حسابات الشاهنشاهية المرتبكة

مئة عام من علاقات العرب وإيران 2

حسابات الشاهنشاهية المرتبكة

  • أسبوعي
  • ملفات
  • كتابة

كيف تشكلت نظرة إيران للعرب في لحظة انهيار الإمبراطوريات؟ هل كانت حسابات رضا شاه مؤسس الشاهنشاهية دفاعًا عن دولة مهددة أم مشروعًا للهيمنة؟ وأين تقع فلسطين بين الهوية والمصالح الإيرانية؟

الحسابات الإيرانية حيال العرب زمن رضا شاه ١٩١٤-١٩٤١
شهد عام ١٩١٤ بداية الحرب العالمية الأولى، التي أعلنت إيران حيادها فيها. وهي سبقت بسنتين معاهدة سايكس-بيكو، التي قسمت الألوية العثمانية في المشرق العربي، وإعلان وعد بلفور عام ١٩١٧، وبسنوات قليلة مؤتمر سان ريمو ١٩٢٠ الذي وضع بموجبه كل من سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، فيما وقعت فلسطين والعراق تحت الانتداب الإنجليزي. تغير المشرق العربي وشهد قيام العراق وسوريا والأردن ولبنان، بشكل فرض حقائق جيو-سياسية جديدة على المنطقة وإيران.

كانت إيران تعيش نهايات حكم الدولة القاجارية التي نخرها الفساد والاستسلام للقوى الكبرى؛ روسيا وإنجلترا على وجه الخصوص، بالتوازي مع تعاظم نفوذ حكام الولايات الإيرانية المختلفة، ونزوعهم للاستقلال عن الدولة المركزية، التي كانت في أضعف حالاتها. أنزل الإنجليز قواتهم في مطلع الحرب في مدن بوشهر والمحمرة في الجنوب بادعاء صيانة حقول النفط، وأخذوا بالانتشار في المنطقة المخصصة لبريطانيا في اتفاقيتها مع الروس عام ١٩٠٧ بتقسيم إيران إلى منطقتي نفوذ؛ واحدة إنجليزية في الجنوب، وأخرى روسية في الشمال. وبينما انتشر الإنجليز في 

قام رضا مير بنجي – الشاه رضا لاحقًا – قائد حامية قزوين، بأول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط عام ١٩٢١ قبل أن يصبح ملك إيران بعدها بأربع سنوات

الجنوب، انتشر الروس في شمال إيران، ومنها حاولوا الانطلاق إلى العاصمة طهران لاحتلال المنطقة المخصصة لهم، بناءً على الاتفاقية المذكورة.
ثم انسحب الروس بعد قيام الثورة الروسية الثانية في عام ١٩١٧، واستمر الوجود الإنجليزي فيها. لم تشترك إيران في الحرب العالمية الأولى رسميًّا، لكنها خرجت منها، مع ذلك، والجيوش الأجنبية تحتل معظم أراضيها. وعاد الروس لاستعمال الأراضي الإيرانية في الشمال في خضم الصراع بين الروس البيض والحمر، فدخلوا مدينة رشت الإيرانية على بحر قزوين، وساندوا قيام جمهورية سوفيتية في إقليم كيلان.

وظلت هذه الجمهورية قائمة من صيف عام ١٩٢٠ حتى خريف عام ١٩٢١ حتى سقطت بعد انسحاب القوات السوفيتية من إيران مجددًا. قام رضا مير بنجي – الشاه رضا لاحقًا – قائد حامية قزوين، بأول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط عام ١٩٢١ على أحمد شاه القاجاري المقيم وقتذاك في أوروبا، فأصبح قائدًا عامًّا للجيش ووزيرًا للحربية، ثم رئيسًا للوزراء عام ١٩٢٣ قبل أن يصبح ملكًا على إيران عام ١٩٢٥.
كانت دول المنطقة ومن ضمنها إيران، في مرحلة انتقالية من حال إلى حال، بذلك يصعب تصور أن السياسة

