من الشارع للبيت، ومن البيت للشارع!

شبح الحرية ومصارعة المنحرفين

من الشارع للبيت، ومن البيت للشارع!

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

لم يعد الأوروبيون يقضون حاجاتهم في الشوارع التي أصبحت في غاية النظافة والنظام، بينما نرى مصريين يمارسون كل حياتهم في الشارع!

في فيلمه “شبح الحرية” The Phantom of Liberty، 1974، يرسم المخرج الإسباني لويس بونويل بعض الصور السوريالية العجيبة، وأعجبها مقطع لحفل “عشاء” يقام في أحد بيوت الأثرياء. يدخل المدعوون ويجلسون على مائدة طويلة وبدلاً من المقاعد يوجد “قواعد تواليت“، يجلسون عليها لقضاء حاجتهم بشكل جماعي، وعندما ينتهون يستأذن كل منهم للذهاب لتناول الطعام داخل غرفة صغيرة بمفرده! يقلب بونويل العادات الاجتماعية التي نتعامل معها كما لو أنها قوانين طبيعية، ليحدث صدمة للمشاهد تجعله يعيد النظر في تلك العادات والأفكار المتعلقة بها.

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

بوستر فيلم شبح الحرية

مقطع التواليت والعشاء في “شبح الحرية” يذكرني بما أبداه مستشرق زار مصر في القرن الثامن عشر، أبدى عجبه من أن معظم المصريين لديهم دورات مياه في البيوت لقضاء حاجتهم، بينما اعتادوا تناول الطعام في الهواء الطلق في المطاعم التي تملأ شوارع القاهرة، وذلك على عكس الأوروبيين الذين يأكلون عادة في البيت ويقضون حاجتهم في الخلاء الطلق!
اختلف الأمر الآن بالطبع، لم يعد الأوروبيون يقضون حاجاتهم في الشوارع التي أصبحت في غاية النظافة والنظام، بينما نرى مصريين يمارسون كل حياتهم في الشارع بما في ذلك قضاء الحاجة أمام المارة وفي عرض الطريق!

المفارقة تستدعي أختها: في مصر يباع الخبز عاريًا على الرصيف، بينما تعرض الأحذية وراء “فاترينات” من الزجاج. تعرض “المانيكانات” العارية بالملابس الداخلية على مداخل محلات الملابس “المحترمة“، لكن ليس مسموحًا تعليق صورة امرأة ترتدي الملابس الداخلية فقط على “بوستر” فيلم. وتتصدر إعلانات المقويات والأدوات الجنسية شاشات بعض القنوات التليفزيونية، وتعلق على أبواب وحوائط الصيدليات، ولكن ليس من المسموح وجود محل “سكس شوب” متخصص في بيع هذه الأشياء. الشارع عادة هو مجال التسابق على “الموضة” بين النساء، وارتداء أجمل ملابسهن ووضع أفضل زينتهن..

لكننا نرى قرى ومدنًا وبلادًا يفرض فيها على النساء ارتداء النقاب أو الحجاب في الشارع، ومن ثم يصبح البيت هو مسرح استعراض فتنتهن وملابسهن و“إكسسوارتهن” الجديدة.
تستهلك النساء في العالم العربي كميات هائلة من أدوات الزينة، ولكن غير مسموح لمعظمهن باظهار شعورهن. ترقص الفتيات ويبدين مفاتهن ويدخن السجائر داخل البيوت المغلقة، ولكن ليس مقبولاً فعل ذلك خارج البيت.  يرقص الشباب الذكورعراة في حفلات الزفاف الشعبية، ويشربون البيرة ويدخنون الحشيش علنًا، ولكن من غير المقبول أن يرقصوا أو يدخنوا السجائر في البيت..

في مصر يباع الخبز عاريًا على الرصيف، بينما تعرض الأحذية وراء “فاترينات” من الزجاج!

ومن غير المقبول بالطبع أن يرقصوا مع الفتيات. يبدو الشارع، والمجتمع، إلى حد كبير كما لو كان “هومو سوشيال“، على وزن “هوموسيكشوال“، كل جنس يتجمع بمفرده لمناصبة الجنس الآخر العداء! في معظم البلاد يسمح لك بتبادل القبلات مع صديقتك في الشارع، ولكنك لا تستطيع ضربها أو الصراخ فيها وإلا اعتقلتك الشرطة.
في شوارعنا تستطيع أن تضرب زوجتك أو صديقتك، ولن يتدخل أحد، لكن ليس مسموحًا لك أن تقبلها!
في لقاء مع المخرج الإيراني الراحل عباس كياروستامي كان يعلِّق فيه على الأوضاع في إيران قبل وبعد ثورة الخميني، قال 

مازحًا: “اختلف الأمر طبعًا.. قبل الثورة كنا نصلي في البيت ونسكر في الشارع.. الآن نصلي في الشارع ونسكر في البيت!”.
كيارستامي كرس معظم أعماله، من “طعم الكرز” الذي يتناول “تابو” الانتحار إلى “عشرة” الذي يدور حول امرأة تتجول بسيارتها عبر شوارع المدينة، لتوسيع فضاء الشارع ومجال حريته، حتى أن معظم شخصياته تعيش حياتها في الشارع. ثنائية الشارع (الخارج outdoor) والبيت (الداخل indoor) موجودة في أي مجتمع، يمكننا أن نشبهها بالثنائية النفسية بين “الأنا العليا” و”الهو”، كلما كانت الأبواب

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية