أعجبتنا محاولة إعادة النظر في الصور التي يصنعها كتاب التاريخ لشخصيات لم نعاصرها؛ محمد محمود باشا الذي كان محبوسًا في صورة «ديكتاتور»!
في هذا المقال أعجبتنا محاولة إعادة النظر في الصور التي يصنعها كتاب التاريخ لشخصيات لم نعاصرها؛ محمد محمود باشا كان محبوسًا في صورة “ديكتاتور”، بينما تغيب تفاصيله الأخرى.. تلك التفاصيل التي لا تجعله بطلاً؛ كما هي صورة شخصيات معاصرة له مثل سعد زغلول أو مصطفى النحاس، لكنها تجعلنا نقرأ التاريخ بجوانبه المعقدة، المركبة، لا مجرد فيلم ساذج مكتوب في حجرة علوية عن صراع بين الشر والخير، أو أبطال لا تشوبهم شائبة، وأعداء ينقصهم إكسسوارات قليلة ليصبحوا شياطين.. هذه المحاولة تستدعي النقاش والنبش
في تاريخ صنعه الهوى؛ هوى صناعة الأبطال.. ونحن نعلم أنه لا ينتظر الأبطال سوى البائسون .
لا يوجد تاريخ مدون بعيدًا عن رؤية موجهة، فاختيار ما يستحق التدوين تقرره الأهواء والمصالح وفقًا ذلك تصبح الوقائع مادة للآراء، التي تظل جميعها مشروعة ما دامت تحترم حقيقة الواقعة. وتحت هذه المظلة سأروي حكاية مغايرة عن واحد من أبرز رجال ثورة 19، الرواية الرسمية أدانته باعتباره ديكتاتورًا، في الوقت الذي تسامحت فيه مع أخطاء وجرائر أبطالها، لتموهها وتتجاوزها ولا تتوقف إلا عند نموذج مثل محمد محمود باشا، بطل حكايتنا، لتدينه.
في تلك الحقبة؛ حين كان الاحتلال هو من يدير مصر فعليا أقر المعتمد البريطاني كرومر سياسة تقضي بتوظيف المصريين في الوظائف الحكومية ودفعهم إلى الترقي فيها، ليجري تعيين محمد محمود وكيل مفتش بوزارة المالية (1901)، ويتدرج بالوظائف الحكومية إلى أن أمسى مديرًا للفيوم (1906) انتقل بعدها إلى البحيرة مديرًا حتى 1916.
ثقافة محمد محمود الإنجليزية
كان أول مصري يتخرج من جامعة أكسفورد، اعتبرت ميزة جعلته مفضلاً لدى إدارة الاحتلال مثل ما رأى البعض، لكن هذه الثقافة لم تحرضه على أن
يكون أداة طيعة في أيدي المحتل..
إذ شهدت تلك الفترة صدامات بينه وبين الموظفين الإنجليز، وكثيرًا ما أغضب المستشارين والمفتشين أصحاب اليد الطولى في المديريات، بسبب ما عُرف عنه من استقلال في الرأي واعتزاز بالنفس، وأثار ذلك بالطبع سخط دوائر الاحتلال، ووصل الأمر إلى حد أن لفقوا له تهمة وأجبروه على الاستقالة (1916).
مع الخديو عباس كانت له مواقف تؤكد على ما اتصف به الباشا من أنفة ونزاهة جعلته يتصدى لأعلى رأس في الدولة بسبب تمسكه بتطبيق القانون على أحد موظفي الخاصة الخديوية،
ويُحكى أن عباس زار الفيوم بعد الواقعة، وحاول توجيه إهانة إلى محمد بطريقة غير مباشرة، فنسب الخديو تصرف الباشا إلى أحد مرؤسيه وعلق: أنت عندك ضباط لم يتربوا كفاية.
فجاء رد محمد محمود سريعًا ومفجعًا: بالعكس يا مولاي.. موظفي خاصتك هم الذين لم يتربوا بما فيه الكفاية. إثر هذه الحادثة نقل محمد محمود إلى مديرية البحيرة، لكن بعد فترة ليست طويلة غفر الخديو لرجلنا ما تقدم، بل ومُنح رتبة الباشوية، والسر أنه عمد إلى مخالفة الإنجليز(كان الخديو بتلك الفترة يناوئ الإنجليز محاولاً انتزاع شيء من سلطانه) في واقعة تخص أحد قادة
الحزب الوطني، إذ طلب الإنجليز من الباشا أن يأمر بتفتيش منزل القيادي، فقد كانوا على ثقة من أنه يخبئ أسلحة بمنزله، ففتش محمد محمود المنزل ورفع تقريرًا بعدها أنه لم يجد شيئًا، وكان هذا الموقف سببًا في غضب الإنجليز عليه، إلى جانب ذلك أصدر محمد محمود قرارًا بإلغاء تدريس اللغة الإنجليزية كمادة أولى بالمدارس الأميرية، وخلال إدارته ازداد نشاط العناصر الوطنية المناصرة لتركيا في أثناء الحرب العالمية الأولى، إذ سجلت التقارير البريطانية أنه وإن كان غير موال للأتراك لكنه “من المؤكد أداة من أدوات الوطنيين”، واستمر الباشا في سياسته