توازنات الشاه الأخير

مئة عام من علاقات العرب وإيران 3

توازنات الشاه الأخير

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

هل كان محمد رضا بهلوي حليفًا للعرب أم في صراع معهم؟ كيف وازن  الشاه الأخير بين إسرائيل، والقضية الفلسطينية، وطموح الزعامة الإقليمية؟ وأين انتهت به البراجماتية؟

حسابات إيران العربية في عصر محمد رضا بهلوي ١٩٦٧-١٩٧٩
كان وجود إسرائيل مهمًا لإيران الشاه، لتشتيت انتباه العرب بعيدًا عنها، ولكن اختلال التوازن لمصلحة تل أبيب بهذا القدر من الشدة بعد عام ١٩٦٧ كان من شأنه، للمفارقة، تهديد الطموحات الإقليمية الإيرانية في الشرق الأوسط. ومرد ذلك أن انتصار إسرائيل الكاسح على العرب، سيخل بالتوازن إلى درجة قد تدفع إسرائيل إلى الاستغناء عن تحالفها الاستراتيجي مع إيران.
كانت هزيمة العرب في حد ذاتها خبرًا جيدًا للشاه، ولا سيما أن إيران تبعد آلاف الكيلومترات عن إسرائيل ولا

تخشى هجومًا من جانبها. وكان من مصلحة إيران وجود إسرائيل قوية في مواجهة جيرانها العرب لتشتيت انتباههم وجهدهم العسكري عنها، لكن انكسار العرب فتح الطريق أمام إسرائيل للهيمنة الإقليمية، وهو أمر أرادته إيران لنفسها. بمعنى آخر، شكل اختلال التوازن العربي-الإسرائيلي وانكسار العرب في حرب عام ١٩٦٧ عائقًا أمام إيران للقيام بدور إقليمي قيادي في المنطقة، رغم نفور الشاه التقليدي من القومية العربية ورموزها. في هذا السياق، تتأكد الرؤية الإيرانية الشاهنشاهية للصراع العربي-الإسرائيلي، أي تحليله والنظر إليه خلال تموضعه

بالإضافة لمكاسب إيران من غياب عبد الناصر، نزل طرد السادات للخبراء السوڤيت من مصر بردًا وسلامًا على الشاه، الذي تطلع لكبح النفوذ السوڤيتي في المنطقة..

في النظام الدولي وتأثيراته على التوازنات الإقليمية، لا باعتبار إيران طرفًا فيه بأي حال. لذلك لم يعترف الشاه محمد رضا باحتلال إسرائيل للأراضي العربية، وجمد كثيرًا من أوجه التعاون الإيراني-الإسرائيلي بعد ١٩٦٧. واتساقًا مع ذلك، دعمت إيران القرار ٢٤٢ لمجلس الأمن الدولي، الذي طالب بـ"انسحاب إسرائيل من الأراضي التي استولت عليها في الصراع الأخير"، وشدد على "عدم القبول بامتلاك الأرض عن طريق الحرب". ويعلق فريدون هويدا، الرئيس السابق لوفد إيران إلى الأمم المتحدة على هذا القرار "كان القرار ٢٤٢ مهما لإيران ليس من أجل إرضاء العرب، بل لأننا

كنا نعاني من مشكلات مع إقليمي بلوشستان وأذربيجان". وجاءت وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام ١٩٧٠ لتزيد من الاختلال في التوازنات الإقليمية، ولا سيما أن خلفه أنور السادات انتهج سياسة تحالفات إقليمية ودولية مغايرة لسياسات سلفه. غابت الشخصية التي حشدت الرأي العام العربي ضد الشاه، ونددت بعلاقاته مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وتحالفت مع الاتحاد السوفيتي السابق، الأمر الذي سهل لإيران نظريًّا تحسين علاقاتها مع الدول العربية المعتدلة أكثر فأكثر. 
وكان من نتيجة ذلك أن اندفعت إيران بالفعل لتحسين علاقاتها مع

الأنظمة العربية الملكية منها والجمهورية، لرغبتها في تحسين مواقعها الإقليمية. وبالإضافة لمكاسب إيران من غياب عبد الناصر، نزل طرد السادات للخبراء السوڤيت من مصر بردًا وسلامًا على الشاه، الذي تطلع إلى اقتناص الفرصة بغرض كبح النفوذ السوفياتي في المنطقة، الذي يشكل بالنسبة إليه – تاريخيا – الخطر الأول على مصالح طهران. ساعتها دعم الشاه علاقات بلاده مع مصر تحت قيادة أنور السادات، الذي لم يكن مهتما بمواجهة إيران سياسيًّا وإعلاميًّا، ولا بالتحالف مع الاتحاد السوفياتي السابق، وكلاهما كان أمرًا رائعًا لإيران. من ناحيتها، لم تنظر

كان اعتراف العرب بدور إيران الإقليمي شرط تولي الزعامة الإقليمية، حتى باختلال موازين القوى العسكرية والسكانية بين ضفتي الخليج العربية والفارسية لمصلحة الأخيرة

تل أبيب لعلاقاتها مع العرب من منظور الصراع الدولي بالأساس كما فعلت إيران الشاه، بل من منظور صراع لا ينتهي إلا بالهزيمة الكاملة لطرف على حساب آخر. وكان اختلاف نظرة الطرفين راجعا إلى كون إسرائيل دخيلة على المنطقة، فيما تعد إيران مكونا رئيسيًّا أصيلاً من مكوناتها، لا دخيلة عليها في أي حال من الأحوال. طرأت عوامل إضافية في اتجاه تفكيك عرى تحالف إستراتيجي جمع طهران وتل أبيب، مع ذلك بقيت جوانب قائمة من هذا التحالف، بسبب تنامي قوة العراق العسكرية، كما كان نقل موسكو مركز   ثقلها في الشرق الأوسط من مصر تحت

رئاسة السادات إلى العراق، عاملاً مؤرقًا لإيران وإسرائيل معًا. باختصار، انقلبت التوازنات الإقليمية لمصلحة إيران وإسرائيل معا فجعلتهما في منافسة ضمنية، لذلك استمر التعاون بينهما لكن بصورة أقل كثافة عما كان عليه قبل عام ١٩٦٧. وجاء الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج العربي في نهاية ستينيات القرن الماضي، ليتوج إيران قوة مهيمنة هناك ويداعب طموحات الشاه وأحلامه. ثم حقق ارتفاع سعر النفط في الأسواق الدولية في أعقاب حرب ١٩٧٣ مكاسب صافية لإيران، التي زادت من قاعدتها الصناعية والعسكرية بوكالة أمريكية

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية