بتهوّر غير محسوب، أو هو محسوب، قام محمد شطا بسلسلة من الأفعال الفاضحة كان يمكن أن تقوده إلى السجن، لولا تدخُّل بعض الأصدقاء لاحتواء الأمر!
1
سبعة عشر عامًا قضاها محمد شطا في القاهرة كُللت بفشل ذريع من المنظور المديني البرجوازي. لكن ذلك الانهيار الذي أصاب حياته الزوجية والمهنية أحدثه هو بيده، وكأنه بالحماقات الكبرى التي ارتكبها كان يريد أن يبصق على تلك المؤسسة الصغيرة التي حازها في المدينة، فطوّقته بقيود لم يتخيل حجمها. جَسَده نفسه صار مُكبلاً بخيوط حريرية لا تُرى. كأن الطبقة المتوسطة القاهرية قد أعادت هندسة أعضائه وحركتها في الفضاء، حتى داخل البيت. تلك الحماقات كانت طريقته في الانفجار. طلبت زوجته الطلاق فورًا،
فطلّقها؛ ولم يُفصل من عمله، إذ أنه كان يعمل دون تعاقد؛ لكنه فهم أنّ من المستحيل أن يعود إلى ذلك المكتب ثانيةً بعد ما حدث.
2
رجع شطا إلى قريتهم في أقصى شمال الدلتا، فلاحًا كآبائه. تزوج من ابنة خالته ذات السبعة والعشرين عاما، العانس في عُرف القرية. ابنة خالته تماثل خالته في الملامح بل تماثل أمه أيضًا، لكنها لا تزال شابة ممتلئة الجسد موفورة الصحة. أشعلت فيه تلك الزيجة رغبةً عارمة أججتها بدائية تلك العلاقة العشائرية، كأنه يتجاوز نحو المحارم، ينتهك جسدًا مقدسًا. غاص شطا في طمي الدلتا
الداكن وغرق في لُجَّة الطبيعة الأم والمتعة الحرِّيفة.
3
بتهوّر غير محسوب، أو هو محسوب بشكل غير واعٍ، قام محمد شطا بسلسلة من الأفعال الفاضحة كان يمكن أن تقوده إلى السجن، لولا تدخُّل بعض الأصدقاء لاحتواء الأمر. الأدهى أن تلك الفضائح حدثت في محيط أسرته وعمله، ما ترتب عليه بالطبع طلاقه وفقدانه للوظيفة.
فعاد إلى بلدتهم ذات ظهيرة شديدة الحرارة من أغسطس، وجلس إلى جوار أمه على سريرها الواطئ. سألته عن حاله وعن زوجته وابنه.
قال لها “طلّقت كل حاجة في مصر يامّا وعايز أتجوز أمل بنت خالتي”.
4
كان شطا قد حصل على الثانوية العامة بمجموعٍ عال في بداية العقد الأخير من القرن العشرين، ما أهَّله للالتحاق بكلية الإعلام الوحيدة المتاحة في مصر وقتها، في جامعة القاهرة. اختار كلية الإعلام لشغفه بالكتابة والأدب، مُعتبرًا إياها الطريق المباشر للعمل في الصحافة. وفي ذاك الزمن كانت كلية الإعلام تتشارك المبنى نفسه مع كلية فريدة أخرى في القُطر، هي كلّية الاقتصاد والعلوم السياسية، وما أدريك (بالإمالة) ما كلية الاقتصاد والعلوم السياسية. تمر بها فلا
تحسب طلبتها من طلبة جامعة القاهرة البؤساء. فتيات أشبه بممثلات السينما وشباب متوّرد في أناقة لا يعرفها طلاب إمبابة والسيدة زينب وهم الجسد الأكبر بين طلاب الجامعة العريقة. لم يكن طلبة الإعلام على نفس الدرجة من البرجوازية، لكن كان عليهم أن يجاروا جيرانهم في المبنى بما استطاعوا. ولعجز شطا عن المجاراة في الإنفاق والأزياء، كانت ثقافته الواسعة بالنسبة لأقرانه وتفوُّقه الدراسي وخفة ظله مع السلاح الناجع في مواجهة كل هذا الاستعلاء. كان يحلو له أن يقول لأقرانه مُتهكمًا على نفسه: “أنا طالع الأول على كفر البطيخ في الثانوية العامة أدبي يا بشر!”.
وكانت تلك الدعابة تثير ضحكًا غزيرًا بين زملائه، وهم يظنون أن “كفر البطيخ” مجرد اسم ساخر يختصر الريف المصري كله بفلاحيه لدى القاهريين. لكن شطا لم يكن يكذب، فهو ينتمي لعزبة كُحيل بمحافظة دمياط، وهي من القرى التابعة لكفر البطيخ الذي لم يعد مجرد قرية أو كفر، بل مدينة ومركز تتبع له عزبة كحيل. وقد تخرج شطا بالفعل في”كفر البطيخ الثانوية المشتركة” وبالفعل جاء أولاً على القسم الأدبي في المركز كله.
5
يجدر أن نقول إن أمل عروسه الجديدة ليست ابنة خالته فقط، فهي ابنة عمه
فوق ذلك. فأبوه وعمه كانا قد تزوجا من شقيقتين، وهما في الأصل ابنتي عمَّهما أيضًا. من هنا كانت القرابة متشابكة. وإذا عرفنا أن بيتي الأسرتين متلاصقان في الحارة نفسها، لتوقعنا أن العريس وعروسه قد نشآ في تداخل أخوي حتى ولو كان محمد يكبُر أمل بعشر سنوات كاملة.
فعندما كان شطا فتىً يتأهل للسفر إلى القاهرة بعد الثانوية، كانت أمل بعدها طفلةً تلهو بين الدارين المتداخلين في عزبة كُحيل.
6
قبل التخرج بقليل ارتبط “شطا بتاع كفر البطيخ” بروزا زميلته في الكلية. وقعت في غرامه؛ كان حضوره لا يقاوم: