التفاؤل والتشاؤم بعد سقوط الإخوان

مئة عام من علاقات العرب وإيران 4

التفاؤل والتشاؤم بعد سقوط الإخوان

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

هل كان سقوط الإخوان المسلمين خسارة لإيران أم فرصة لإعادة الحسابات؟ كيف أعاد هذا الحدث رسم تحالفات طهران مع حماس وتركيا والسعودية؟ وهل انهار رهانها الآيديولوچي أم تبدل شكله وأدواته؟

لم تربح إيران بالضرورة من الربيع العربي، إذ لم تكن جماعة الإخوان المسلمين -التي ركبت المرحلة الأولى من الربيع العربي- شريكًا إستراتيجيًّا حقيقيًّا لإيران، بل لتركيا.
تحالفت جماعة الإخوان المسلمين في مصر مع فرعها في غزة أي حركة حماس، وأخرجتها من محور المقاومة، لتدخلها في محور جديد يضم مصر الإخوانية وتركيا وقطر. وظهر ذلك الأمر بجلاء مع العدوان الإسرائيلي على القطاع عام ٢٠١٢، إذ ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر باعتبارها الظهير الإقليمي للحركة لا إيران بالضرورة، كما كانت في السابق. وإن كانت القيمة

الجيو-سياسية لقطاع  غزة متدنية مقارنة بالجليل أو الضفة الغربية لنهر الأردن، ولا يعول عليها في تعديل موازين القوى مع إسرائيل، أو حتى إشغال الأخيرة عن التطورات في المشرق، فإن الأهمية الرمزية لحركة حماس كانت استثنائية لطهران.
ومرد تلك الأهمية أن وجود الحركة في الاصطفاف الموالي لإيران، يمنع المحور الذي تقوده الأخيرة من أن يدمغ بصفة طائفية رائقة؛ كما تزين حركة حماس ترسانة الأوراق الإيرانية بورقة فلسطينية، تحتاج إليها بشدة لترميم مشروعيتها الإقليمية. وفضلاً عن كل ذلك، يمثل مجرد وجود حركة حماس

منذ ثورة ١٩٧٩ بذلت إيران جهودًا لإعادة تعريف الصراع العربي-الإسرائيلي ليصبح إسلاميًّا-إسرائيليًّا، لذا كان سقوط الإخوان ضربًا لتركيبتها الآيديولوچية..

تذكيرًا للدول العربية بمظلومية الشعب الفلسطيني وبقضيته، ما يوسع الفجوة بين الشعوب العربية المتضامنة مع القضيّة الفلسطينية وحكامها. وبدوره، يؤدي توسيع الفجوة هذا إلى كبح قدرة الدول العربية على القيام باصطفافات في مواجهة إيران، وهي نتيجة هامة لطهران.
ومن ناحية أخرى، مثل وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر، وتحالفها المعلن مع تركيا، تغييرًا جذريًّا في طبيعة العلاقة التي سادت بين الطرفين خلال العقود التي سبقت الربيع العربي. 
لذلك جلبت إطاحة جماعة الإخوان

المسلمين في مصر سلبيات وإيجابيات لطهران في آن واحد. وعلى الرغم من أن إيران حصدت بعض المكاسب الوقتية من سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، منيت في الحساب الأخير بخسائر إقليمية وتكتيكية تفوق مكاسبها.
لنبدأ بالخسائر أولاً؛ فعلى صعيد الفالق العربي-الفارسي: تريد إيران سيادة الإسلام السياسي في المنطقة لأسباب آيديولوچية ومعنوية.
إلا أن الأمر لا يتعلق فقط بهذه الاعتبارات على أهميتها، بل يتعداها إلى الاعتبار الإستراتيجي الأعمق، إذ من شأن تسلط الإسلام السياسي على أكبر دولة عربية في المنطقة أن يدعم نفوذ إيران

فيها، إذ إن الإسلام السياسي هو أداة إيران الممتازة لتحييد الفالق العربي-الفارسي، الممتد لأكثر من ألف سنة خلت. صحيح أن المشتركات الحضارية بين أطراف المثلث العربي-التركي-الإيراني حاضرة، إلا أن مشروعية القيادة الإقليمية لإيران تتأثر إلى حد كبير بالاختلاف القومي، وهو ما يحسن خصوم إيران استغلاله في مواجهتها. وفي هذا السياق، ومنذ انتصار الثورة في عام ١٩٧٩ بذلت إيران جهودًا جبارة لإعادة تعريف الصراع العربي-الإسرائيلي ليصبح إسلاميًّا-إسرائيليًّا، لذا كان سقوط الجماعة ضربًا للتركيبة الآيديولوجية التي تتبناها إيران في المنطقة.
 

