يمكن للشتيمة أن تتحول إلى مادة معرفية ذات تاريخ يحكى على الشاشة، لكن لماذا نشتم أصلاً، وماذا تكشف ألفاظنا عن المجتمع، والصدق، والسلطة، وحدود الأخلاق؟ وهل تغير المنصات الرقمية علاقتنا بالبذاءة؟
إذا كان صحيحًا أن البلوجر محمد عبد العاطي قد نال سنتين من الحبس بسبب بعض الألفاظ النابية التي رددها في مقاطع الفيديو التي يبثها على حسابه، ووصفت قانونيًّا بأنها "خادشة للحياء"، يمكنني هنا أن أستعير عنوان مسلسل صديقي محمد رجاء، وأقول إن "نصف الشعب اسمه محمد عبد العاطي"، وأنه إذا طبقنا المبدأ نفسه على الأماكن العامة (بما في ذلك الشوارع ووسائل المواصلات والمصالح الحكومية.. إلخ) فسوف نسجن نصف الشعب المصري بتهمة "خدش الحياء".
وأي مكابر ومغالب لهذا الرأي يمكنه أن يغسل أذنيه جيدًا، ويزور أي مكان عام
يضم الكثير من البشر، على أن يمر في طريقه ببعض الشوارع والحواري الجانبية، وأن يستقل "توك- توك" أو ميكروباص في هذا المشوار، ويراهنني على أنه لم يستمع إلى لفظ "قبيح" أو شتيمة نابية واحدة خلال هذه الرحلة. وبالطبع ستلاحظ أنني لم أقل له قم بزيارة "قسم شرطة"، فهناك لن يسمع فقط الألفاظ النابية، لكن ربما يراها أيضًا.
إذا كانت "الحكومة" ترى أنها يجب أن تحمي الشعب من هذه الألفاظ، فهي معذورة، لأن ذلك صميم عملها، الذي تحاول أن تؤديه، ومن اختصاصات هذا العمل مراقبة وقائع التواصل الاجتماعي
التي دخلت مجال "الفضاء العام". لكن المدهش أن هذا "الفضاء العام" نفسه قد انتفض مؤخرًا (وهو ينتفض كل يوم وكل ساعة على أية حال) بسبب بعض الألفاظ التي توجد في فيلم "السلم والثعبان 2"، مع أن الفيلم وألفاظه مجازين من الرقابة والحكومة.. وهكذا، بقدرة قادر، وبينما تتهم الحكومة الفضاء العام بخدش الحياء، يرد "الفضاء العام" باتهام السينما والحكومة بخدش الحياء!
حالة من العبث لن تدرك فداحتها إلا حين تأخذ بنصيحتي وتنزل إلى الشارع مارًا ببعض الحواري وتذهب لزيارة مبنى عام يحتوي الكثير من البشر!
من المدهش أن كلا العالمين "الواقعي" و"الافتراضي" يتبادلان الشتائم، الشعب يشتم السينما والفنانين والرقابة على برامج وصفحات السوشيال ميديا، والحكومة تتهم برامج وصفحات السوشيال ميديا، وكل من الحكومة والسوشيال ميديا والسينما يعيشون في "واقع افتراضي" يختلف تمامًا عن حقائق الشارع والحارة وأماكن العمل والبيوت، وبالتأكيد يختلف عما يسمعه ويراه الناس (ومنهم رواد السوشيال ميديا والحكومة و"رجل الشارع" العادي) على المنصات من أفلام وأغان وبرامج ولقاءات سياسية وحتى تصريحات بعض رؤساء الدول مثل دونالد ترامب،
التي تمتليء بكل أنواع الألفاظ والشتائم دون رقيب.
على أية حال، وبغض النظر عن حدوتة "خدش الحياء" هذه، فإن الإنسان قد اخترع الألفاظ النابية والشتائم لأهداف أخرى تمامًا، ليس من بينها خدش أو هرش الحياء. كما أن لكل مجتمع ثقافته الخاصة من الشتائم والألفاظ، التي ترتبط عادة بمعتقدات وتقاليد وأساطير ولا وعي جمعي ومشاعر سلبية كثيرة يرغب الجمع والفرد في التنفيس عنها.
كل ذلك محور برنامج (تاريخ الشتائم) History of Swears أحد هذه الأفكار الغريبة التي عرضت
على منصة نتفليكس، من تقديم النجم نيكولاس كيدچ، وتحدث فيه عدد من الأكاديميين في علوم اللغة والإدراك وأحد النقاد السينمائيين بجانب عدد من الممثلين والمغنيين.
تكوَّن الموسم الأول من البرنامج من ست حلقات تتناول تاريخ ست من الألفاظ الإنجليزية (النابية) التي تستخدم في الشتيمة. لكن هل هذا موضوع يستحق، أو يمكن، أن يصنع عنه برنامج يتكلم فيه الناس؟ وهل يمكن أن يهتم الناس بمشاهدة هذا البرنامج؟ يوميًّا تتعرض آذان الجميع لسماع الشتائم في الشارع ومعظم الأماكن المفتوحة والمغلقة يوميًّا،
وأنظارهم تشاهد الشتائم طوال الوقت على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن جرِّب أن يتفوه أحد بشتيمة نابية على شاشة التليفزيون أو السينما، وسوف تسمع وابلاً من الاعتراضات والانتقادات والشتائم المضادة لمن تفوه بها ومن سمح ببثها على الملأ. ومع أن تبادل الشتائم يمكن أن يكون شيئًا عاديًّا بين أصدقاء يجلسون على مقهى، لكن الأشخاص نفسهم قد يثيرون مشكلة إذا سمعوا كلمة نابية في مكان عام يجلسون فيه مع نسائهم وأطفالهم.
الشتيمة، على ما يبدو، مثل الجنس؛ معظم الناس يتحدثون عنه ويفكرون فيه معظم الوقت، لكنهم ينفرون