رضا شاه مؤسس الشاهنشاهية، وولي عهده محمد رضا بهلوي، وإمبراطورية قصيرة الأمد

رضا شاه مؤسس الشاهنشاهية، وولي عهده محمد رضا بهلوي، وإمبراطورية قصيرة الأمد

الإيرانية حيال الجوار العربي كان لها  كان لها قوام ثابت وواضح في النقطة الصفرية لهذا الكتاب (عام ١٩١٤).
ولما كانت إيران في حال كبيرة من الاضطراب داخليًّا وقتذاك، بالتوازي مع تنامي التأثيرات الخارجية السوفيتية والإنجليزية عليها، فقد غلبت على إدارة الملف العربي من الجهة الإيرانية الاعتبارات الداخلية، معطوفة بالطبع على اتجاهات السياسة الدولية والمتغيرات الإقليمية وقتذاك.
وكان العالم وتوازناته في لحظة تحول مع قيام عصبة الأمم بأول اجتماعاتها في بداية العام ذاته وإيران عضو فيها؛ إذ إن الاتفاق الإنجليزي-الروسي عام

١٩٠٧، القاضي بتقسيم إيران إلى منطقتي نفوذ، واحدة روسية في الشمال، والثانية إنجليزية في الجنوب، لم ينظر إليه دوليًّا باعتباره يفقد إيران استقلالها الوطني.
بسط رضا شاه هيمنته على جغرافيا إيران الحالية، وقمع حركات التمرد القومي في الأقاليم الإيرانية المختلفة، ومنها إقليم خوزستان ذو الأغلبية السكانية العربية والغني بالنفط. بالتوازي مع ذلك، واجهت إيران متغيرات جيو- سياسية فائقة الأهمية في محيطها الإقليمي، أبرزها اتحاد الألوية العثمانية الثلاثة؛ كركوك وبغداد والبصرة، في كيان سياسي واحد قاد إلى

تأسيس المملكة العراقية عام ١٩٢١، فخاضت معه إيران مفاوضات وعقدت معه اتفاقات وبروتوكولات متتالية، لترسيم الحدود البرية والبحرية.
ومنح رضا ميربنجي – الرجل القوي في إيران وقتذاك – حق اللجوء السياسي لثمانين من رجال الدين الشيعة الذين فروا من العراق في عام ١٩٢١.
ومع احتدام التفاوض وتفاقم الخلاف بين بغداد وطهران على الحدود البرية والمائية، انتقل الخلاف بينهما إلى عصبة الأمم.
وشكلت هاتان المسألتان، إقليم عربستان والحدود الإيرانية العراقية، ما يمكن تسميته البعد العربي في سياسات

أقام رضا شاه حفلة وداع ساهرة بمناسبة قرب عودته إلى طهران، ودعا إلى الحفلة الشيخ خزعل؛ حاكم إمارة عربستان، وأبناءہ وبنهاية الاحتفال قبض عليهم جميعاً 

إيران الخارجية في عهد رضا شاه. "أنشأ الشاه رضا منظمات ثقافية لغرس وعي وطني أكبر في نفوس العامة.. أنشئت منظمة جديدة سميت فرهنغستان – أي الأكاديمية الثقافية – صممت على نسق الأكاديمية الفرنسية من أجل هدفين هما: تعظيم وتمجيد إيران القديمة، وتطهير اللغة من الكلمات العربية واستبدال كلمات جديدة تمامًا بها، أو كلمات فارسية قديمة.
هكذا تغير اسم عربستان إلى خوزستان، وخزعل آباد إلى خسرو آباد، والمحمرة إلى خرمشهر"، والناصرية إلى الأهواز والفلاحية إلى شاوكان، والخفاجية إلى سوسنكرد. 

