فاتن حمامة: السيطرة على الإيقاع

صناعة الأيقونات

فاتن حمامة: السيطرة على الإيقاع

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

هنا نلعب مع الصورة الذهنية التي رسمها الجمهور عن فاتن حمامة لعبة أخرى.. هل هي فعلاً مثلما تصوروا نجمة محافظة تخشى أن تجرح شعور المجتمع أم كانت جريئة بطريقتها الخاصة؟!

Avan Titre
منذ آلاف السنين، في القرن الثالث الميلادي، رسم المصريون الأيقونات، لتخليد موتاهم ومقدسيهم، ثم انتشرت الأيقونات في بقية أنحاء العالم.. في الأول كانت فنًّا شعبيًّا، ثم دخلت في رعاية الكهنوت التي يسبغ ظله على الجميع فلا يخرج عنه إلا آثم.
وفي العصور الوسطى اعترض رجال الدين في بيزنطة على الأيقونات والصور، وشنوا عليها حربًا عنيفة باعتبارها شركًا، وأحرقوا وحطموا منها ما استطاعوا، لكن الناس عادت وصنعت الأيقونات، بل إنها انتشرت أكثر في كل مكان!
حين قامت حرب الأيقونات لم تطل

مصر، ولم تتأثر بها كنيسة الإسكندرية. لكن بلا شك، وفيما يمكن اعتباره دون تردد دائرة مفرغة، يميل الإنسان إلى صنع الأيقونة لتحميه، وتزين جداره، ثم يعود فيحرقها، أو تتعرض للتلف، ليصنعها من جديد، وهكذا، وهكذا، المهم أن يظل معبوده محبوسًا مؤطرًا داخل صورة، وأن يظل الإنسان مشغولاً. المشهد الأول..
في ١٩٣٦ أنتجت السينما ١٣ فيلمًا، وأنتج ستديو مصر فيلمه الأول، وقدم أم كلثوم للمرة الأولى في السينما بفيلم ضخم الإنتاج "وداد" وأخرجه المخرج الألماني فريتز كرامب، الذي كان يعمل خبيرًا فنيًّا بستديو مصر، وأسند إليه 

كتب محمد كريم أنه بعد لقائه بالطفلة للمرة الأولى بذل جهدًا لتكبير مساحة دورها في الفيلم، وكان يخبر أصدقاءه باقتناع حقيقي أن فاتن تفوق بمراحل شيرلي تمبل..

إخراج الإنتاج الأول الذي تنسبه بعض المصادر للمخرج أحمد بدرخان.
كانت السينما لا تزال صناعة جديدة، وحين أنشئ ستديو مصر قال طلعت باشا حرب "إن الحكمة تقضي علينا بالتدرج في صناعة السينما، فنأخذ بالبسيط من عناصرها أولاً.. حتى إذا أتقنا صنعه ارتقينا في النهاية إلى وضع الروايات بالصور المتحركة".
لكن صناعة السينما في مصر انطلقت أسرع مما توقع لها الباشا.. وفي أغسطس قديم جدًا، سنة ١٩٣٦ أيضًا، نظمت مجلة "الاثنين"، التي كانت إحدى إصدارات دار الهلال، مسابقة لصور الأطفال، وشارك أحمد أفندي

حمامة، المراقب  الإداري بوزارة المعارف، بصور لابنته فاتن، بعد أن ألبسها زي الممرضات، وصحبها إلى مصوراتي طلب منها أن تتخيل أنها تنظر إلى شخص مريض للغاية، وكان الانطباع على وجهها مؤثرًا للغاية، فالتقط الصورة وأعجبته النتيجة، حتى إنه طلب من والدها أن يطبع منها ٥٠٠ نسخة، وبرر طلبه "بنتك هتبقى نجمة كبيرة.. وهنحتاج صور كتير نوزعها على المعجبين"!
كان المصور يمزح طبعًا، ولم يكن يعرف بالتأكيد أن هذه الصورة ستظل متداولة حتى اليوم، وقد نشرتها المجلة على صفحة كاملة، وأعجبت المخرج الرائد

محمد كريم (١٨٩٦-١٩٧٢)، فاختار  الطفلة فاتن حمامة لتقدم دورًا في فيلم "يوم سعيد" ١٩٤٠، وأرسل إلى أبيها خطابًا عليه كلمتان فقط “فيلم عبد الوهاب"، ثم اختارها لفيلم "رصاصة في القلب" ١٩٤٤ مع راقية إبراهيم ومحمد عبد الوهاب.
محمد كريم، في مذكراته التي نشرت في ١٩٧٢؛ ذكر انطباعات ومعلومات من الممكن أن تكون مفتاحًا لفهم أسطورة فاتن حمامة، فقد كتب أنه بعد أن التقى بالطفلة للمرة الأولى بذل جهدًا لتكبير مساحة دورها في الفيلم، وأنه كان يخبر أصدقاءه باقتناع حقيقي أن فاتن تفوق بمراحل شيرلي تمبل "الطفلة

فاتن مولودة في ٢٧ مايو ١٩٣١؛ وهذا يعني أنها كانت في الثامنة والعشرين حين بدأت تختار أفلامها بوعيها الخاص جدًا دون توجيه من أحد..

المعجزة"، نجمة السينما الطفلة آنذاك، وأنها كانت نابغة نبوغًا منقطع النظير، وعملاقة في طاقتها البشرية؛ تعمل منذ السادسة صباحًا وحتى السادسة مساء ولا يبدو عليها التعب، حتى إن البعض لم يكن يصدق أنها طفلة في السابعة..
لم يكن كريم يضطر إلى إعادة تصوير مشاهدها؛ وكانت الصغيرة لا تكتفي بشرحه، بل تستوضح كثيرًا من النقاط، وتتأكد، وتكرر الكلام الذي ستقوله، فإذا ما وقفت أمام الكاميرا، أدت دورها بدقة ومهارة "كانت الطفلة صاحبة عبقرية تمثيلية لا يشق لها غبار..
وكانت تفهم أن رسالتها في الحياة أن تمثل". 

المشهد الثاني..
لسنوات بعدها، فترة الطفولة والمراهقة، سيطارد فاتن دور الملاك، أو ما يشبهه، الممرضة، البريئة، لتلعبه في أفلام متتالية: "ملاك الرحمة" ١٩٤٦، مع يوسف وهبي. ثم "الملاك الأبيض" ١٩٤٧مع إبراهيم عمارة، ثم "ملائكة في جهنم" ١٩٤٦ مع حسن الإمام، ثم "نور من السماء" مع حسن حلمي ١٩٤٦، ثم "القناع الأحمر" ١٩٤٧، مع يوسف وهبي مجددًا، ثم "كانت ملاكًا" ١٩٤٧، مع عباس كامل، ثم "اليتيمتين" ١٩٤٩، مع حسن الإمام، وغيرها. وفي الفترة من ١٩٤٠ وحتى ١٩٥٩، مثَّلت أكثر من ٦٠ فيلمًا. 

اقرأ أيضاً

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية