حوار على هيئة اللعب مع خيري بشارة.. بعد أن فتحنا صناديقه، ومع أنه يجيد الاختفاء أخرجنا أسرارًا لا يخشى بنزقه وجرأته واختلافه أن يعلنها للجميع!
في البدء كان النزق… به ومنه نخرج من التواطؤ مع البلادة والتكرار والأسى. هذه الفقاعات التي نعيش فيها، ونتخيلها حياة؛ لأننا ملتزمون بالقياسات النموذجية. والنزق إمكانية للتغلب على الرغبة في مثالية بلهاء، صنعتها كتب الطفولة وتعاليم الأسرة السعيدة على الغلاف الخلفي لكراسات المدرسة. وهذه المثالية البلهاء تتوحش بكل وداعتها لتلتهمنا ونحن في منتصف العمر أو ما بعده. ثم تخرج منا لتلتهم الشباب نفسه، ذلك النزق الذي يمنح طفولتنا مذاقًا في مواجهة العالم البليد. لنفتح الصناديق…
دعوة حلوة تحمَّس لها خيري بشارة،
هو يحب النزق، لكنه عقلاني تمامًا. تحسبه يمنحك نفسه بسهولة، وهو يسرِّب إليك شخصًا من شخوصه النائمة في داخله، ينظر إليك وهو مختفٍ عنك… قالوا له مرة إنه يجيد الاختفاء، لكنه يفضح نفسه عامدًا متعمدًا.
هل يكفي كل هذا لكي نعد برحلة نزق كبيرة في ظل جو عام مشحون بالكآبة، وشعور بأننا وصلنا إلى آخر نفق مسدود. نخبط رؤوسنا في الحائط… هل؟
بعد أهلاً وسهلاً… لم يسأل خيري بشارة؛ لكنه نظر حوله وأمامه، كانت هناك علامة استفهام كبيرة:
ماذا سنفعل؟ قلتُ: لا أعلم…
ابتسم… وسادت لحظة صمت… اعتبرتُها علامة موافقة على الرحلة. … الرحلة ليست رحلة ترفيهية، أو احتفاءً، أو تكريمًا، أو مزيدًا من تأويل الأفلام، لكنها نداء لما لم نستكشفه بعد، ما لم نعرفه خارج الترتيب الذي وجدنا عليه الحياة والناس في هذه المدينة… خارج الأرفف المعبرة عن هيراركية ومراتب وسلطات معنوية… نحن في الداخل إذن ما دمنا نريد الخارج.
ونحن فعلاً محشورون في داخلٍ صنعته تقييمات وأفكار مسبقة عن العالم، أفكار معبرة أو متطرفة من أجل الانسجام العمومي حول كل شيء، ذلك الانسجام الذي يسمونه الزمن الجميل.
هل لدى خير بشارة زمن جميل؟ حنين؟ عندما قابلته قبل سنوات بعد غياب قال لي فجأة “أنت بتتكلم عن خيري الأول… أم خيري التاني؟”.
وربما هذا سرُّ اختياري للرحلة معه… أن أعرف كيف سافر من الأول إلى الثاني… وهل كان السفر هروبًا/ إحباطًا/ هزيمة/ عدمية… أم…؟ قلت لنفسي احذر، أنت تقترب من التنمية البشرية، التعامل مع الحياة بالوصفات/ الروشتات… احذر هناك فخ.
حكى خيري عن غرقه في مشروع فيلم جديد يكاد يبتلعه… يتقصى حياة رجل صيني عاش في القاهرة خلال الثلاثينات…
خيري بشارة ووائل عبد الفتاح وجميلة إسماعيل..
حكى خيري عن غرقه في مشروع فيلم جديد يكاد يبتلعه… يتقصى حياة رجل صيني عاش في القاهرة خلال الثلاثينات… وشرح “أنت تعرفه بالتأكيد…”. ضحكت…
زاد الشرح “هو والد هاني يان…عميد الجالية الصينية في القاهرة، والمولود من أب صيني وأم مصرية… وصاحب مجموعة مطاعم بكين الشهيرة”. فعرفت أنه لسبب ما قرَّر التغاضي عن الزمن (المسافة بين ثلاثينيات القرن الماضي… وبين العشرين الأولى من القرن الحالي…) وبين المعرفة المباشرة، أو التي تأتي عبر القراءة والسمع والمشاهدة…
حكى خيري كثيرًا عن استمتاعه بالغرق، وهي بالنسبة له متعة كافية، مع أنه لا يعرف إلى أين ستؤدي به؟
وهذه هي الرحلة بالنسبة لنا. … خيري يحب لعبة التخفي كما قلت، خلف الصادم الذي لا يشعر بالخجل من التعري النفسي والحسي، هناك خجول… أو متأنٍ ينظر ويستكشف ويصنِّف العالم في قوائم على حسب تلقي الصدمة… وبين الخجول والصادم الكثير من “خيري”؛ شخصيات تستيقظ وتنام… حسب إيقاع قد نفهمه في نهاية الرحلة… لا نعد بشيء… لأننا لم نهدف إلى شيء.
نشترك في محبة عباس كامل، لاعب
سينما من طراز مدهش… عرفته أولاً من فيلمه غير المتكرر “العقل والمال” وحكايات الأمير باشميل والأمير كاراميل… خيري بشارة عمل معه في فيلم “أنا الدكتور” وهناك اكتشف سرَّه السينمائي الذي أنوب عنه في تلخيصه “حرِّر إحساسك لكي يقودك إلى مجهول لم تتخيله… أما التكنيك فهذه بديهيات قد يتعلمها عديم الموهبة/ والشيء الغامض الذي يربطك بالفن… لكنها لا تجعله فنانًا”.
لم يكن غريبًا أن نعرف بعد قليل أن المعلم الثاني لخيري بشارة هو توفيق صالح، الواقف على الضفة المقابلة لعباس كامل، الذي تجد في أفلامه