أخضع رضا شاه الأقاليم المتمردة تحت سيطرة الدولة المركزية بادئًا بإقليم لورستان في غرب إيران، ثم إقليم كيلان في شمال إيران، وبلوشستان في شرق إيران وفي النهاية عربستان في الجنوب، والاسم الأخير أطلقه الصفويون على هذه المنطقة.
ويقول طلال مجذوب في كتابه المرجعي "إيران من الثورة الدستورية حتى الثورة الإسلامية ١٩٠٦-١٩٧٩"، إن رضاه شاه عين الچنرال فضل الله زاهدي حاكمًا على عربستان، فقام بزيارة العتبات المقدسة في العراق، وأقام حفلة وداع ساهرة بمناسبة قرب عودته إلى طهران، ودعا إلى الحفلة الشيخ خزعل؛ حاكم

الچنرال فضل الله زاهدي أحد الأذرع التي استخدمها رضا شاه للإيقاع بخصومه

الچنرال فضل الله زاهدي أحد الأذرع التي استخدمها رضا شاه للإيقاع بخصومه

إمارة عربستان، وأبناءہ عبد الحميد وعبد الله وعبد المجيد. وبنهاية الاحتفال قبض عليه مع أبنائه غدرًا واقتادهم لطهران في ٢٠ أبريل ١٩٢٥. أقرت عصبة الأمم في عام ١٩٢٢ وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ووقتها كان الحضور الإيراني في فلسطين متركزًا على ثلاث فئات هم التجار واليهود والبهائيون.
واختارت وزارة الخارجية الإيرانية ميرزا حبيب الله خان آل رضا، الملقب "عين الملك"، ممثلاً لإيران في فلسطين، فأرسل رسالة لوزارة الخارجية الإيرانية في عام ١٩٢٢ يقول فيها ما نصه "أعتقد أن عدد اليهود الإيرانيين في فلسطين كبير.

فقد أخذوا يهاجرون بعد الحرب من إيران فوجًا فوجًا. والله يعلم كم بلغ عددهم في هذا اليوم. فلا يوجد موظف حريص ولا توجد إحصائية صحيحة، وما لم يتخذ إجراء عاجل في هذا المجال، فلا شبهة في ضياع جميع اليهود الإيرانيين كالقطرة في بحر الصهيونية. والأمر متروك للأولياء المحترمين لوزارة الخارجية الجليلة".
ويذهب علي أكبر ولايتي وزير الخارجية الإيراني الأسبق، في مرجعه الهام "إيران وتطورات القضية الفلسطينية"، إلى بناء سردية الانتماء المذهبي للدبلوماسيين الإيرانيين، كعامل حاسم في تفسير السلوك السياسي، مستدلاً في ذلك

بالبحث في عقائد مبعوثي إيران إلى الأراضي الفلسطينية في ذلك الزمان، لتفسير تقاعسهم عن اتخاذ مواقف إيجابية تجاه القضية الفلسطينية. يخلص ولايتي إلى نتيجة أن ميرزا حبيب الله الملقب عين الملك، ممثل إيران في فلسطين، كان بهائيًّا قريبًا من عباس أفندي؛ فيما نعت ممثل إيران، في المؤتمر الذي دعا إليه مفتي القدس الحاج أمين الحسيني عام ١٩٣١ ممثلي الدول الإسلامية لتأسيس جامعة إسلامية في فلسطين، الحاج ميرزا يحيى دولت آبادي، بأنه "أزلي المذهب".
أما ذكاء الملك فروغي – ممثل إيران في عصبة الأمم، فقد دمغه ولايتي  

تقرير وزير الخارجية الإيرانية كشف أن حسابات إيرانية تجاه القضية الفلسطينية ترى أن تأسيس كيان غير عربي في فلسطين يمكن أن يكون مفيدًا لإيران

بالماسونية. ويخلص علي أكبر ولايتي إلى نتيجة مفادها أن "الحكومة الإيرانية لم تقم بأي خطوة بناءة للقضية الفلسطينية بعد تأسيس "عصبة الأمم"، رغم الدور الواسع الذي قامت به في انتظام أمر هذه المؤسسة الدولية، وبصرف النظر عن المستوى الرفيع لبعثتها الدبلوماسية في العصبة".
ولكن التقرير الذي بعثه وزير الخارجية الإيرانية عنايت الله سميعي لمكتب الشاه الخاص، في بداية الهجرة اليهودية إلى فلسطين، يكشف حسابات إيرانية تجاه القضية الفلسطينية، مفادها أن تأسيس كيان غير عربي في فلسطين يمكن أن يكون مفيدًا لإيران، وهي حسابات

