حين يرد ذكر فرانز كافكا ستفكر على الفور في توصيفات كثيرة، تنتمي إلى شخصه وأدبه، من بينها حشرة/ حقارة/ نبذ/ اغتراب/ بؤس لكن أين المرأة؟!
من خلال تعريفات كافكا لنفسه في رسائله ويومياته، ومن خلال أدبه، الذي يبدأ عادة من شيء شخصي، معنيّ بحدث من حياته، أو من تأملاته، وينتهي إلى أفكار كونية، قادرة على الاشتباك مع اللحظة الراهنة. وقد أنتجت تعددية كافكا ككاتب اتجاهًا أدبيًّا يُعرف بالكافكاوية، وهو ما قد يشير إلى منتج أدبي ذي جودة “شديد التعقيد، غريب وغير منطقي!”..
غير أن كافكا كان يبحث من خلال تلاشي المنطق، عن تفسير للصراع الداخلي الذي كان يعيشه، وينظر إلى العالم من خلاله. وبالتحرك في الاتجاه المضاد، أي إلى كونديرا..
الذي رأى أن كافكا، يُقرأ من خلال أدبه فقط، وأن البحث الدؤوب وراء شخصه، ينتج كافكا ممسوخًا. ويشير ريكاردو بيجليا في “القارئ الأخير” أن كل ما كتبه كافكا يعتبر حلقة في أدبه، وأن فعل قراءة أي شيء كتبه، سواء كان قصة أو رواية، يوميات أو رسالة، يشغل حيز الفضاء بين الواقع والحلم، ذلك الفضاء المشغول هو ما ينتج جزء من الحقيقة”. كان كل شيء عند كافكا مادة للأدب، كل رسالة هي مشروع في كتابة قصة لاحقة، وكل اعتراف دارج مع الأصدقاء مادة مستقبلية لإنتاج أدب ما.
حتى طفولته، في استدعائها الحزين، المبطن بالأسئلة والإجابات المفخخة بأسئلة أخرى.
هي فرصة أيضًا للتفكير حول عمل جديد.. كيف إذن كيف يعمل الميكانيزم الكافكاوي على إنتاج الأدب، بعشوائية خلاقة، من خلال أي علاقة تنشأ، أو حادثة دارجة تقتحم فراغ جلسات كافكا، التي عادة، ما كان يعبِّر عن اغترابه عنها؟
تخلق احتمالات الإجابة مثلها من التشابكات، يجمعها شيء واحد. يشير بيجليا إلى ذلك في قراءته رسائل كافكا مع فيليس، إحدى حبيباته، حين يعرّف هذه العلاقة بأنها” مناورة صغيرة في استراتيجية طويلة ومعقدة من مناورات كافكا، نوع من حرب الأوضاع النمطية المعتاد في حياته وأدبه”.
كافكا وصديقه الكاتب ماكس برود
بحثًا عن طبيعة هذه المناورات، ثمّة حلقات مركزية، يمكن الاقتراب عبرها إلى كافكا في غرفة الكتابة؛ غرفة رأسه، والغرفة الهادئة المنزوية التي تمثِّل فرصة كتابة أبدية، أحد تعريفات فراديسه القليلة. إحدى هذه الحلقات أن الأدب عند كافكا يصوغ التجربة، يشكلها ويستبقها.. يكتب لفيليس في إحدى رسائله “ليس لديَّ اهتمام أدبي، أنا مصنوع من أدب، لست شيئا آخر ولا أستطيع ان أكون شيئا آخر“. ونحن نتساءل عن ميكانيزم خلق مواد الكتابة القائم على المناورة، والتحول من قطب إلى آخر، خلال رسالة أو فقرة واحدة في اليوميات: كيف كان يستبق كافكا التجارب بالأدب، وما حيثيات مناوراته؟
ضربة على الطاولة..
في 13 أغسطس 1912، ذهب كافكا إلى منزل صديقه ماكس برود، ليقدم له، ولأصدقاء آخرين، إحدى مسودات كتابه الأول، وهناك التقي بيفيلس، قريبة بعيدة لبرود التي جاءت لزيارته. وقد ظهر انطباع كافكا المبدئي في رسالة لبرود “أمس، حين كنت أرتب النصوص الموجزة، وجدت نفسي تحت تأثير الآنسة، ومن المحتمل جدًا، أن أكون قد انزلقت في ارتكاب حماقة ما بسببها”.. صدَّق كافكا على “الحماقة” كرد فعل مبدئي تجاه فيليس، لأنه بعد ذلك، وفي رسالة 27 أكتوبر إليها، يذكر تفاصيل المكان يوم لقائهما الأول في منزل برود، ويورد كيف كانت تجلس، وكيف كان