هذه سيرة ميس بيل، أو "بنت الصحراء" كما كانوا يسمونها في أوائل القرن العشرين... صاحبة النفوذ القوي في بريطانيا، التي لعبت الدور الرئيسي في رسم حدود العراق الجديد.
عثرت على جيرترود بيل وسط كتاب يحمل صورة الأميرة بديعة.. من هي الأميرة بديعة؟ لم أسمع أو أقرأ عنها قبل أن أجد صورتها على كتاب صادفته في واجهة إحدى مكتبات بيروت؛ وهو من نوعية كتب لا تجذبني عادة؛ لكن لسبب ما قرأت المكتوب على الغلاف الأخير، لأعرف منه أن بديعة هي حفيدة الشريف حسين… صديق لورانس العرب الشهير وقائد الثورة العربية الكبرى… وهي أيضا والدة "الملك" الذي طالب باسترداد عرش العراق في أخر آيام صدام حسين.
على الغلاف صورة امرأة يقاوم جمالها القديم العمر الطويل ترتدي
المصادفة قادتني لكتاب مذكرات وريثة الملوك بواجهة مكتبة في بيروت
فستانًا أسوداً وطرحة سوداء تنزلق على شعر مرت عليه قبل دقائق أصابع الكوافير. هذه هي الأميرة بديعة التي ستروى من سيرة أهلها؛ ملوك الشام والحجاز والأردن والعراق...تحت عناوين مثيرة: مذكرات وريثة العروش، أهم وثيقة عربية في القرن العشرين... وقبل المقدمة كانت هناك شجرة النسب الشريفة للاميرة بديعة وأهلها ملوك وأمراء بني هاشم. أي أن صورة اللافتة للسيدة بسنواتها التي تلعب في الثمانين قادتني إلى حكاية جديدة عن الأسرة الهاشمية صاحبة التاريخ المثير الذي ترجع سلالته إلى النبي محمد، ومن بعده علي بن أبي طالب وابنه
الحسن، وحتى الشريف علي بن الحسين ابن الأميرة بديعة، الذي يطالب بعرش العراق الآن... ومرورًا طبعًا بأسماء لامعة في السنوات الصاخبة التي افتتحت القرن العشرين؛ بدءًا من الشريف حسين قائد الثورة العربية الكبري إلى الملك حسين ملك الأردن الذي كان السبب في معرفة الصحفي الذي سجل المذكرات (اسمه فائق الشيخ) بمعلومة أن الأميرة بديعة هي الناجية الوحيدة من مذبحة قصر الرحاب ببغداد في ١٤ يوليو ١٩٥٨. وقتها كان الملك حسين في شهر العسل مع صدام حسين بسبب موقفة المؤيد لبغداد في الحرب ضد إيران.
ومكافأة له سمح صدام بالنشر عن العهد الملكي، بل حين امتد العسل إلى ما بعد حرب الخليج الثانية تحولت المسألة إلى شبة تحالف ومصالح.. ومن جانبه بدأ صدام يحي ذكرى العائلة المالكة باعتبارها جزءًا من الوطنية العراقية، وكان هذا نكاية في العائلة السعودية؛ الخصوم القدامى للأسرة الهاشمية... وفي إطار البحث عن شرعية قديمة أنتج صدام فيلمًا ضخمًا عن حياة الملك غازي ثاني ملوك العراق، وهو الملك الشاب الذي كان عمره ٢١ سنة حين ورث العرش عن أبيه فيصل الأول، وكان مهتمًا ببناء دولة حديثة قوية بعيدًا عن سيطرة الإنجليز .
ويبدو أنه كان معجبًا بهتلر ونموذج الدولة القومية في ألمانيا وإيطاليا وهذا ما جعله مهتمًا بإنشاء محطة إذاعة تبث من قصره.
وتحكي الأميرة بديعة في مذكراتها:"كانت إذاعة قصر الزهور تعني بالنسبة للملك غازي الشيء الكثير فهي شاغله الشاغل في ذلك الوقت، ومن خلالها هاجم السياسة البريطانية في العراق ودول المنطقة وغازل الألمان وتناغي مع الطليان ودعا بحقوق الشعب الفلسطيني وشجب الاعتداءات التي تعرضوا لها خلال الثلاثينيات، التي أدت إلى انتفاضة ١٩٣٦ وما بعدها..
ومن إذاعته أيضًا طالب بعودة الكويت
إلى العراق" ويبدو أن هذا ما أعجب صدام في سيرة الملك غازي، مع أن الأميرة بديعة سرعان ما تفسر الأمر على أنه لم يكن سوى مؤامرة بتحريض من الضباط الشباب من أصدقائه المحيطين به.
والقصص حول الملك غازي مثيرة ومتناقضة؛ بين صورة شاب مدلل يهوي قيادة السيارات، أو كما تحكي الأميرة بديعة ينتمي إلى جيل طائش من الشباب اتصف بحبه للهو والمرح "ولا أخالني أجانب الحقيقة لو وصفته (عكر كوف) قرب بغداد بسيارته فيصعد تلالها بأقصى سرعة وينزل منها بسرعة أقصى ليخيف من كان يجلس بجانبه..