لماذا كانوا يقرأون مجلات الفن سرًا؟

الجسد.. الحضور.. الشرعية

لماذا كانوا يقرأون مجلات الفن سرًا؟

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

كيف استقبلت القاهرة ظهور صور الفنانات المصريات على أغلفة المجلات الفنية في العشرينيات؟ وماذا أشعل المعارك ضد الفن؟ من قرر حدود الصورة والفضيحة والشرعية الفنية وقت كان الفن يبحث عن مكان في مجتمع مرتبك؟


في ٩ نوفمبر ١٩٢٥ ظهر العدد الأول من مجلة "المسرح" بغلاف يحمل صورة "السلطانة" منيرة المهدية، وافتتاحية لصاحبها ورئيس تحريرها عبد المجيد حلمي تدشنها "سلاحًا ماضيًا من أسلحة الجهاد الفني". تغلب على الافتتاحية اللغة الحربية؛ إذ يتأهب رئيس التحرير لردود فعل كالرصاص على إصدار المجلة "فإن أصاب أشخاصنا رشاش أو وابل مما يأفكون، فلن نزيد على بسمات قليلة نوجهها إليهم في هدوء وسلام، بسمات سخرية بهم.. وبسمات حسرة على الفن، وبسمات عزم على المضي في سبيلنا".

بدأ طموح إصدار مجلة فنية متخصصة في منتصف عشرينيات القرن العشرين يراود عددًا من المهتمين بالحركة الفنية، مع انتعاش الحركة المسرحية بنهاية الحرب العالمية الأولى التي تلاها قيام ثورة ١٩١٩ بما أحدثته من تحولات كبرى داخل المجال الفني. شارك الفنانون بملابسهم المسرحية ضمن تظاهرات خرجت للشوارع في ١٩١٩، من الرائد المسرحي عزيز عيد للممثلة النجمة روز اليوسف، وحتى الموسيقي الصغير -وقتها- محمد عبد الوهاب، فأصبح اشتباكهم مع معطيات المشهد الجديد بعدها منطلقًا من شعور بالدور وسعيًا للمكانة يأخذ شكل المهمة.

علينا أن نتخيل أننا في عصر يخشى الشباب فيه أن يلمحهم الكبار يتصفحون مجلة فنية عليها صور الممثلات والمغنيات

كان المناخ معبأ بخطابات عن النهضة الفنية المرتقبة، في ظل إعلان الاستقلال عن بريطانيا في ١٩٢٢ وصعود النخبة الوفدية وتشكيل أول حكومة يقودها سعد زغلول في ١٩٢٤، لينضم المجال الفني لروافع الحركة الوطنية المنوطة باللحاق بالتفوق الغربي ومنافسته في سبيل الاستقلال الكامل.
الحديث عن ترقية الفنون، المسرح والغناء بالأساس، ينطلق في تلك الفترة من شعور بتغلب الانحطاط عليها، ورثاء مشوب بالحسرة على رحيل أعلام نهايات القرن التاسع عشر مثل الشيخ سلامة حجازي وعبده الحامولي وصولاً إلى سيد درويش الذي تتحدث عنه

الصحافة الفنية كعظيم لم يُلتفت إلى قدره إلا بعد رحيله "وكأنه سحابة عارضة مرت سريعًا فلم يكد يشعر به أحد"
خلال العشرينيات صدرت مجلات "التياترو" و"الممثل" و"المسرح" و"روز اليوسف". الأخيرة فقط استمرت وتحولت لمؤسسة راسخة بسبب ابتعادها عن التخصص الحصري في الفنون وتحولت للسياسة والشؤون الاجتماعية والمقالات المتنوعة، على الرغم مما واجهته من تاريخ طويل من المصادرة والمنع لاحقًا بسبب موضوعاتها المتجاوزة في كل تلك المجالات.

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

بصورة منيرة المهدية على الغلاف افتتحت مجلة "المسرح" عددها الأول ١٩٢٥ - أرشيف مدينة الرقمي

أخلاقيات الصورة
علينا أن نتخيل أننا في عصر يخشى الشباب فيه أن يلمحهم الكبار يتصفحون مجلة فنية، حيث صور الممثلات والمغنيات المستهجن نشرها، وحكايات عن نجوم المسرح والسينما الأجانب، ونميمة المسارح وحوادثها. كذلك مثَّل التمويل عقبة كبيرة أمام استمرار تلك المجلات، إذ يمولها في معظم الأحيان المتحمسون من مؤسسيها، الذين يكتشفون مع الوقت صعوبات الاستمرار عبر تأمين الاشتراكات والتبرعات والإعلانات التجارية والدفع بالجهود الذاتية. تروي روز اليوسف في بداية تأسيس مجلتها عن إطلاقها حملة

