هل كان سقوط الإخوان المسلمين خسارة لإيران أم فرصة لإعادة الحسابات؟ كيف أعاد هذا الحدث رسم تحالفات طهران مع حماس وتركيا والسعودية؟ وهل انهار رهانها الآيديولوچي أم تبدل شكله وأدواته؟
لم تربح إيران بالضرورة من الربيع العربي، إذ لم تكن جماعة الإخوان المسلمين -التي ركبت المرحلة الأولى من الربيع العربي- شريكًا إستراتيجيًّا حقيقيًّا لإيران، بل لتركيا.
تحالفت جماعة الإخوان المسلمين في مصر مع فرعها في غزة أي حركة حماس، وأخرجتها من محور المقاومة، لتدخلها في محور جديد يضم مصر الإخوانية وتركيا وقطر. وظهر ذلك الأمر بجلاء مع العدوان الإسرائيلي على القطاع عام ٢٠١٢، إذ ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر باعتبارها الظهير الإقليمي للحركة لا إيران بالضرورة، كما كانت في السابق. وإن كانت القيمة
الجيو-سياسية لقطاع غزة متدنية مقارنة بالجليل أو الضفة الغربية لنهر الأردن، ولا يعول عليها في تعديل موازين القوى مع إسرائيل، أو حتى إشغال الأخيرة عن التطورات في المشرق، فإن الأهمية الرمزية لحركة حماس كانت استثنائية لطهران.
ومرد تلك الأهمية أن وجود الحركة في الاصطفاف الموالي لإيران، يمنع المحور الذي تقوده الأخيرة من أن يدمغ بصفة طائفية رائقة؛ كما تزين حركة حماس ترسانة الأوراق الإيرانية بورقة فلسطينية، تحتاج إليها بشدة لترميم مشروعيتها الإقليمية. وفضلاً عن كل ذلك، يمثل مجرد وجود حركة حماس
تذكيرًا للدول العربية بمظلومية الشعب الفلسطيني وبقضيته، ما يوسع الفجوة بين الشعوب العربية المتضامنة مع القضيّة الفلسطينية وحكامها. وبدوره، يؤدي توسيع الفجوة هذا إلى كبح قدرة الدول العربية على القيام باصطفافات في مواجهة إيران، وهي نتيجة هامة لطهران.
ومن ناحية أخرى، مثل وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر، وتحالفها المعلن مع تركيا، تغييرًا جذريًّا في طبيعة العلاقة التي سادت بين الطرفين خلال العقود التي سبقت الربيع العربي.
لذلك جلبت إطاحة جماعة الإخوان
المسلمين في مصر سلبيات وإيجابيات لطهران في آن واحد. وعلى الرغم من أن إيران حصدت بعض المكاسب الوقتية من سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، منيت في الحساب الأخير بخسائر إقليمية وتكتيكية تفوق مكاسبها.
لنبدأ بالخسائر أولاً؛ فعلى صعيد الفالق العربي-الفارسي: تريد إيران سيادة الإسلام السياسي في المنطقة لأسباب آيديولوچية ومعنوية.
إلا أن الأمر لا يتعلق فقط بهذه الاعتبارات على أهميتها، بل يتعداها إلى الاعتبار الإستراتيجي الأعمق، إذ من شأن تسلط الإسلام السياسي على أكبر دولة عربية في المنطقة أن يدعم نفوذ إيران
فيها، إذ إن الإسلام السياسي هو أداة إيران الممتازة لتحييد الفالق العربي-الفارسي، الممتد لأكثر من ألف سنة خلت. صحيح أن المشتركات الحضارية بين أطراف المثلث العربي-التركي-الإيراني حاضرة، إلا أن مشروعية القيادة الإقليمية لإيران تتأثر إلى حد كبير بالاختلاف القومي، وهو ما يحسن خصوم إيران استغلاله في مواجهتها. وفي هذا السياق، ومنذ انتصار الثورة في عام ١٩٧٩ بذلت إيران جهودًا جبارة لإعادة تعريف الصراع العربي-الإسرائيلي ليصبح إسلاميًّا-إسرائيليًّا، لذا كان سقوط الجماعة ضربًا للتركيبة الآيديولوجية التي تتبناها إيران في المنطقة.
وثانيًا، الاحتقان الطائفي السني-الشيعي، تعد جماعة الإخوان المسلمين أكبر منظمة سياسية سنية في العالم، وقد حرصت إيران تاريخيًّا على نسج الخيوط معها. وتعود الأهمية من المنظور الإيراني إلى القدرة النظريّة للجماعة في مصر على تحقيق مصالحة سنية-شيعية، خصوصًا أن الأزهر الشريف هو الراعي التاريخي لتراث التقريب بين المذاهب في العالم العربي.
صحيح أن الدكتور محمد مرسي أظهر في نهايات حكمه تشددًا طائفيًّا، وغض الطرف عن رطانة مذهبية ضد الشيعة، إبان إعلان قطع العلاقات مع سوريا، إلا أن الجماعة تظل مع ذلك الحليف
السني الأقرب لإيران في المنطقة.
وإذا لاحظنا الصعود السلفي في لبنان ودول الخليج، على أنقاض التيارات الإسلامية السنية الأكثر اعتدالاً، لأمكننا تخيل حجم الخسارة الإيرانية من سقوط حكم الجماعة. ثالثًا، تحرر السعودية من الضغط الإخواني كان النفور المتبادل بين الإخوان المسلمين والسعودية مناسبًا لإيران، لأنه عديم الكلفة سياسيًّا، ووسيلة ناجعة لحرف انتباه السعودية عن حشدها في مواجهة إيران.
أظهرت إيران مهاراتها التشاؤمية العالية، فارتضت أن تكون فزاعة يستخدمها الإخوان المسلمون لتخويف