في عصر الإخوان المسلمين، اقتربت إيران من إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع مصر، ودخلت بالحد الأدنى في الحسابات الإخوانية كعامل ضغط على دول الخليج

وثانيًا، الاحتقان الطائفي السني-الشيعي، تعد جماعة الإخوان المسلمين أكبر منظمة سياسية سنية في العالم، وقد حرصت إيران تاريخيًّا على نسج الخيوط معها. وتعود الأهمية من المنظور الإيراني إلى القدرة النظريّة للجماعة في مصر على تحقيق مصالحة سنية-شيعية، خصوصًا أن الأزهر الشريف هو الراعي التاريخي لتراث التقريب بين المذاهب في العالم العربي.
صحيح أن الدكتور محمد مرسي أظهر في نهايات حكمه تشددًا طائفيًّا، وغض الطرف عن رطانة مذهبية ضد الشيعة، إبان إعلان قطع العلاقات مع سوريا، إلا أن الجماعة تظل مع ذلك الحليف

السني الأقرب لإيران في المنطقة.
وإذا لاحظنا الصعود السلفي في لبنان ودول الخليج، على  أنقاض التيارات الإسلامية السنية الأكثر اعتدالاً، لأمكننا تخيل حجم الخسارة الإيرانية من سقوط حكم الجماعة. ثالثًا، تحرر السعودية من الضغط الإخواني كان النفور المتبادل بين الإخوان المسلمين والسعودية مناسبًا لإيران، لأنه عديم الكلفة سياسيًّا، ووسيلة ناجعة لحرف انتباه السعودية عن حشدها في مواجهة إيران. 
أظهرت إيران مهاراتها التشاؤمية العالية، فارتضت أن تكون فزاعة يستخدمها الإخوان المسلمون لتخويف

كانت زيارة محمد مرسي لطهران في قمة عدم الانحياز ٢٠١٢، أول زيارة لرئيس مصري لإيران بعد ثورة الخميني

كانت زيارة محمد مرسي لطهران في قمة عدم الانحياز ٢٠١٢، أول زيارة لرئيس مصري لإيران بعد ثورة الخميني

دول الخليج، مع استنتاجها أنهم غير جادين بالضرورة في إعادة العلاقات معها. ورابعًا، عودة "محور الاعتدال": ربحت إيران معركة المحاور، "الممانعة" في مقابل "الاعتدال"، في العراق وسوريا ولبنان وغزة، واستمر ذلك قائمًا حتى بزوغ الربيع العربي (٢٠١٠-٢٠١١). ولكن التركيبة الناشئة بعده تمثلت في ضعضعة "محور الاعتدال"، عبر انتقال مصر تحت حكم الجماعة إلى محور جديد تركي-مصري-قطري، الأمر الذي أفقد السعودية ودول الخليج العربية ثقلاً إضافيًّا في مواجهتها لإيران.
وبعد سقوط حكم الجماعة ضعف المحور السني الثاني كثيرًا بخروج مصر

منه، فلم يبق فيه سوى تركيا وقطر وباقي فروع الإخوان المسلمين في تونس وليبيا وغزة وسوريا، الأمر الذي يفتح الباب أمام إيران استقطاب قطر ومغازلة تركيا كي لا تنضما للمحور الذي تقوده السعودية، بالرغم من اختلاف مواقف الأفرقاء في ملفات مختلفة منها سوريا. وخامسًا غياب البدائل بعد الإخوان المسلمينطورت إيران عبر عقود طويلة قواسم مشتركة مع جماعة الإخوان، ورأت فيهم شريكًا أفضل لها من الجيش والأحزاب الليبرالية واليسارية المصرية. وفي عصر الإخوان المسلمين، اقتربت إيران من إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع

مصر، ودخلت بالحد الأدنى في الحسابات الإخوانية كعامل ضغط على دول الخليج. بعد سقوط الجماعة لا تبدو التركيبة السياسية الجديدة مواتية لإيران، ولا تملك قواسم مشتركة معها. لا يمكن القول إن سقوط الجماعة في مصر جلب خسائر صافيةً لإيران، إذ جلب لها بعض المكاسب الوقتية أيضًا. أولاً، الأزمة السورية: كان انخراط جماعة الإخوان المسلمين في الأزمة السورية مزعجًا لإيران، حتى باقتراح الجماعة تشكيل لجنة رباعية للنظر في الملف السوري تضم القوى الإقليمية الأربع: مصر، وإيران، والسعودية، وتركيا. وقتذاك وافقت إيران على قيام اللجنة رغم

كانت إيران تتواجه مع إدارة أوباما حول ملفها النووي وقت سقوط الجماعة، الأمر الذي وجه ضربة للتشكيلة الإقليمية التي تفضلها إدارة أوباما للمنطقة

كونها أقلية واضحة فيها، لثلاثة أسباب: الأول تخفيف الضغط الإقليمي والدولي عنها، والثاني تحسين العلاقات الثنائية مع مصر تحت ستار عمل اللجنة، والثالث لتفريغ اللجنة من مضمونها الأساسي عبر محاولة توسيع العضوية فيها بضم دول أخرى مثل العراق ولبنان. وجاءت النجدة لإيران من حيث لم تحتسب بامتناع السعودية عن المشاركة في اجتماعاتها، ما جعلها تذبل وتنزوي بمرور الوقت. ثم عاد موقف جماعة الإخوان المسلمين ليتغير تغيرًا ملموسًا، مع قطع القاهرة تحت حكم الإخوان العلاقات مع سوريا، وإعلان الدكتور محمد مرسي الجهاد لتحريرها

يدًا بيد، علي خامنئي مع كمال الهلباوي المتحدث باسم الإخوان في الخارج، على هامش المؤتمر الدولي للوحدة، ٢٠١١

يدًا بيد، علي خامنئي مع كمال الهلباوي المتحدث باسم الإخوان في الخارج، على هامش المؤتمر الدولي للوحدة، ٢٠١١

وتنديده بتدخل حزب الله في معارك القصير. ثانيًا، إضعاف حركة حماس: أزعج التحالف الوثيق لجماعة الإخوان المسلمين مع فرعها الفلسطيني - حركة حماس إيران، وسحب حماس بقيادة خالد مشعل من محور "الممانعة"، وجعلها جزءًا من "المحور الإخواني" المتحالف مع قطر وتركيا. ولا يخفى أن حماس تعد ذات فائدة مزدوجة لإيران، أولاً عبر الإطلالة على جنوب دولة الاحتلال الإسرائيلي، وثانيًا لمنع المحور الذي تقوده إيران من أن يدمغ بصفةٍ طائفية بحت. وبالتالي فطبيعي أن يعجل سقوط الجماعة بعودة حركة حماس إلى علاقات أكثر دفئًا مع إيران

جنبًا إلى جنب مع علاقاتها التركية. ثالثًا، الضغط المرحلي على إدارة أوباما: كانت إيران تتواجه مع إدارة أوباما حول ملفها النووي وقت سقوط الجماعة، الأمر الذي وجه ضربة للتشكيلة الإقليمية التي تفضلها إدارة أوباما للمنطقة، عبر تنويع محاورها (محور تركيا والإخوان وقطر، محور السعودية ودول الخليج، محور إيران والعراق وسوريا ولبنان). وكان أن اضطر أوباما إلى التركيز أكثر على الأوضاع المصرية الجديدة لضمان مصالح أميركا فيها، ما خفف نسبيًّا من الضغط المتواصل على إيران في ملفها النووي.
* مقتطفات أخرى من الكتاب

اقرأ أيضاً

''تنظيف'' الشعبي

''تنظيف'' الشعبي

توازنات الشاه الأخير

توازنات الشاه الأخير

حسابات الشاهنشاهية المرتبكة

حسابات الشاهنشاهية المرتبكة

لماذا شجرة الفستق؟

لماذا شجرة الفستق؟

مدينة لا تتسكع فيها النساء

مدينة لا تتسكع فيها النساء

كيف يتحرك الجسد في القاهرة؟

كيف يتحرك الجسد في القاهرة؟