مصلحية ستظل حاضرة في السياسات الإيرانية حيال العرب وفلسطين لفترات لاحقة. ونقلاً عن ولايتي، فقد ورد في تقرير سميعي الاقتراح التالي "ليس في مصلحة الحكومة الملكيّة تحديد الهجرة، وبيع الأراضي، واسترضاء البلدان العربية. فتجمع اليهود في هذا البلد الذي هو في الحقيقة من أهم المواقع وقلب البلدان العربية ومركزها، مفيد لإيران من حيث الجانب السياسي، فضلاً عن المنافع الاقتصادية. فوجود هذا الشعب (اليهودي) الجاد الذي يتميز بالبراعة في جميع العلوم والفنون، ولديه مع إيران خلفية تاريخية متألقة يعد عائقًا كبيرًا أمام تأسيس إمبراطورية أو قوة عربية

متحدة تحت النفوذ الأجنبي، حيث من الممكن أن تهدد في المستقبل السواحل الجنوبية والحدود الغربية لإيران، أو تخلق المشكلات والمتاعب على الأقل". تغير موقف رضا شاه، حاكم إيران اسميًّا وفعليًّا منذ عام ١٩٢٥، من حقوق الفلسطينيين في نهاية عهده نسبيًّا، بسبب التقارب الذي أحدثه في علاقات إيران مع ألمانيا النازية.
ويعتقد علي أكبر ولايتي أن وجود عناصر عميلة للإنجليز في وزارة الخارجية الإيرانية في ذلك الوقت، بالتوازي مع اتباع بريطانيا سياسة إخافة اليهود في تلك الفترة، يفسران ذلك التغير النسبي في سياسة

تغير موقف رضا شاه، حاكم إيران منذ عام ١٩٢٥، من حقوق الفلسطينيين في نهاية عهده نسبيًّا، بسبب تقارب أحدثه في علاقات إيران مع ألمانيا النازية

إيران تجاه فلسطين.
ويقصد ولايتي هنا بالتغير النسبي تحول إيران من موقف الحياد السلبي غير الداعم لحقوق الفلسطينيين، إلى الاقتراب الشكلي من مطالبهم، ولكن دون التورط في مبادرات سياسية أو دبلوماسية تخص القضية الفلسطينية. واستمرت الحال كذلك حتى آخر يوم في حكم رضا شاه. 
وتوجد لمحة عربية أخرى في حسابات رضا شاه، تمثلت في المصاهرة الملكية التي أجراها مع العائلة المالكة العلوية في مصر، أعرق العائلات المالكة في المنطقة، بزواج ابنه ولي العهد محمد رضا بهلوي عام ١٩٣٩٩ بالأميرة فوزية

كان زواج محمد رضا يهلوي وفوزية فؤاد خطوة من رضا شاه لترسيخ حكمه بمصاهرة العائلات الملكية 

كان زواج محمد رضا يهلوي وفوزية فؤاد خطوة من رضا شاه لترسيخ حكمه بمصاهرة العائلات الملكية 

شقيقة فاروق الأول ملك مصر، اكتسابًا لشرعية جديدة لابنه ولعائلة بهلوي بمصاهرة أعرق العائلات المالكة في الشرق الأوسط. لم تلبث الزيجة أن انتهت بالطلاق عام ١٩٤٨ بعدما أثمرت الأميرة شهناز الابنة الأولى للشاه.
...
*مقتطفات أخرى من الكتاب

اقرأ أيضاً

''تنظيف'' الشعبي

''تنظيف'' الشعبي

التفاؤل والتشاؤم بعد سقوط الإخوان

التفاؤل والتشاؤم بعد سقوط الإخوان

توازنات الشاه الأخير

توازنات الشاه الأخير

لماذا شجرة الفستق؟

لماذا شجرة الفستق؟

مدينة لا تتسكع فيها النساء

مدينة لا تتسكع فيها النساء

كيف يتحرك الجسد في القاهرة؟

كيف يتحرك الجسد في القاهرة؟