لجمع الاشتراكات كانت تواجه بصعوبات منها أن البعض كانوا قلقين من فكرة أن تصل إلى بيوتهم مجلة فنية عبر البريد.
يضطر عبد المجيد حلمي إلى الدفاع عن مغامرته بنشر صور الممثلات حتى يفرغ منها، فيبدأ في نشر صور الممثلين الرجال، في مواجهة من "يعدون نشر صور الممثلين والممثلات المصريين معابةً وعارًا، بينما يفخرون بنشر صور الأجانب". وفي المقال نفسه يتساءل "هل نرفض نشر الصور لأن "طبقة "الأرتيست" عندنا -كما يقولون- طبقة منحطة!!؟! ومن هم الأرتيست في الخارج؟! وماذا يزيدون عن ممثلاتنا

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

كان محمد عبد المجيد حلمي ناقدًا لاذعًا، مع ذلك كتب في افتتاحية العدد الأول من مجلة "المسرح" ١٩٢٥ أنه سيقابل الهجوم بابتسامة - أرشيف مدينة الرقمي

وممثلينا من الوجهة الأخلاقية؟!". وبقدر طبيعية هذه الحقيقة؛ أن الأصول الطبقية لمعظم من أسسوا المجال الفني حتمًا ستكون متواضعة، لأن من تجرأوا على امتهان الفن في مجتمع يحاربه بعنف، لا بد أن يكونوا ممن تمردوا على الأمان الأسري والطبقي، إلا أن التحجج بتواضع الأصل الطبقي سينضم إلى الحجج المضافة ضد المجال والعاملين به لعقود قادمة. وقد تسببت صور الممثلات على الشاطىء- التي تشجع عبد المجيد حلمي ونشرها- في هجوم على المجلة، التي فتحت صفحاتها لسجالات الجمهور ورسائله، بين مؤيد يتمنى على المجلة

ألا "يزعزعها قول قائل أو تهويش مُهوِّش" ورافض يراها "بدعة وضلالة وكل ضلالة في النار".
صورة الممثلة وشرعنة عملها على المسرح تظل ثيمة مستمرة على صفحات مجلة "المسرح" على مدار ثلاث سنوات- هي مدة صدور المجلة. منذ تحولت منيرة المهدية لأداء أدوار النساء في أوبرا (كارمن)، بدلاً من الظهور في دور شخصيات رجالية، ثارت مخاوف متزايدة من أن يفتح الباب لمزيد من المصريات المسلمات ليدخلن المجال الفني ويظهرن على المسرح. في ١٩٢٥ عندما صدرت فتوى رسمية من الأزهر بتحريم ظهور المرأة المسلمة السافرة

على المسرح، صرحت منيرة لصحيفة نيويورك هيرالد New York Herald أنها ستتحول إلى المسيحية لو أجبرتها السلطات على الالتزام بالفتوى.
في ١٩٣١ أُغلقت أول أكاديمية لتدريس الفنون المسرحية أنشأها زكي طليمات وآخرون بسبب اختلاط الرجال والنساء داخل فصل "الرقص الإيقاعي". أصدر القرار وزير التعليم حلمي عيسى الذي شنت عليه روز اليوسف حملة من خلال مجلة "الصرخة"، وأسمته
"وزير الأخلاق" كان التركيز على النساء الممثلات والفنانات الفزع الرئيسي ضمن حملات إثارة الفزع العام بخصوص شارع عماد الدين ومسارحه،

لم يكن تدخل الحكومة في المجال الفني فرضية مفروغ منها في العشرينيات من القرن الماضي

التي تسلمت الراية من صالات الأزبكية في مرحلة ما قبل ١٩١٩، لدرجة أن البعض أطلق عليه شارع "فساد الدين".
التثقيف
في عصر ما بعد ١٩١٩، كانت النظرة للنهضة المسرحية، كما تبدو على صفحات المجلات الفنية، مرتبطة حصرًا بمواكبة التطور الغربي. أبواب ثابتة تعرض للمدارس المسرحية الغربية وسير كبار الفنانين، أبواب النميمة عن العلاقات العاطفية والحياة الشخصية للفنانات والفنانين في الغرب، مقالات تشرح خطوات بناء الدراما، وأنواعها، والاصطلاحات المستخدمة في الكتابة والنقد المسرحي. هذه النوعية من

