وصلت السينما مصر في غضون أعوام من بدايتها في العالم.. ولها قصة مدهشة لا نزال نحاول فك أسرارها.. وهذا ما وجدناه في كتاب "السينما والثقافة العربية"!
هل لو كانت السينما فنًا جديدًا الآن، لأصبحت مصر ثاني مكان في العالم يعرض فيلمًا سينمائيًّا؟
سؤال من ضمن الأسئلة التي تحاول هجاء الحاضر بالتحسر على “الزمن الجميل”.. حين كان سكان هذه البلاد قادرين على تحقيق “المعجزة”، وهم الآن غارقون في العجز عن فعل أي شيء. وهذه طريقة في التفكير تشبه صناعة الإعلانات التجارية.
ولأن التاريخ لا يعرف “لو”، يمكننا أن نعيد صياغة السؤال لتصبح: لماذا وصلت السينما مصر بهذه السرعة؟ لتحاول فهم “ديناميك” الحياة في مصر الذي سمح بنمو فن حديث، في وقت
كان يمثل صدمة بالنسبة لمجتمعات مصنفة باعتبارها “أكثر نمو وتقدمًا”.. هذا الديناميك أحد شواغلنا الأساسية في مدينة، ننقب، وننبش، ونفكك في ركام كبير نصنع منه أرشيفنا الخاص #أرشيف_مدينة لنكشف الطاقات الحية التي يمكننا بها فهم ما حدث، والوصل مع ما سيحدث.
في واحدة من جولات الغطس وجدنا كتابًا لا يوحي عنوانه بشيء مثير؛ مجرد “سجل” محاضرات تقيمها مؤسسة دولية وفروعها الإقليمية، وموضوعه من عناوين مكررة قتلت بحثًا لكي لا تصل لشيء غالبًا، أو لتدور الكلمات بلا جاذبية كأنها تعاويذ تحل محل التواصل.
“السينما والثقافة العربية” عنوان الكتاب، والعنوان الشارح يقول إن بداخله “محاضرات الطاولة المستديرة تحت رعاية واشتراك الأونسكو (الطريقة القديمة التي تكتب بها كلمة اليونسكو معربة)، المكان بيروت، الزمان تشرين الأول (أكتوبر) 1962، الناشر: مركز التنسيق العربي، بيروت لبنان”.
حاولنا كثيرًا البحث عن المركز أو تتبع آثاره أو مصيره وماذا فعل وإلى أين انتهت به الأحوال، لكننا حتى كتابة هذه السطور لم نجد شيئًا سوى ورود المركز كجهة نشر في هوامش بعض الأبحاث والكتب. ومقدمة الكتاب تقول إن المركز ولد مع الطاولة المستديرة 1962.
والمركز كما تصفه المقدمة: جهاز صلة وتنسيق وإعلام واستقصاء.. أشرف على إصدار “الكتاب الذي يتضمن محاضرات الطاولة، في نفس العام والذي يليه، وفي نهاية المقدمة طلب “من جميع الذين يتناولون هذا المجلد أن يساعدوا المركز العربي في متابعة نشاطه مزودين إياه بخبرتهم ونصائحهم وموفرين له كافة المعلومات التي قد تكون لديهم”.
ألم يستجب أحد للطلب، لهذا انتهى المركز بصدور محاضرات 1963؟
لا نعرف على وجه الدقة، كما لم نجد أي معرفة بما يذكر في نفس المقدمة عن أنه “في تشرين الثاني (نوفمبر) 1961 أقام لبنان، في بيروت، مهرجانًا دوليًّا للسينما؛
جلال الشرقاوي (1934-2022)
وهو الأول من نوعه في العالم العربي “وأنه إزاء نجاح هذه البادرة؛ وخاصة في أوساط السينما العربية فقد تقرر إقامة هذا المهرجان سنويًّا”! لم نجد معلومات ولا ذكرًا لهذا المهرجان. وفي كتاب السينما في الوطن العربي؛ إصدارات عالم المعرفة، للكاتب والباحث جان أليكسان، ذكر للمحاولات في دمشق على هامش معرضها الدولي في آخر الخمسينيات، لكن لا ذكر هذه البادرة في بيروت؛ وهي معلومة مهمة في تاريخ مهرجانات السينما العربية المثبت أن أولها انتظامًا كانت أيام قرطاج (1966)، والمهرجان الدولي الوحيد هو مهرجان القاهرة الذي بدأ في 1976.
كان هذا أول الغطس، وحصاده محاضرة للمخرج المسرحي جلال الشرقاوي، عنوانها من النوع الثقيل: “السينما العربية: وضعها الراهن ونزعتها”.
جلال الشرقاوي الذي أودت الكورونا بحياته منذ أسابيع، معروف بالنسبة لأجيال كاملة أنه مخرج المسرحية الشهيرة “مدرسة المشاغبين”، وهو بالفعل أحد كبار مخرجي المسرح، وصاحب فرقة “مسرح الفن” واسمه على عدد كبير من المسرحيات الناجحة بخلطة “مسرح القضايا الراهنة القادر على تحقيق مكاسب تجارية”.
كما مثَّل للتليفزيون والمسرح بحضور فخيم الصوت والأداء..
وأخرج أفلامًا، لكن هنا يظهر اسمه للمرة الأولى مقترنًا بأبحاث ومؤلفات في السينما. وغالبًا كان هذا جزءًا من دراسته في دبلوم الإخراج من المعهد العالي للدراسات السينمائية من فرنسا عام 1962.
وهو بالفعل يذكر في نهاية المحاضرة (ما يزيد عن 50 صفحة من بين 137 صفحة هي كل الكتاب) أن الجزء الخاص بالجمهورية العربية المتحدة (الاسم الرسمي لمصر في تلك السنوات) “هو ملخص ما جاء في مذكراتي عن معهد الدراسات العليا للسينما: تجربة حول تاريخ السينما في الجمهورية العربية المتحدة”. ومن هذا الجزء اخترنا الفقرات التالية..