في نابولي خان المدينة التي جعلته قديسها؛ خيانة وقح لعوب يمر بالمدن ولا يتركها كما هي. هكذا فعل المحاربون ما قبل مارادونا.. محرر المدن بمعناه الأعمق!
لم يستطع أحد أو شيء أن ينقذ مارادونا من السأم.. وداعه في “كولياكان” عاصمة المخدرات المكسيكية، لم يكن مثل وداع نابولي.. تركهم فجأة في منتصف الطريق، قائلاً: فعلتُ كل شيء في الحياة! وعاد إلى بوينس إيرس.. قال طبيبه إنه بالتأكيد انتحر؛ أي استسلم قبل أن يكمل عامه الستين؛ توقف عن الدواء والطعام.. هكذا فسَّر الطبيب نهاية مارادونا، الذي منح البشرية منذ ظهوره نغزة تعيد تقليب الأوراق كلما استقرت في خدمة الأقوياء.. لمع مارادونا واللعبة تغادر المتعة إلى الصناعة، وكأنه روح قديمة عصية على الخضوع، وتحشر نفسها في ماكينة هادرة ومسيطرة..
لديه فائض أدرينالين يشتعل به ذاتيًّا كلما حاصرته طقوس الضبط والترويض.. ومع كل اشتعال صدمة وفضيحة.. ظل صعلوكًا على الدوام في زمن يتحول فيه اللاعبون إلى طبقات الأثرياء، والأرستقراطية المستمتعة بأكتاف البروليتاريا.. في نابولي خان المدينة التي جعلته قديسها؛ خيانة الوقح اللعوب الذي يمر بالمدن ولا يتركها كما هي. هكذا كان يفعل المحاربون في زمن ما قبل مارادونا.. محرر المدن بمعناه الأعمق.. حرب بلا قتل ولا جثث ولا دمار.. حرب من مرح طفولة لا حدود لها.. لم يكمل مارادونا دراسته في معاهد تصنيع الآلهة.. خرق القوانين..
وهرب بطفولة شرسة تلتهم جسده يومًا بعد يوم. قاد مارادونا نابولي مركز الجنوب الفقير في إيطاليا إلى الانتصار للمرة الأولى على الشمال المتعالي..
لكنه بعد قليل سيخطف الكأس الكبيرة من الإيطاليين (شمالاً وجنوبًا) ليمنحه لملايين الهائجين في بلاده (الأرجنتين). ليخرج وحيدًا من إيطاليا؛ كما يليق بمحطم القياسات.. القصير الذي يمر مثل قبضة ريح.. أو شبح تبتلع روحه جسده ولا تستطيع قوانين نيوتن أن تفسر وجوده..
1
لن نفهم أبدًا كيف تعشق الأطفال مارادونا الذي غاب عن الملاعب من ربع
قرن على الأقل؟ لماذا يعشقونه عشق معاصريه؟ هي غالبًا علاقة بين روحه وجسده؛ تمثل إحدى تجليات الغموض الكوني.. كيف تعيش الروح المشتعلة في جسد يتآكل بسرعة؟
كيف يلتقط الرضيع ذبذبات الطفل الدائم في هذا الجسد المنتفخ بالكوكايين والكورتيزون ومنشطات الممنوعة والمسموحة؟ كيف عاشت سيقانه القصيرة ببراعة على الرغم من عيوبها القاتلة؟ لم يستسلم دييجو لمهارات القصار الماكرين.. وبدا جسده أكبر من حجمه.. عملاق يشغل حيزًا أكبر.. يسحب خيال خصمه إلى عالمه الفانتازي ليتلاعب به..
2
عندما وصل كوليكان عاصمة ولاية سينالوا في المكسيك؛ انتظر الجميع قصة السقوط الأخير.. مدمن كوكايين في مدينة احتلتها أكبر عصابات الكوكايين، أو كما قال أحد الواقعيين المخضرمين من أهل المدينة “سيعثر دييجو على كل ما كان يهرب منه ويبحث عنه في ذات الوقت”.. كانت مهمة مارادونا الصعود بفريق “دورادوس” إلى الدوري الممتاز، مهمة يرفضها أي عاقل؛ وليس فقط نجم نجوم كرة القدم.. كيف يذهب الأسطورة ليدرب فريق درجة ثانية، لا يملك سوى حفنة مشجعين يتعاملون بروح الفدائية المخلصة! لكن مارادونا لم يكن يريد التوقف عن اللعب.
فشل مع منتخب الأرجنتين؛ فهو ليس مدربًا جيدًا، إنه اللاعب رقم 12.. يلعب من على مقاعد البدلاء.. ومطلوب منه المعجزة.. وصل منهكًا.. يجرجر جسده المنهك. وجمدت الآلام ركبتيه حتى بدا وكأنه يستعد لقفزة لا تتم؛ ويحتاج إلى دهان المفاصل.. كان عجوزًا في النَفَس الأخير من المقاومة.. عجوزًا يسحب معه أسطورة سحرت المتيمين به منذ الثمانينيات ويزدادون جيلاً بعد جيل.. ماذا سيفعل “الفاشل” (كما تهتف جماهير الفرق المنافسة) في مدينة ما تزال تتجول بها روح كارتيلا آل تشابو جوزمان.. بالتأكيد ليس أقل من أن يكون مارداونا هو تشابو جوزمان كرة القدم..