المقالات انطلقت من إيمان بضرورة تثقيف الفنانين في مجالهم، اعترافًا بتواضع تعليمهم وتأهيلهم، وسعيًا للبناء على ما يمتلكون من مهارات. لم يقتصر التثقيف على الفنانين بل امتد إلى دعم الثقافة المسرحية وتغيير عادات سائدة لدى الجمهور، وهو ما دفع يوسف وهبي لتقديم كلاسيكيات التراچيديا في مقابل المسرح الخفيف، وفرض الصمت على جمهور اعتاد الثرثرة والتداخل مع الممثلين في أثناء العرض، كما منع التدخين وقزقزة اللب والسوداني خلال العروض المسرحية. إلا أن الخلافات بين الفنانين والنقاد لا تتوقف عن حدود ومعنى هذه المواكبة 

والمنافسة مع المسرح الغربي.هل نلجأ إلى الترجمة المباشرة أم التمصير والتعريب أم صناعة مسرح محلي على قدم المساواة من حيث الإتقان والرقي والفن؟ يستشهد عبد المجيد حلمي بمسيو إدمون تويما حين أكد له أن الفرنسيين لم يقبلوا على روايات هنريك إبسن عند تقديمها في المسرح الفرنسي، لأنها دخيلة على بيئتهم، ليذكر في نهاية مقاله أن الصحافة عليها أن "تساعد على إنشاء المسرح المحلي، حتى ولو اضطر الأمر إلى تدخل الحكومة فيه".
لم يكن تدخل الحكومة في المجال الفني فرضية مفروغ منها في العشرينيات. في النهاية، ما يتأسس من فرق مسرحية

الذراع الحكومية المتداخلة مع المسرحيين وحركتهم كانت وزارة الأشغال العمومية التي ضمت اختصاصات مثل السكة الحديد والتلغراف وحديقة الحيوان

وكازينوهات وصالات غناء هو ملك لأفراد وشركات، استأجرت المباني الحديثة المملوكة للأسرة الخديوية التي شيدت في بدايات القرن العشرين. على سبيل المثال، فرقة ومسرح رمسيس يؤسسهما شريك ثري مثل يوسف وهبي، وشريك بالإدارة وثقل المكانة مثل عزيز عيد. وعندما تقرر فاطمة رشدي ترك فرقتهما، عليها أن تسعى لتأسيس فرقتها الخاصة، كما فعلت منيرة المهدية من قبلها. تتابع مجلة "المسرح" كذلك نميمة متعددة المصادر عن محاولات عزيزة أمير، الرائدة السينمائية في ما بعد، تأسيس فرقة مسرحية بالشراكة مع چورچ أبيض،

ولاحقًا مع فاطمة رشدي بعد ما فشلت المفاوضات مع الأول. تعرض فرقة منيرة المهدية في ١٩١٥ على مسرح بريتانيا، الذي تأسس في ١٩٠٨، قبل أن تنتقل إلى الكورسال في ١٩١٧. وفي العام نفسه يؤسس نجيب الريحاني مسرحه الذي قدم من خلاله تعاوناته المسرحية مع بديعة مصابني، ثم استأجرت بديعة صالتها في عماد الدين إثر انفصالهما في ١٩٢٥ لتبدأ في تأسيس مشروعها الخاص. كان ازدهار شارع عماد الدين موازيًا لعصر المسرح الاستعراضي والڤودفيل vaudeville، الذي استبدل عصر الميوزيك هول (صالات الغناء) في حديقة الأزبكية، الذي أثارت اتجاهاته

الكوميدية والدرامية ثائرة الكثيرين مطالبين بتوقيف مسرحيات تحوي- حسب رأيهم- ألفاظًا مسيئة ونكاتًا قذرة وحكايات فاضحة تشجع الانحطاط والتردي الأخلاقي.
الذراع الحكومية المتداخلة مع المسرحيين وحركتهم كانت وزارة الأشغال العمومية التي ضمت اختصاصات مثل السكة الحديد والتلغراف والمساحة والإسكان والزراعة وميناء الاسكندرية والآثار ودار الأوبرا وحديقة الحيوان وحديقة الأسماك والصرف الصحى بالإضافة إلى الري.
لا ينتهي الشد والجذب بشأن الدور الذي تلعبه الوزارة على صفحات

كاتب مجهول يكتب أنه كلما مر بدار الأوبرا الملكية شعر أنها "رمز العار قائم في أكبر ميادين العاصمة"

