كان فيلم "اللمبي" علامة في تاريخ السينما، ليس لأنه كان جزءًا من موجة الكوميديا آنذاك بل لأنه كان ممثلاً لصورة طبقة تختفي أو تخيفها الظروف الاجتماعية!
في السابع من أكتوبر 2002 نزل إلى دور العرض المصرية فيلم لم يكن مقدرًا له سوى أن يكون واحدًا آخر من موجة أفلام كوميدية حققت نجاحات مدهشة لممثلين شباب مغمورين، ودفعت منتجي السينما إلى التنافس بتقديم مزيد من الوجوه الجديدة من “المضحكين” لتلبية احتياج جمهور متعطش للضحك، ومشاهدة أبطال ونجوم من نوع مختلف يتسمون باللابطولة وبالحماقة والسذاجة والجبن وقلة الحيلة. الفيلم الذي حمل اسم “اللمبي” ولعب بطولته الممثل محمد سعد توسط ذروة الموجة الكوميدية (التي امتدت من 1998 إلى 2005
أفيش فيلم اللمبي
تقريبًا، على مدار المدة الرابعة من حكم مبارك، قبل أن تبدأ في التراجع التدريجي خلال فترة حكمه الخامسة، والتي حفلت بالاضطرابات منذ 2006 وانتهت بخلعه في 2011).
جسَّد “اللمبي” خصائص هذه الموجة بأكثر قدر من الإفراط، ووصل بنجاحها والجدل المثار حولها إلى أعلى نقطة، وقدر لهذا الفيلم الذي لم يكن سوى حجرًا إضافيًّا في البناء أن يصبح حجر الزاوية وأبرز معالم هذه المرحلة سينمائيًّا (واجتماعيًّا)، إذ حقق إيرادات هائلة (22 مليون جنيه تعادل بمقياس التضخم اليوم نحو 120 مليون)، وشن عليه وابل من الانتقادات والاتهامات ومحاولات المنع غير مسبوق، وأصبح
حديث الناس لأسابيع وشهور مثيرًا الحماسة والخلاف أينما ذكر اسمه. “كأن الهجوم على “اللمبي” يصب في طاحونة شباك التذاكر”، كما كتب الناقد كمال رمزي بعد نحو شهرين من الضجة التي أثارها الفيلم (مجلة “سينما”- ديسمبر 2002)، وهو واحد من قلائل جدًا حاولوا أن ينصفوا الفيلم وأن يقيموه بموضوعية (أغلب ما كتب عن “اللمبي” كان قدحًا وذمًا وشتائم لا نقدية، وفي حالات نادرة، كما في حالة صافي ناز كاظم ومصطفى درويش، كان مدحًا مفرطًا أقرب للشماتة في منتقدي الفيلم والأفلام التي يمتدحونها). يواصل كمال رمزي في مقاله المذكور ملاحظاته الدقيقة لردود الفعل على الفيلم “كلما
زادت الشتائم الموجهة له، تضاعف عدد مشاهديه. ومع امتلاء الصفحات الفنية بالهجائيات، تكتظ صالات العرض بالرواد، وبينما يوصف الفيلم بالإفلاس، تنتفخ جيوب منتجيه وموزعيه..
كما لو أن ثمة علاقة عكسية مطردة بين النقد القاسي، الرافض بشدة لفيلم، والترحيب الحماسي، الواسع به”. في تاريخ السينما المصرية نماذج كثيرة لهذا الاستقطاب الشديد في الآراء، وهناك حالات صارخة مثل أغاني أحمد عدوية ومسرحية “مدرسة المشاغبين” وفيلم “خلي بالك من زوزو” وأعمال نجوم بعينهم مثل نادية الجندي وعادل إمام. والاستقطاب الذي أثاره فيلم “إسماعيلية رايح جاي"..
الذي فتح الباب أمام موجة المضحكين الجدد في 1998 لم يكن بعيدًا عن أجواء “اللمبي”، ولكن في حالة “اللمبي” كان هذا الاستقطاب أكثر وضوحًا وعنفًا. من الأوصاف التي قيلت عن الفيلم: “كارثة”، “لا فيلم”، “مبتذل، وسفيه وبذيء”، “ليس له مثيل في التدني والتردي والتفاهة”، “جريمة مكتملة الأركان”، “مسخ”، “نكسة السينما المصرية في الألفية الثالثة”، وطالب البعض بمنع تصديره للخارج، بزعم أنه يسئ لسمعة مصر، وقام مدير الرقابة آنذاك الدكتور مدكور ثابت بتشكيل لجنة “شورى” من المثقفين والفنانين للبت في الأمر، فيما حاول البعض الآخر إيقاف عرضه المحلي، وطالبوا المسؤولين
بالتدخل. وبعد مرور 20 عامًا، “اللمبي” أحد كلاسيكيات الكوميديا المصرية، تتبارى الفضائيات وقنوات القرصنة العربية على بثه، دون أن يثير اعتراض أو حساسية أحد، وتحولت معظم عباراته إلى “مأثورات” كوميدية شعبية، وهو يبدو الآن كما لو كان قادما من “روائح الزمن القديم” محملاً بنوستالجيا نهاية التسعينيات ومولد قرن وألفية جديدين. لماذا حقق “اللمبي” كل هذا النجاح وأثار كل هذه الاعتراضات؟ وهل يخفي الجدل والاستقطاب اللذين تسبب فيهما أكثر من مجرد الاختلاف على تقييم فيلم؟ ما الذي رآه منتقدو الفيلم وتسبب لهم في هذا الانزعاج الشديد؟