آليات التغيير الاجتماعي، صارت أكثر سرعة وتأثيرًا واختلافًا، فالمجتمعات وفقًا لهوبز في حالة صراع دائم، والصراع هو المعطى الأساسي الذي ينتج تغييرًا..
لماذا نريد تغيير العالم؟ هل من أجل الفوضى؟ أم لنقدم بديلاً للسلطة؟ هذه الأسئلة البديهية تحتاج الآن إلى مزيد من التفكير والنقاش والإنصات إلى أصوات مكتومة، فالسلطة تغير العالم من وجهة نظرها، لكنها تبقي على تقسيم المجتمع منحازة إلى ما تراه، تريد العطف والحنو على هؤلاء المرئيين بالنسبة لها، لتخمد أصواتًا وتخفي حكايات القهر اليومية.. هذا الجانب من تغيير العالم يبدو بالنسبة لقطاعات كبيرة من “الحالمين القدامى بالتغيير” مجرد ترف هامشي.. لهذا وجدنا في كتاب جون هولواي ”12 أطروحة حول تغيير العالم” أفكارًا تدفع لإعادة النظر
في تصوراتنا عن تغيير حياتنا اليومية، واعتبار هذا المنحى جوهر التغيير الذي تحلم به البشرية، وليس مجرد السيطرة على السلطة.. ينحاز الكتاب إلى الحركة في الاتجاه المعاكس: أبعد من قول لا.. لكي نحيا بكرامة ويظهر للعلن كل ما يخفيه من حياتنا في معلبات يتفق على تعليبها كل من السلطة ومناهضيها الكلاسيكيين.
آليات التغيير الاجتماعي، البطيء بطبعه، صارت أكثر سرعة وتأثيرًا واختلافًا، فالمجتمعات وفقًا لتوماس هوبز مثلاً في حالة صراع دائم، والصراع هو المعطى الأساسي الذي ينتج تغييرًا.. ولما كان التغيير الاجتماعي، على مدى
التاريخ، يتطلب ظروفًا وشروطًا بالغة التنوع، علينا الاعتراف بأنه، ولا شك، توجد مفاجآت مثيرة للدهشة؛ فبعد عقود طويلة من التعود على أنماط معينة من الحشد والمحاولات الرتيبة لإحداث تبديلات وتعديلات في النظم الاجتماعية السائدة، تدخلت التكنولوجيا، على سبيل المثال، لتصبح فاعلاً رئيسيًّا في تغيير الواقع، حتى وإن كان هذا يحدث دون ظهير آيديولوجي صلب.. لكن دائمًا تظل الآليات التقليدية موجودة، لكن ما مدى فاعليتها وتأثيرها على أرض الواقع!
مدينة
الحركة في الاتجاه المعاكس
“لا يمكن لعالم تستحقه الإنسانية أن يُخلَق من خلال الدولة”. هذا ما طرحه الفصل الثاني من كتاب “12 أطروحة حول تغيير العالم” للمفكر الماركسي جون هولواي، وإحدى الدروس المهمة التي يشدد المؤلف على استخلاصها من كتابه، ولعله الدرس اﻷهم بينها جميعًا. قد يتساءل من لا يريد إضاعة وقته في قراءة نحو مائتي صفحة إضافية: إذا كان هذا هو الدرس اﻷهم فما الداعي لقراءة بقية الكتاب؟ الواقع أن هذا الدرس يقلب طاولة تتراص عليها أطنان من كتب الفلسفة والنظرية السياسية، ﻷنها جميعًا تضع سؤال الدولة في القلب
من بحثها عن التغيير الاجتماعي، ولكي نتجاوز هذا السؤال بحثًا عن طريق آخر علينا إعادة النظر في كل شيء حولنا من جديد وهو ما يحاول الكتاب تحقيقه، وهذا ما لا يجعله كتابًا ضخمًا من حيث عدد صفحاته فحسب، بل كتابًا مشوقًا للقراءة أيضًا. لكن أليست الماركسية تعتقد في الدولة كوسيلة للتغيير الاجتماعي من منظور مرحلي؟
فما الذي يجعل هذا الكتاب مختلفًا عما سواه من الكتب الماركسية التقليدية التي تروم الاستيلاء على سلطة الدولة؟ تشكل فكر المؤلف جون هولواي (المولود في أيرلندا عام 1947 ويبلغ من العمر اﻵن 74 عامًا) في أثناء
جدالات “منشأ الدولة” في سبعينيات القرن الماضي، وهي سلسلة من الجدالات الماركسية النظرية التي انشغلت بتفسير نشوء دولة وقانون المجتمع البرجوازي ووجودهما انطلاقًا من النظام الاقتصادي، ومن ثم اشتقاق تشكل جهاز الدولة من هذا النظام. في تلك النقاشات، جرى تحليل الدولة على أنها مكون هيكلي لعلاقات الإنتاج الرأسمالي نفسها، أي شكلها السياسي الخاص. وفي هذه الحال، لا تقف الدولة خارج رأس المال، وما “الخصوصية” أو “الاستقلال النسبي” للدولة إلا أساس توهمنا بالدولة. ساعد انتقال هولواي من أيرلندا إلى المكسيك في بداية