حين صدر كتاب “مشكلة الجندر” في طبعته الأولى، 1990، لم تكن جوديث تتوقع أنه سيحقق هذا الرواج، ولا أنه سيستقطب جمهورًا واسع النطاق مثلما حدث!
من سيمون دي بوفوار (1908- 1986) صاحبة كتاب “الجنس الآخر” التي قالت إن المرء “لا يولد امرأة، بل يصير كذلك”، وحتى جوديث بتلر Judith Butler صاحبة كتاب “مشكلة الجندر”، الذي مر على صدوره اليوم 31 عامًا، رحلة طويلة قطعتها الأبحاث والدراسات النسوية في سبيل الفهم والوعي..
قبل الستينيات من القرن العشرين لم يكن مصطلح الجندر/ النوع الاجتماعي/ الجنوسة، موجودًا بشكله الحالي، وتطلب الأمر ما يزيد عن عشر سنوات من الباحثين ليجعلوه مصطلحًا علميًّا أقرب ما يكون إلى وضوح الدلالة. وقبل ذلك بنحو أربعة عقود، وتحديدًا في
دراسات ما بعد الحرب العالمية الأولى بدأت دراسات اعتبرت فيما بعد إرهاصات للأبحاث الجندرية..
يختلف مفهوم الجندر عن مفهوم “الجنس” الذي شاع أنه يحدد النوع بيولوجيًّا، سواء أنثى أو ذكرًا، أما الجندر فيشير إلى مجموع الصفات والأدوار الجندرية المنطلقة من النوع، والتي لا قد تتطابق مع جنس الشخص وقت الولادة.
وقد يكون اختيارًا شخصيًّا للفرد استجابة لوعيه الخاص بنفسه وحقيقتها، وهو خيار يتعامل مع الفوارق الاجتماعية بين الأجناس، متجاهلاً الفوارق البيولوجية، أي أنه ببساطة إحساس الشخص بنفسه إن
كان رجلاً أم امرأة.. صحيح أن الدراسات الخاصة بالعلوم الاجتماعية لا تزال تستخدم المصطلح بالتبادل مع مصطلح الجنس، لكنه صار دالاً، وإن ليس بشكل محدد تمامًا، ولكن حتى الدراسات العربية، التي لا تزال قليلة في هذا المجال، تخلت تدريجيًّا عن مصطلح الجنوسة التي حاولت تكريسه كتعريب للجندر، واعتادت استخدامه باشتقاقاته اللغوية.
جوديث بتلر (24 فبراير 1956)، فيلسوفة أمريكية معاصرة، تهتم بمجالات الفلسفة النسوية، ونظرية النوع والمثلية، والفلسفة السياسية، والأخلاق. وأستاذ الأدب المقارن والبلاغة في جامعة كاليفورنيا، بيركلي.
حصلت على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ييل عام 1984، وفي أواخر الثمانينيات تقلدت عددًا من المناصب، ولها إسهامات في تأثيرات ما بعد البنيوية في النظرية النسوية الغربية حول تحديد ماهية “المصطلحات الافتراضية” للنسوية.
حين صدر كتاب “مشكلة الجندر” في طبعته الأولى، 1990، لم تكن جوديث تتوقع أنه سيحقق هذا الرواج، ولا أنه سيستقطب جمهورًا واسع النطاق مثلما حدث.
لم تكن تعلم بالتأكيد أنه سيُحدِث تدخلاً مؤثرًا في النظرية النسوية، وسيصير بعد فترة قصيرة واحدًا من النصوص التأسيسية لنظرية الكوير
queer، وتقول عن ذلك “تخطت حياة النص نواياي، وقد حدث ذلك جزئيًّا نتيجة التغيير الذي أنجز في سياقات التلقي.. عندما كتبته، كنت أفهم أنني سأتورط في صراع وتعارض مع سياقات معينة من النظرية النسوية، حتى مع إدراكي أن النص جزء من المذهب النسوي ذاته.. كنت بصدد الكتابة ضمن تقليد النقد الذي يسعى إلى إحداث مراجعة نقدية للمفردات الأساسية لحركة التفكير التي ينتمي إليها”.
تميِّز جوديث بين نزعة إلى نقد الذات تعد بحياة أكثر ديموقراطية أكثر شمولاً، وبين نزعة نقدية تسعى إلى تقويضها تمامًا.
وهي تدرك أنه من الممكن دومًا إساءة قراءة الأولى كما الثانية، لكنها تأمل ألا يحدث ذلك في حالة كتاب مشكلة الجندر.
لقد توصلت جوديث إلى فكرة أن الأداء، أو الممارسة الجنسية، تمتلك القدرة على زعزعة استقرار الشكل المعتاد للجندر، وذلك بعد أن قرأت ما كتبته جايل روبن (1 أبريل 1949)، المفكرة والكاتبة الأمريكية وصاحبة النظريات في الجنسانية، عن “الاتجار بالنساء”، التي شددت على أن الجنسانية المعيارية من شأنها أن تعزز وأن تقوي الجندر معياريًّا.
اختصارًا، ووفقًا لهذا الإطار، يكون أحدهم امرأة، بقدر ما يؤدي وظيفته
باعتباره كذلك داخل الإطار الجنسي-الغيري السائد، وأن وضع هذا الإطار موضع تساؤل إنما يعني على الأرجح أن المرء قد خسر إحساسه بموقعه القديم داخل الجندر.
هذا الحوار مع جوديث بتلر، أجرته الباحثة الأمريكية جوليس جليسون (مؤرخة مهتمة بشؤون الكوير، شاركت شاركت في تحرير كتاب “ماركسية الترانس جندر”)، ونشرته صحيفة “الجارديان”البريطانية؛ بمناسبة مرور 31 عامًا على صدور كتاب “مشكلة الجندر”، وفيه إجابات جديدة على أسئلة قديمة، في مجال يتقدم خطوة جديدة كل يوم..