كيف صارت البيرة ابنة الماء والقمح، لا مجرد شراب؟ ولماذا خرجت من أيدي النساء إلى قلب الأسطورة؟ وهل كان السُكر صلاة قديمة، أم حيلة للبقاء، أم لغة خفية للفرح في مواجهة القسوة والسلطة؟
تصب البيرة من الوعاء فتتدفق كمياه نهري دجلة والفرات... "أسعد إنسان هو صاحب الفم الممتليء بالبيرة"..
مثل مصري قديم
كان المصري القديم يحيي الناس قائلاً "صباحكم بيرة وخبز"!
بدأت الحضارة عندما استقرت مجموعة من البشر بجوار الأنهار، وبدأت في تصنيع البيرة في مصر والعراق. تختلف الآراء والأبحاث التاريخية حول حقيقة ما جرى في هذا الموضوع، لكن لا شك أن مشروب البيرة كان عنصرًا مهمًّا في صناعة الحضارة. غالبًا ما يعود الفضل في اكتشاف عملية تخمير البيرة إلى المرأة، التي صنعت البيرة داخل المطبخ في ذلك الزمان،
ولم يكن مكان للرجال في هذا العمل، ومن ثَم، يمكن القول إن أول عين اكتشفت عمليّة التخمير، وأول أنف اشتم رائحة البيرة وأول لسان تذوقها لم يكونا لرجل، في أغلب الأحوال. "في اللغة المصرية القديمة، كانوا يسمّون البيرة "حنقت"، ويكتبونها بالخط الهيروغليفي، باستخدام رموز دورق البيرة ورغيف الخبز. كانت البيرة أرخص من النبيذ، لسهولة فساد الفاكهة التي يصنع منها النبيذ بسبب حرارة الجو، على عكس البيرة التي كان تخزين الغلال المستخدمة في صنعها أسهل. ورغم وجود مشتركات مع المشروب الحالي، توجد اختلافات قوية في طعم
المشروب وملمسه وطريقة التعامل معه. فيما يتعلق بالصحة، نظر الإنسان القديم إلى صناعة البيرة على أنها طريقة لتنقية المياه، إذ اعتبر شربها أكثر فائدة للصحة من الماء، فخلال مراحل صناعتها تُعقَّم المياه وتنقى من البكتيريا وقت لم تكن تكن تقنيات تنقية مياه الشرب متقدمة، كذلك كانت البيرة مشروبًا مغذيًا يوفر لمن يشربه بعض عناصر غذائية لا يجدها في الماء.
يضيف فعل السُكْر، أو ما كان يوصف بـ "جعل القلب خفيفًا"، قيمة إضافية للبيرة. في الحضارة السومرية، وكذلك في مصر، كان عمال اليومية يحصلون على جزء من أجرهم في شكل بيرة.
ويُقال إن عمال بناء الأهرام كانوا يحصلون على أربعة إلى خمسة لترات من البيرة يوميًّا، ما يشير، ربما، إلى وجود مصنع كبير لصناعة للبيرة بجوار الأهرامات لتزويد هذا العدد الكبير من العمال بها. ومن اللطيف أن هذا التقليد استمر في مصر بشكل ما حتى الآن، إلا أنه بسبب تغير الثقافة شاع الشاي والسجائر بدلاً من البيرة، عند التعامل مع عمال اليومية.
من بين عناصر الاختلاف أيضًا تأتي طريقة الصناعة، وفكرة أن التخمير يحتاج إلى السكّر، قبل ألوف السنين من اكتشافه وصناعته، ومن ثَم، كانت التمور والعسل عنصرين متاحين
كانت النساء في مصر القديمة مسؤولات عن خطوات صنع البيرة، من طحن الحبوب إلى التخمير..
للإنسان القديم في حضارتي وادي النيل والعراق، لتحفيز عملية التخمير، كما كانت تقنيات تنقية المشروب وتصفيته تؤدي إلى وجود بعض الشوائب فيه، مما جعل المستهلك بحاجة إلى أداة أخرى للتنقية أو تمرير المشروب بشكل سريع إلى الحلق. ولأن الحاجة أم الاختراع، فقد كانت المصاصة هي الاختراع، وتُصنع عادةً من أعواد النبات مثل أعواد البردي.
أصبحت البيرة إذن المشروب الرئيسي للشعب في مصر والعراق قديمًا. وظهرت في الأساطير والنصوص الدينية. مثلاً في مصر، ذكرت الأسطورة أنّه عندما غضب الإله رع بسبب انتشار الشر في الأرض،
كلف الإلهة "سخمت"، التي تُصوَّر كسيدة برأس لبؤة؛ ومن ألقابها سيدة الحرب، سيدة الأرضين (مصر العليا والسفلى)، إضافة إلى لقب الجبارة، بتدمير كل شيء، وبعد فترة، تراجع رع عن قراره، لكن سخمت كانت قد خرجت عن السيطرة، وسفكت الدماء ودمرت المدن، لذلك قرر رع، في ذلك الوقت، أن يلون البيرة بلون الدم الأحمر، وبدأ في صبها فوق مدينة دندرة، حتى ظنت سخمت أنها بحيرة من الدماء، فاستمتعت بالاستحمام فيها، فهدأت ونامت، ثم استفاقت على هيئة جديدة، إذ تحولت إلى حتحور، إلهة الموسيقى والضحك والامتنان.
قد تبدو هذه القصة، للقراء المعاصرين، أسطورية، لكن المصريين القدماء اعتقدوا أنها حدثت بالفعل، لدرجة أنهم بدأوا، في كل عام، في إحياء ذكرى هذا الحدث، حيث كانوا يقيمون احتفالاً خاصًّا جدًّا يسمى مهرجان "تيخ"، أو مهرجان السُكر، الذي يستهدف كل من يحضره شرب أكبر قدر ممكن من البيرة، حتى يفقد الوعي، تمامًا مثلما فعلت سخمت في القصة، ومن الواضح أن الحفل تضمن، أيضًا، الكثير من الجِماع الجنسي، بهدف استحضار خصوبة حتحور.
وفي العراق ظهرت ربة البيرة نينكاسي، ابنة إلهة الخصوبة والإنجاب، التي