ف. ج. زيبالد أكاديمي تحول إلى الكتابة الأدبية، لكن هذا التحول لم يكن يسيرًا، لذا تحسس خطاه في كتابه الأول عن اثنين من كتابه المفضلين، أحدهما كافكا!
كتاب” دوار. أحاسيس” الصادر عام 1990 هو العمل الأدبي الثاني للكاتب الألماني ف.ج. زيبالد (1944-2001) بعد ديوانه الشعري “بعد الطبيعة”، وهو أول عمل سردي تخييلي يكتبه بعد سنوات طويلة من الكتابة الأكاديمية عن الأدب الألماني والأوروبي. لم يكن الانتقال من الكتابة الأكاديمية إلى الكتابة الأدبية سهلاً بالنسبة لزيبالد، وقد آثر في عمله السردي الأول أن يجمع بين مصيره الشخصي أومصير راويه، وبين كاتبين محببين إليه هما ستندال وكافكا. الكتاب عبارة عن أربعة فصول يبدأ بسرد رحلة قصة هنري بيل أو ستندال مع الكتابة ومع الذاكرة والحب ومغامراته في إيطاليا التي ذهب إليها
جنديًّا في جيش نابليون، وفي الفصل الثاني يقوم الراوي برحلتين إلى إيطاليا تفصل بينهما سبع سنوات، وكما هي الحال في كتابه اللاحق “حلقات زحل”، فإن التجوال الذي يبدأ من العاصمة النمساوية ڤيينا ويقود إلى عدة مدن إيطالية يفتح المجال لتأملات الكاتب/الراوي حول الأثر الذي تتركه فيه الأماكن مثل قصر الدوجي في ڤينيسيا، أو جدارية مار جرجس في كنيسة سانت أناستازيا في ڤيرونا، لكنه يقوم أيضًا برحلة بحث يتعقب فيها آثار كافكا وكازانوفا وجريلبارتسر وسلسلة جرائم قتل مروعة، ويشعر هو نفسه بأنه ملاحق. وتقودنا أبحاثه عن كافكا إلى الفصل الثالث وهو رحلة اصطياف
د. ك. إلى ريڤا. هنا يحدثنا الراوي عن رحلة عمل يقوم بها كافكا فعلاً إلى النمسا، وينتقل بعدها إلى إيطاليا ليقوم برحلة استجمام علاجية إلى ريڤا على بحيرة جاردا، حيث سيكتب القصة القصيرة “الصياد جراخوس”. وهذه القصة عن الصياد الذي هوى صريعًا في الغابة السوداء، وتاه به المركب الذي يفترض أن ينقله إلى العالم الآخر وأخذ يطوف به إلى أن وصل إلى ريڤا، ستظهر بتنويعات مختلفة في كل فصول الكتاب الأربعة، لكنها ستكون أيضًا مفتاحًا لتفسير أزمة كافكا مع الحب. أما الفصل الأخير فيعود فيه الكاتب لزيارة مسقط رأسه في جنوب ألمانيا، وقد غاب عنه نحو ثلاثين عامًا ويبدأ في استعادة
ذكريات المكان الذي ابتعد عنه على الأغلب بسبب التاريخ العائلي المثقل بالإرث النازي. المقتطفات التي نعرض لها هنا تتمحور حول كافكا ورحلته إلى النمسا وإيطاليا عام 1913 وإحساسه العنيف بالتوعك النابع من خوفه من الزواج. في الفصل الثاني أيضًا يلتقي الراوي مصادفة في رحلة بالحافلة بتوأمين يشبهان تمامًا كافكا كتلميذ مراهق.
مقتطف من رحلة اصطياف د. ك. إلى ريڤا
في الصباح التالي عبر د. ك. البحر الأدرياتي في جو عاصف قليلاً وقد أُصيب بإحساس خافت بدوار البحر. لفترة طويلة بعد نزوله في ڤينيسيا، أي
نزوله للبر، إن أمكن قول ذلك، ظلت الأمواج تتحرك في جسده. في فندق ساندفيرت، حيث يقيم، يكتب بمزاج متفائل نابع ربما من أن وعكته بدأت تخف تدريجيًّا، إلى فيليتشه في برلين أنه على الرغم من الرعشة التي يحس بها في رأسه، فإنه يريد الآن أن يلقي بنفسه إلى المدينة وما تقدمه لزائر مثله، وحتى المطر المنهمر، الذي يغطي الظلال بشكل مستوٍ بطبقة شفافة من الأخضر الرمادي، لن يصده عن عزمه، لا بل على العكس، لأن هذا سيكون أفضل كثيرًا، هكذا يرى، لغسل أدران أيام ڤيينا. لا يوجد تقريبًا ما يشير إلى أن د. ك. قد غادر الفندق في هذا اليوم الموافق الخامس عشر من سبتمبر.
وإذا كان في الأساس يبغض وجوده هنا عمومًا، فقد كان ما هو أبغض كثيرًا بالنسبة له، وهو على حافة التحلل، هو التجرؤ على الخروج تحت هذه السماء المائية التي تذيب الأحجار. إذن يبقى د. ك. في الفندق. وقرب المساء، مع حلول الغسق في القاعة، يكتب مجددًا إلى فيليتشه أنه لم يعد ثمة مجال للحديث عن أنه يريد التعرف أكثر على المدينة. عوضًا عن ذلك يكتب بعجلة، تحت ترويسة الفندق ذات البواخر الجميلة، ملاحظات متلاصقة ببعضها عن يأسه. وعن أنه وحيد ولا يتحدث مع أي إنسان بخلاف طاقم العمل في الفندق، وأن البؤس في داخله يكاد يفيض، وأنه مع ذلك، هذا ما يستطيع