفي شوارعه الهادئة، مشينا تمر بنا تفاصيل التاريخ المصري المعقد. مررنا بقصر الشيوعي هنري كورييل؛ الذي تحول إلى سفارة الجزائر بعد الثورة. تأمل نادر المكان بصمت من يعرف قيمته الرمزية. ثم واصلنا السير لنمرَّ أمام قصور فخمة، وبوابات ضخمة يخرج منها طلاب وطالبات. سألني بدهشة: "ماذا يفعل هؤلاء الطلاب هنا؟".
أخبرته أنها قصور قديمة صارت كليات. التمعت عيناه بابتسامة نصر، وقال

اقرأ أيضاً

يوسف شاهين ومعركة المخرج المؤلف

يوسف شاهين ومعركة المخرج المؤلف

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