المجلات. الأسباب الرئيسية إما تهافت الدعم الذي تقدمه للفرق المسرحية الصغيرة، أو الدعم الذي تقدمه لفرق لا ترقى للمستوى المطلوب مثل فرقة "عكاشة إخوان" وبعض الجمعيات التي احتلت مسرح "شركة ترقية التمثيل العربي" الذي أنشأته الحكومة "تشجيعًا للتمثيل العربي" برأس مال قدره عشرة آلاف جنيه، ويديره طلعت حرب.
لا تلوم مجلة "المسرح" زكي أفندي عكاشة نفسه على انحطاط التمثيل في هذا المسرح، وتكاثر حفلات الرثاء والتكريم بلا عائد ولا قيمة، بل تلوم طلعت حرب على منحه هذه السلطة الواسعة مع علمه أنه "لا يصلح لعمل 

فني مطلقًا"، وتحملله مسؤوليةالخسائر المتوالية "التي تسدد من حساب بنك مصر المسكين". وتوجد أيضًا مسألة مسابقات التمثيل التي تجريها الوزارة ومدى انتظامها، وهناك مسألة ابتعاث الفنانين للخارج لدراسة الفن، ضمن المبتعثين سنويًّا، إذ يندر أن تضم الوزارة الفنانين لبعثاتها. كما تعيب المجلة على وزارة الأشغال ودار الأوبرا الملكية أنها تُعين "الأجواق الأفرنجية على الفرق المصرية" التي لا تُفتح لها أبواب الأوبرا، والدليل معاكسة فرقة الأستاذ چورچ أبيض من مدير الأوبرا ووكيله الخواجا منصور غانم، حتى إن أبيض امتنع عن استكمال موسمه هناك. ويذكر كاتب 

المقال مجهول الاسم،كما جرت العادة في معظم المقالات الهجومية حادة النبرة، أنه يشعر كلما مر بدار الأوبرا الملكية أنها "رمز العار لنا، قائم في وسط أكبر ميادين العاصمة" ويكاد يبصر في وسط الأوبرا "تمثال السخرية يهزأ بنا جميعًا".
عصر الطقطوقة
يوجد إذن سياق محدد لاستعمال كلمة "فن" وكلمة "علم" في الصحافة الفنية الوليدة، فما يقدم على المسارح لا ينعت كله بالفن. أما العلم فهو ما يتعلمه يوسف بيه وهبي على يد الإيطاليين، أو ما يدرسه زكي طليمات في السربون بفرنسا من تقنيات وأساليب ومدارس. وأما الفن فهو ما يجب أن تلتفت إليه

كانت الطقطوقة مثار هجوم بسبب الخلاعة، وهو ماجعلها الحجة الرئيسية لإخضاع النصوص المسرحية وكلمات الأغاني للرقابة

أم كلثوم التي "تسير مع طبيعتها فقط"، بينما "يوجد شيء اسمه الفن، زيادة على حسن الصوت ورخامته" حتى لا تصبح "مقلدة فقط". وعلى الرغم من الاعتراف بالنهضة المرتقبة للغناء على يد مطربات مثل منيرة المهدية وأم كلثوم وفتحية أحمد، نجد في المقالات عن عالم الغناء تلميحًا مستمرًا لخلو الساحة من المطربين المتميزين، لكنه انطباع اختلط بنظرة سلبية عمومًا لمصر الفقيرة لنهضة كبيرة في الغناء، الذي لا تجد فيه دائمًا إلا "ألفاظًا مبتذلة ومعاني ساقطة وألحانًا-في الغالب- سخيفة، وأصواتًا ليست على التأكيد مما يصلح للتمشي مع الفن الحقيقي".

النصف الأول من العشرينيات هو عصر الطقطوقة الغنائية؛ التي تشير أوصاف الكتّاب عنها لانحطاط الغناء غالبًا لشقها النسائي الخلاعي، ما استدعى أن يكتب مؤلف معظم تلك الطقاطيق الشيخ محمد يونس القاضي مقالاته الشهيرة في مجلة "المسرح" شارحًا منطقه في كتابة الطقطوقة، ومشيرًا في الوقت نفسه إلى أن ما يقدمه هو بالفعل نوع من التهذيب والارتقاء بالطقطوقة التي يتجاهل مهاجموها ماضي الأغنية الشعبية والتراثية المنتشرة على نطاق واسع، وهو أكثر فضائحية وخلاعية بما لا يقاس.
عواصف الهجوم على الطقطوقة

