علاقة المخرج كامل التلمساني أحد رواد السينما المصرية بالأخوين رحباني وفيروز غير معروفة.. هنا جانب منها في بيروت حيث عاش كامل سنواته الأخيرة!
“وهلَّأ، وإن الله راد، وفي 27 فبراير من سنة 1973، رح نوصَل كِلْنا مع الأخوين رحباني، إلى المحطة“.. بهذه الكلمات قدمت شارلوت وازن الخوري لمسرحية المحطة لفيروز والأخوين رحباني، على شاشة تليفزيون لبنان والمشرق، قبل بدء عروض مسرحية المحطة على مسرح البيكاديللي.
اليوم، وبعد ما يقرب من مرور نصف القرن على المسرحية، نتتبع الخيوط ونفك ألغاز هذه المحطة المهمة في مسيرة الإنتاج الرحباني الفيروزي.. ارتبطت المحطة بعوامل وظروف سبقت وصاحبت وتلت عرضها؛ منها اشتراك زياد الرحباني ابن السابعة عشرة
للمرة الأولى في التلحين.. وانفصال صبري الشريف وغيابه عن إخراج مسرحية للأخوين رحباني للمرة الأولى.. وطبعًا أهم تلك العوامل؛ انفجار دماغ عاصي الرحباني، عميد العائلة الرحبانية وكبيرها، وصاحب الأفكار والقرار، وما تلا ذلك الانفجار من ارتباك وتخبط.. وهناك عامل آخر منسي، ذلك أنه، وقبل عام بالتمام من عرض المحطة، مات فجأة المخرج المصري كامل التلمساني! أربعة وقفوا معك
يسير عاصي الرحباني ومعه منصور وصبري الشريف والصديق الدكتور النفسي عبد الرحمن اللبّان والكاتب المصري رجاء النقاش..
يكاد الحزن يأكل روح عاصي، والآخرون يواسونه؛ إذ فجأة ودون أي مقدمات مات كامل التلمساني..
في 2 مارس 1972 توقف قلب كامل التلمساني، ومات بهدوء في شقته الصغيرة بشارع بدارو، حيث كان يسكن بالقرب من مكتب الأخوين رحباني، إثر أزمة قلبية مفاجأة لم يدر بها أحد.. قبلها بأسبوعين فقط ظهر كامل مع فيروز والأخوين رحباني على شاشة تليفزيون لبنان والمشرق وقدم لمسرحية “ناس من ورق” التي كانت ستُعرض على مسرح البيكاديللي خلال أيام.. قال كامل التلمساني بلهجته المصرية مع القليل جدًا من اللكنة اللبنانية:
“الأخوان رحباني بيصرّوا على إنها من لون المنوعات؛ يعني قصة غنائية راقصة مَرحِة.. في رأيي المتواضع، إنها مسرحية أولًا، القصة فيها تنمو إلى أبعاد ممتازة كمسرح درجة أولى، مع أنها مليئة بالأغاني والألحان المنوعة وبالتابلوهات الغنائية وبالاسكتشات، وجميع أنواع الغناء من القديم للحديث المعاصر، ومع ذلك القصة مازالت درجة أولى.. هي قصة فرقة استعراضية، إحدى المطربات المهمات فيها السيدة فيروز، اسمها ماريّا، والفرقة تحمل اسمها بطبيعة الحال؛ فرقة ماريّا.. هذه الفرقة من الفرق الجوّالة، اللي بتقول ع حالها إنها بتشتغل بالساحات.. بتشتغل للناس
فيروز والأخوان يبكون كامل التلمساني
رأسًا، وين ما كان، وبتنتقل من مطرح لمطرح.. بيصادف حظ الفرقة السيء إنها بتنصب مسرحها المتنقّل في منطقة بتقوم فيها انتخابات، وفيها زعيم قبضاي قوي جدًا، وجد إن هالفرقة بتعمل مهرجان بتخربطلو مهرجانه الانتخابي.. ومن هون بينشأ الصراع الروائي بين الفرقة وبين الزعيم أو المتزعِّم.. الأخوان رحباني وهما بيكتبوا المسرحية وجدوا إن الشخصيات أقوى منهم كمؤلفين، بتاخد الرواية وتركض تجري، فوجدوا في الآخر إن الاسم اللي ينطبق عليها هو اسم الشخصيات اللي خُلِقَت بالقلم على الورق.. أي الشخصيات المسرحية اللي الكاتب
بيخلقهم على ورق وبيتجسدوا.. ناس من ورق“.
ارتبط كامل التلمساني في الذاكرة المصرية بأنه أحد أهم أوائل مخرجي الاتجاه الواقعي في السينما المصرية.. وأهم وأشهر أفلامه فيلم “السوق السوداء” الذي أُنتج عام 1945، ليكون ثاني فيلم – بعد فيلم “العزيمة” 1939- يصور الحياة الواقعية للحارة المصرية.. وفي حين نجح فيلم العزيمة لمخرجه كمال سليم وصار أحد أهم علامات السينما المصرية، فشل فيلم السوق السوداء جماهيريًّا فشلًا ذريعًا وقت عرضه، لشدة كآبته وسوداويته.. ومع ذلك يظل فيلما العزيمة والسوق
السوداء ضمن قائمة أفضل مئة فيلم مصري، الأول في المركز الأول والثاني في المركز الرابع والثلاثين..
غادر كامل التلمساني مصر بعد عدد قليل من التجارب السينمائية، وعاش فترة في إسبانيا يعمل رسامًا، وله لوحات معروفة باتجاهها السوريالي محفوظة في متحف الفن الحديث بالقاهرة، ثم انتقل إلى لندن حيث عمل في الإذاعة البريطانية، فكتب لها مئات الساعات من التمثيليات الإذاعية، والتي كانت المورد الأساسي لرزقه.. ثم استقر أخيرًا في بيروت أوائل الستينيات، وهناك أعجب المنتج اللبناني طنّوس فرنجية وبقدراته الفذَّة وعقليته المتطورة وثقافته