كونج فو.. لشوارع القاهرة

فنون جديدة للمباغتة

كونج فو.. لشوارع القاهرة

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

كيف تتحول شوارع القاهرة الصاخبة إلى صالة تدريب لكل حركة ونظرة؟ أيمكن لفن قتالي أن يوقظ فينا إحساسًا جديدًا بالزمن والجسد، وهل يهمس الجسد بأسرار لا ترى إلا عبر حركات الكونج فو؟

لساعات طويلة، وقف رفيقي في التدريب مظهرًا لي يده كي أحاول اقتناصها. ولأوقات طويلة أمسكت رفيقتي في التدريب بقلم في يدها، مشيحة به كلما حاولت التقاطه من بين أصابعها. أحيانًا ـ بل كثيرًاـ كان القلم يطير من قبضتها في عنف الخطفة السريعة ليدي، ويصطدم بوجه واحد من المتدربين بجانبنا، فنتأسف بخشونة وبلا مراعاة؛ على اعتبار أنهم تلقوا ضربات أعنف من هذه من قبل ولم يصبهم شيء، ثم نعاود الكرَّة.
بعدها بدقائق يطير القلم في عيونهم من جديد.. كنا نتدرب على الـ"تشين نا" Chin Na.. أو فن الإمساك والإطباق

على المفاصل كجزء من التدريب على مهارات الشاولين والتاي تشي تشان، وهما من الأساليب القتالية الشمالية تاريخيًّا في الصين. الأسماء الناعمة لحركات التشين ـ نا كطائر الكركي الأبيض يومئ برأسه؛ ارفع الكوع كي تكسر الجناح، الكركي الأبيض يغطي جناحيه، الدوران حول الجنة والأرض، واليدان ترفعان الجيتار، هي مجرد إشارة لما يحدث بين المتدربين فالأمر ليس مقتصرًا على اقتناص يد مهاجمك، بل هذه فقط الخطوة الأولى للتحكم سريعًا في مفاصل ذراعه؛ بحيث تصبح أدنى حركة يقوم بها مؤلمة، إن قرر أن يتحرك.. بقبضتك تلوي وتضغط  

المعتدي مهما كان من خيلائه داخل نفسه، هو في النهاية جسد، والأجساد تذعر من المفاجأة.. وإذا أراد أن يفاجئني سأباغته..

مفاصله، فالتركيبة العظمية للجسد البشرى لا تسمح بالدوران الكامل للـ360 درجة حتى مع أكثر الأجساد مرونة.
احتجت إلى كثير من التدريب حتى استطعتُ ـ أحيانًاـ إيجاد الزاوية الصحيحة للي، وملء الفراغات في المفاصل حيث تعطيني أصابع أخوتي في التدريب المعصم، ويعطيني المعصم الكتف، وهكذا…
أحيانًا، وبطريقة غير واعية أصبحت أرى الأجساد فجوات وأوعية ومناطق للضرب، ومناطق لحمايتها. لذلك عندما مد الشاب على الرصيف يده ناحيتي، لم يكن، فعلاً، مدركًا لما يمكن أن يصيبه.

ولا أنا في الحقيقة كنت مدركة. للجسد حياة خاصة به. لا يأخذ جسدي، أو جسد أي أحد أعرفه، رأي صاحبته أو صاحبه في أكثر من ٩٩٪ مما يفعله.
وقد سلمت بحقيقة أن العين والعقل واليدين ينتمون إلى الجسد أكثر مما ينتمون إلى صاحب الجسد.
كل ما حدث أن عينيّ رأتا يدًا تمتد تجاهي، وفي لحظة بدا أن جسدي دخل مود تلقائي مدمج، كبرنامج جرى تفعيله، فساعات وشهور من التدريب لم تقف عند اقتناصي ليده؛ بل كان اللي السريع، ودفع مفاصل ذراعه إلى زاوية مؤلمة؛ زاوية تدربت على إيجادها كثيرًا. كانت عسيرة جدًا، ومستحيلة الإيجاد في

البداية، ولكنها الآن ـأحيانًاـ طبيعة ثانية، شبه مهارة تمتلكها يداي. حتى دون التكنيك الصحيح لا شك أن قبضي لحظيًّا على أوتار مفاصله قد أصابته بقدر لا بأس به من الألم، زد عليه ألم المفاجأة… فالمعتدي مهما كان من خيلائه بنفسه، هو في النهاية جسد، والأجساد تذعر من المفاجأة.
أراد أن يفاجئني فكنت مباغتة صغيرة له. أدركت ما أفعله، فتركت يده بدفعة خشنة، أخذها ومضى.
ثانيةّ على الرصيف حدثت فيها أشياء كثيرة، ولكن لمراقب بعيد لم يحدث شيء فعلاً. وبغض النظر عن الابتسامة البلهاء التي اعتلت وجهي طوال مشيتي الليلية

كنت من قبل أعتذر عندما يخبطني أحدهم في الشارع.. آخذ الخبطة في كتفي، أو أي ما يكن، وفورًا أجدني أعتذر: أوه آسفة!

بعدها، عدت إلى المنزل ببعض الأسئلة… لماذا توقفت فور أن أدركت ما أفعله؟ الإدراك أتى سريعًا، ولكن ردة فعل جسدي أتت أسرع؛ أسرع حتى من ملاحظتي أن هناك يدًا تمتد بالسوء ناحيتي. وماذا كان ليحدث لو كان تدريبي مكثفًا عن هذا؟ متى كنت سأتوقف؟
كنت أقل رفاقي تمرينًا، ومع هذا يأتي الاستعراض الأجوف للمهارات. ولكني أدركت أن تكرار التمرين فعل شيئًا ما، زرع شيئًا تلقائيًّا داخلي.. شيء ما جرى "تسكينه" بجسدي، بحيث لم أعد أفكر كثيرًا، أو تعترضني المشاعر عندما تمتد يد مباغتة تجاهي، وهي تنوي الأذى..

لم أعد أغضب أو أشهق أو أتفاجأ، أو تتلعثم قدماي متراجعتين، تبحثان عن مكان لهما، مزيحتين نفسيهما، مفسحتين المكان للجسد المتحرش كي يأخذ ما أراده، أن  يأخذ مزيدًا من المجال العام. كموجة منطلقة من المياه الضاربة، لا يمكن إيقافها... لا تردد، التردد يعوق العقل. كانت الأجساد من قبل مخيفة لي، لم تعد كذلك، وما أسوأ ما قد يحدث فعلاً؟".
"آخذها وأمضي" هكذا كانت  تنتهي هذه التفاعلات الصغيرة معي على الرصيف دومًا. كنت أحكي لصديقة أمي عندما سألتني عن جدوى تعلمي كونج فو، وعن هذه التفاعلات الصغيرة على

اقرأ أيضاً

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

بهيجة حافظ على يوتيوب

بهيجة حافظ على يوتيوب

ذئاب تعوي في رأسي

ذئاب تعوي في رأسي

البيرة: ابنة الماء والقمح

البيرة: ابنة الماء والقمح