وتعبيراتها،والمسرحيات الكوميدية وألفاظها، ستكون الحجة الرئيسية لإخضاع النصوص المسرحية وكلمات الأغاني للرقابة القبلية من جهاز الرقابة على المطبوعات بين عامي ١٩٢٦ و١٩٢٧ إلا أن "لائحة التياترات" التي صدرت في ١٩١١ كانت بالفعل تتضمن منع ما كان "من المناظر والتشخيص والاجتماعات مخالفًا للنظام العام والآداب"، كما تمنح البوليس الحق في منع "ما كان من هذا القبيل واقفال التياترو عند الاقتضاء".
تفرد مجلة "المسرح" مقالات متعددة للحديث عن أم كلثوم، التي تظهر على غلافها للمرة الأولى في عدد ٨ فبراير ١٩٢٦. تستعرض المقالات مراحل تطور 

كانت شخصية فاطمة رشدي وسلاطة لسانها وتطرفها النفسي محل شكوى مستمرة من النقاد والمسرحيين على صفحات مجلة "المسرح"

ظاهرة الآنسة أم كلثوم منذ حضورها للقاهرة في ١٩١٨(قبل استقرارها النهائي بها في ١٩٢٣) في وقت "لم يكن في الجو مغني أو مغنية تنازعها المكانة، وتقاسمها إعجاب الناس، وتشاطرها الثناء والإطراء". حضرت أم كلثوم للقاهرة في وقت كان تحقق النجومية فيه مشروطًا بالعمل من خلال المسرح والفرق المسرحية، حتى للمغنيات. بمعنى آخر، كان من الصعب على المغنية أن تكتسب مكانةً واعترافًا إلا لو استكملت مهاراتها باحتراف التمثيل إلى جانب الغناء. فالغناء والعمل بالتخت والصالات بات عملاً محتقرًا إلى حد ما قرب نهاية الحرب العالمية الأولى.هجرته

 منيرة المهدية وكونت فرقتها المسرحية وقدمت عملها الأيقوني "كارمن"، التي عرَّبها فرح أنطون بموسيقى من تأليف كامل الخلعي سنة ١٩١٧ مفتتحة نوع الأوبرا كوميك والمسرح الاستعراضي/ الغنائي الذي صار موضة الوقت المسرحية. هذا العمل المسرحي ذاع صيته وأعيد عرضه مرارًا بحضور كبار السياسيين وقتها مثل سعد زغلول وعدلي يكن وإسماعيل صدقي وعبد الخالق ثروت، وابتكرت منيرة له واحدة من أوائل حملات الدعاية عبر ملصقات خاصة بالمسرحية (بوستر) توزع على المقاهي والمحلات التجارية.
والتحقت مغنيات مثل رتيبة أحمد

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

في أحد المقالات ١٩٢٦ نصحت مجلة "المسرح" أم كلثوم أن تغير من مظهرها وأن تتجه إلى الغناء مع التخت
- أرشيف مدينة الرقمي

وفاطمة قدري وفاطمة سري ثم فتحية أحمد بالمسرح والتمثيل سعيًا لنوع من الترقية، وحتى الممثلات كان يحسُن أن تُجدن الأداء الغنائي، مثلما في حالة بديعة مصابني، أو فاطمة رشدي التي قدمت نفسها في البداية لسيد درويش في الإسكندرية كمغنية تريد أن تلتحق بفرقته. بينما بقيت السيدة نعيمة المصرية شبه منفردة بتخصصها الغنائي، وتكتب عنها مجلة "المسرح" في يناير ١٩٢٦ أنها "المطربة الوحيدة التي نبغت في علم النغمة والموسيقى، وتحسن الضرب على العود، كما تجيد كل أنواع الغناء، من إنشاد إلى مقطوعات ملحنة إلى أدوار إلى مواويل، من كل معنى طرب".

بعد ١٩١٩ اكتسب التمييز بين فئات الفنانات حسب مستواهن الثقافي وطبيعة أعمالهن أهمية أكبر. وبطبيعة الحال، يحتل التشبه بالفنانات الغربيات المساحة الأكبر في هذا التمييز، سواء من حيث الزي أو من حيث أساليب الأداء والثقافة العامة واختيار الأعمال. تشبه المجلات الفنية النجمة روز اليوسف بسارة برنار، الممثلة الفرنسية التي تربعت على عرش المسرح في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، عندما أدت دور برنار الشهير في مسرحية "غادة الكاميليا" في ١٩٢٣ على مسرح رمسيس، قبل أن تعتزل التمثيل في ١٩٢٥ استعدادًا لإصدار مجلتها التي تحمل اسمها. 

روز اليوسف، على اليسار، صاحبة المجلة الوحيدة التي صمدت واستمرت أمام طوفان المجلات الفنية. أرشيف مدينة الرقمي

روز اليوسف، على اليسار، صاحبة المجلة الوحيدة التي صمدت واستمرت أمام طوفان المجلات الفنية. أرشيف مدينة الرقمي

أول من حملت هذا اللقب كانت الممثلة الشامية ميليا دايان بطلة مسرح سلامة حجازي الغنائي، ولكنه يعود بعداعتزال روز اليوسف ليستقر نهائيًّا بين يدي الصاعدة فاطمة رشدي لتصبح
"سارة برنار الشرق" التي استمر مشوارها الفني حتى الستينيات، وواصلت تحولاً بدأته روز اليوسف من الڤودفيل المسرحي الخفيف للميلودراما مع تسيد الأساليب الرومانتيكية للمسرح والغناء منذ نهاية العشرينيات.
كانت شخصية فاطمة رشدي وسلاطة لسانها وتطرفها النفسي محل شكوى مستمرة من النقاد والمسرحيين على صفحات مجلة "المسرح". يشكوها مدير مسرح رمسيس أحمد عسكر لزوجها 

آنذاك المخرج عزيز عيد، إذ "لم تستح أن تبذل كل ما لديها من تعابير روايات بذيئة"بعدما كتب نقدًا لإحدى مسرحياتها. فاطمة رشدي التي تقول إن شارع عماد الدين كان يهتز كلما مشت فيه، وتلقي بحذائها أحيانًا في وجه ناقد كتب ما لم يرضها، تكتب رسالة إلى رئيس تحرير المجلة في ٨ مارس ١٩٢٦ تحذره من دعم أحد المحررين المنافقين الذي سمح له، ربما بحسن نية، بإثارة الشقاق بين أفراد فرقة "لم يكن بينهم إلا كل ود ومحبة وسلام"، وتنبهه أن "في عالم الكتابة، كما في عالم الفن، سواسية" حشرات تتطاول على المشتغلين بالمسرح وإذا تطاولت "فليس لها إلا النعال". نفسها فاطمة رشدي، من أوائل

واجهت فاطمة رشدي هجومًا عنيفًا متواصلاً من مجلة "المسرح". أرشيف مدينة الرقمي

واجهت فاطمة رشدي هجومًا عنيفًا متواصلاً من مجلة "المسرح". أرشيف مدينة الرقمي

النجمات اللاتي وهبن أنفسهن للارتقاء بفن التمثيل بالتوازي مع الشابة الصاعدة آنذاك أمينة رزق، تكتب رسالة في مجلة "المسرح" في ٣١ مايو ١٩٢٦ مصاحبة لصورتها المنشورة من روايتها الجديدة "صاحب البيت"، ترفض فيها التعليق على الرواية لأنها تعتبر ذلك "تعديًا على حقوق النقاد"، لكنها تشير في الرسالة لحرصها على عدم الإكثار من الماكياچ في الصورة، لأنها تؤدي دور امرأة عجوز، وتنصح الممثلات كذلك بعدم الإكثار منه لأنه "يتلف جمال الوجه ويشوه عوامل الطبيعة، ولا يسمح لعوامل النفس والبسيكولوچيا بالظهور على وجه الممثلة".
يبدو واضحًا على صفحات المجلة الفنية 

أن المحددات الأخلاقية بين الفنانين والنقاد لم تتأسس بعد في ذلك الوقت،كما أن الآداب المهنية للناقد والتساؤلات عن حدود التدخل في الحياة الشخصية للممثلين محل مناقشة بين أطراف متعددة. إلا أن هذا التحرر المتخبط في عالم المسرح، الذي يخلو من المنتجين الكبار المتحكمين في الأرزاق كما في السينما لاحقًا، سمح بنوع من الصدقية في مناقشة كل هذه المسائل بلغة صريحة، قليلة الحسابات لتوابع الصدق، سواء من طرف الفنانين أو النقاد الناشئين، والمشغولين أيضًا باكتساب المكانة والاحترام.
لم يخلُ النقد الموجه لنقاط ضعف الآنسة أم كلثوم على صفحات مجلة

"المسرح" من هذه الصراحة، ويلخصها في نقطتين يشرحهما الناقد بعد ثناء طويل على تطورها الملحوظ مع بداية استعانتها بالأديب أحمد رامي والموسيقي الذي تعهدها بألحانه وانقطع لتدريبها وتنمية صوتها، الدكتور أحمد صبري النجريدي، الذي "أخذ يبث في روحها شيئًا من الفن حتى قوى واستمكن" النقطة الأولى هي هؤلاء المشايخ الذين يحيطونها "كالأصنام الجامدة أحيانًا، المتحركة أحيانًا أخرى" خصوصًا حين "ترتفع أصواتهم المنكرة هادرة كصوت الجمل الثائر المهتاج". والثانية هي سوء اختيارها للقطعة الملائمة للجمهور الذي تغني له، وهنا يضرب الناقد- متعجبًا- مثالاً بما اختارته 

كان معتادًا أن يقدم الرجال الأدوار النسائية، لكن دخول النساء استدعى دفاعًا في مواجهة هجوم ضار صور المسارح كبيوت للرذيلة

في حفلها على مسرح الماچستيك وجل حضوره "من السوريين والإفرنج"فتختار هي أن تغني لهم "مولاي كتبت رحمة الناس عليك".
من هنا يمكن أن نفهم سرعة استدخال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب لشعراء النهضة الأدبية الحديثة مثل أحمد شوقي وأحمد رامي لعالمهما الغنائي؛ أم كلثوم التي مهَّد لها رامي الانتقال من عالم الإنشاد الديني للأغنية العاطفية بما يوافق طبيعتها المحافظة، وعبد الوهاب الذي فارق مع شوقي ورامي عالم "غناء المشايخ" تدريجيًّا، خصوصًا مع اقتحامه للسينما.
السجالات على صفحات مجلة "المسرح"، بين المتدينين والمحافظين من 

ناحية ومنتقديهم ومفندي حججهم من ناحية أخرى، تمتاز أيضًا بصراحةوصدقية تثير استغراب المعتاد على لغتنا الحالية، بتحفظها وقيودها الضمنية وتحوطها الجبان. يكفي أن نستعرض سجال المحامي أحمد عبد الرحمن قراعة مع الأديب أحمد أفندي صلاح الدين نديم على صفحات مجلة "المسرح" تحت عنوان "هل يتنافى التمثيل مع الدين الإسلامي؟"، والمنشور في أعداد يناير وفبراير ١٩٢٦. كان رد الأديب على المقال الأول للمحامي قد امتد إلى الهجاء الشخصي، راميًا للتشكيك الأخلاقي والتلويح بتناول المحامي للخمر. لم يتحرج المحامي في الرد على الاتهامات والحديث عن الخمر والغناء

والطرب الذي "كان للنساء منه القسط الأعظم والحظ الأوفر"في قصور الخلفاء الأمويين العباسيين، فضلاً عن إنشادهن للشعر واضطلاعهن بالخطابة.
قرر المحامي أن يجاري الأديب هادئًا، دفاعًا عن خصلته التي وصفها بأنها "خصلة المحامين جميعًا، خصوصًا إن جادلهم عن غير حق لسان حاد"، مقرًّا أن المشكلة لا تأتي من الدين بل من الأخلاق، والاختلاف على أن المسرح "لا تظهر عليه الفضيلة وحدها، بل تظهر عليه الرذيلة أيضًا". لذلك ينتهي في مقاله الثاني إلى أنه "لا يمكن تصور الصواب إذا امتنع الخطأ، كذلك لا يمكن تصور الجمال لو انعدمت البشاعة، فلا بأس إذن من رؤية منظر امرأة عارية

كان وقوف المرأة على المسرح تحولاً مخيفًا، لأنهم رأوها "تسترجل" أو تتخلى عن أنوثتها وتدخل مجال الرجال

يلمس منها رجل موضعًا خلق مصونًا عنه خارج المسرح، أو يسمعها كلمة تمنعها الحياة الخارجية، وخير لكل إنسان ألف مرة أن يدرك وجه القبح ممثلاً في غيره من أن يكون هو موضوعًا له".
الحجة التي يستخدمها قراعة للدفاع عن التمثيل والممثلات بوصفهما يقدمان عملاً أخلاقيًّا تهذيبيًّا ترجع إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات المسرح الغنائي الذي ظهرت عليه للمرة الأولى ممثلات شاميات يقدمن أدوارًا نسائية. المعتاد أن الرجال كانوا يقدمون الأدوار النسائية ويلبسون ملابسها. لكن دخول النساء استدعى دفاعًا في مواجهة هجوم

ضار يصور المسارح كبيوت للرذيلة والتهتك الأخلاقي، ويعكس تخوفات من حضور النساء للمسرحيات "دون حجاب بملابس مكشوفة وزينة مبالغ فيها". في مذكراتها، تستهجن الممثلة الشامية مريم سماط هذا الخلط المتعمد الذي شاع في الصحافة بين الممثلة والعاهرة، وبين المسرح "مكانًا للترفيه البريء والنهضة الفنية والأخلاقية" وطقوس الحانات الموجودة في وسط المدينة.
المرأة على المسرح
كان الدخول النسائي لعالم التشخيص محل انقسام لا تزال آثاره منعكسة على الصحافة الفنية حتى يومنا. فالمرأة الممثلة التي انتزعت أدوار النساء

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

ليس صحيحًا أن منيرة المهدية كانت تحب ارتداء ملابس الرجال، لكنها كانت مضطرة لذلك قبل أن يصبح وجود النساء على المسرح مقبولاً. الصورة من جريدة "أخبار اليوم" سنة ١٩٥٢ - أرشيف مدينة الرقمي

من يد الرجال لم تكن فقط تتملك صوتها وشخصيتها من خلال الدور الذي تؤديه، وتشاهدها النساء بينما تؤديه، وهو التحول المخيف مبدئيًّا، بل كانت من وجهة نظر أخرى "تسترجل" أو تتخلى عن هويتها الأنثوية لتدخل مجال الرجال. مسألة الممثلة "المسترجلة" كانت محل سؤال دائم من الصحفيين للممثلات مثل منيرة المهدية التي لعبت في بداية حياتها أدوار الرجال لأنها ممنوعة من الظهور في أدوار النساء. كذلك طرح السؤال نفسه على روز اليوسف وفاطمة رشدي، اللتين وصفتهما الصحافة بالجرأة التي لا تليق بأنثى.

في عدد ٣١ مايو ١٩٢٦، يكتب صحفي في مجلة "المسرح" موضوعًا بعنوان "الأوانس المسترجلات" متسائلاً عن موضة لبس النساء للملابس الرجالية، محتارًا بين كونها تشبهًا بالرجال تسعى إليه المرأة في كل شيء، "فأصبح النساء لا هم لهن إلا تقليد الرجال"، وهو ما يصفه بالفعل الذي يلعنه الله، أو كون النساء مغرمات بالموضة التي وصلت مؤخرًا لمصر بعد ترجمة رواية الفرنسي ڤكتور مارجريت "لا جارسون La Garçonne"، التي صدرت في ١٩٢٢ وأثارت ضجة لطابعها الجنسي واصطدامها بالأفكار الاجتماعية والدينية السائدة، في مرحلة

لا يزال المجتمع ينظر إلى دخول المرأة الفن باعتباره خروجًا من دائرة التوافق العمومية على موقعها في الحياة

ما بعد الحرب العالمية الأولى، وشخصية بطلتها المتحررة المستقلة.
المجلة الفنية في عشرينيات القرن العشرين، تشبه قضاياها في كثير، المواقع الفنية في عشرينيات القرن الواحد والعشرين. يكمن الفارق ربما في أن الأولى كانت تجتهد لإيضاح الفارق بين داخل المسرح وخارجه، وبين الشخصية الدرامية وحقيقة الممثلين، لجمهور خرج حديثًا للمسارح ومتابعة الفنون الحية. بينما تجتهد الثانية، في أغلب الحالات، للإيحاء بامتزاج الشخصية الدرامية وأخلاق الممثلين، لجمهور يستهلك نفس الفنون على مدار قرن ونيف. إلا أن التشابه الذي لا يُخطأ

يتمثل في وجهين تنتقل بينهما تلك الصحافة في علاقتها بالفنانة، أحدهما وجه يدافع عن دخولها للمجال الفني ويمرر هذا الدخول بحجج أخلاقية قدر ما أمكن، والآخر يلعب في منطقة التوتر بين الفنانة والمجتمع الذي لا يزال ينظر إلى دخولها الفن باعتباره خروجًا من دائرة التوافق العمومية على موقع المرأة، نحو مزيد من الإتاحة والاستباحة، ويتأهب متربصًا للانقضاض عليها بالهجوم بينما يتابعها سرًا في فضول وشبق.

اقرأ أيضاً

''تنظيف'' الشعبي

''تنظيف'' الشعبي

التفاؤل والتشاؤم بعد سقوط الإخوان

التفاؤل والتشاؤم بعد سقوط الإخوان

توازنات الشاه الأخير

توازنات الشاه الأخير

حسابات الشاهنشاهية المرتبكة

حسابات الشاهنشاهية المرتبكة

لماذا شجرة الفستق؟

لماذا شجرة الفستق؟

مدينة لا تتسكع فيها النساء

مدينة لا تتسكع فيها النساء