وجوه في الماء

السباحة ببطء..

وجوه في الماء

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

أبتسم ابتسامة خفيفة وأفكر أنه ها هي الابتسامات واللغة في السباحة الطويلة، لكن أعود وأفكر أنها توجد فقط عند فواصل التوقف. يؤكد هذا فكرتي.

ينتبه جسدي بالكامل لحظة انغماسه في مياه نيل دمياط. يتشوَّش إحساسي في اللحظات الأولى. ذكرى أول قفزة في نيل القاهرة منذ شهور قليلة، بداية تدريبات سباحة المسافات الطويلة، مع ذكريات المشي الطويل من البيت إلى النيل وعلى جانبيه، منذ أن أصبحت أكبر ويمكنني الذهاب بعيدًا.
المشي بلا هدف إلا المضي بمحاذاته والجلوس في مواجهته وتأمل جريانه البطيء المُثقَل بأشياء لا أعرفها. ها أنا الآن فيه. أشعر بهذا الثقل. تختلط ذكريات هيبته بذكرى لمس يدي لكيس بلاستيك أو قطعة خشب أو أشياء رخوة مجهولة الهوية علقت بذراعي أو رجلي. رؤيتها من الخارج لا تفسد هيبته كثيرًا.

 لحسن الحظ أن القليلين فقط هم من يفكرون في السباحة فيه، على الأقل في القاهرة. نيل القاهرة الجميل الملوث. من أين تأتي كل هذه الأشياء فيه؟ أعرف من أين تأتي طبعًا.
أفكر أنني ربما ألتقي هنا الأشياء نفسها التي التقيتها في نيل القاهرة. هل سبحت تلك الأشياء ببطء مع التيار شمالًا في طريقها إلى البحر المتوسط لألتقي بها مرة أخرى والتيار يتباطأ وهو يمر بين دمياط وراس البر، حيث أنا الآن أخوض أول سباق كسبَّاح مسافات طويلة؟
من المفترض أن يكون السباق الأول في مسيرة طويلة تبدأ، ولكني أفكر كل يوم لماذا بدأتها وكيف أُنهيها..

نيل القاهرة الجميل الملوث. من أين تأتي كل هذه الأشياء فيه؟

ولا أجد أمامي إلا الاستمرار. أسبح ببطء نحو قارب الفريق، حيث ينتظرنا المدرب ومساعده. يتجمع فريقنا المُكوَّن مني واثنين آخرين حول القارب، أنا ومراد ومنار. اختارنا المدرب، الذي لا أذكر له اسمًا ولا وجهًا، لنخوض التجربة، أول بطولة للجمهورية للفريق الذي شكَّله حديثًا نادي يخت الجيزة. جمَّعنا من فرق سباحة المسافات القصيرة لعدة أندية. أتذكره واقفًا على حافة حمَّام سباحة نادي الترسانة يتفحصني أنا ومراد ونحن نلتقط أنفاسنا بعد سبرينت خمسين متر حرة، يعاين صفقته الجديدة ويتحدث إلى مدربنا وقتها في نادي الترسانة،  أذكره جيدًا: محمد عبد الجليل، يشبه

المطرب محمد فؤاد وجهًا وجسدًا. تستمع أمي باهتمام إلى كابتن محمد، وهو يخبرها أنها فرصة ممتازة؛ عقد انتقال إلى نادي اليخت، هناك مبلغ مالي معقول كمُقدَّم ومرتب شهري معقول أيضًا، يشكلون فريقًا جديدًا للسباحة الطويلة وينتقون سباحين جيدين لكن لا فرصة لهم في مسابقات المسافات القصيرة. يضحك ويقول لأمي إني”مُسن” بمعايير فرق المسافات القصيرة، بدأت تدريبات السباحة بشكل جاد في سن الثالثة عشرة، وفي السادسة عشرة صرت «مُسنًا».
من أجل أن تُحقق أرقامًا تنافسية في المسافات القصيرة يجب أن تبدأ صغيرًا جدًّا.

من يبدؤون متأخرين هم نواة جيدة لفرق المسافات الطويلة، بدلًا من السرعة الخاطفة يتدربون على الصبر والتحمل بسرعات معقولة. ردد كابتن محمد كلمة «معقولة» كثيرًا. محبطة جدًّا كلمة «معقولة» في سن السادسة عشرة. سن خيالات الأشياء غير المعقولة وتحطيم الأرقام القياسية وترقُّب كونك «رجل المستحيل» في شيء ما. يضيف كابتن محمد، كأنه ينصح أمي بتزويجي قبل فوات الأوان، أن قبولي لعرض نادي اليخت نقلة جيدة؛ الطريق هنا -في نادي الترسانة- مسدود. هو نفسه ربما ينتقل للعمل كمحاسب قريبًا في شركة دولية بعد أن ينهي اختبارات مستوى ما في اللغة الإنجليزية.

محبطة جدًّا كلمة «معقولة» في سن السادسة عشرة

تقول له أمي: «ربنا يوفَّقك يا كابتن محمد في أي مجال». ينتبه لإحباطي فيقول إن فرصتي في السباحة الطويلة ستكون أفضل من مراد الذي سبقني منذ قليل بثانية أو أجزاء منها، ولا يبرر كلامه. يتركه هكذا غامضًا كرأي خبير لا يفصح عن تحليلاته، ربما لأنها غير موجودة.
رغم ذلك تحمست قليلًا لهذا الإطراء. بعد أسابيع ربما، كنا في حفل تكريم كابتن محمد عبد الجليل قبل رحيله وبداية عمله كمحاسب. تسأله إحدى الأمهات، التي يبدو أنها تحمست كثيرًا وكأنها في حفل تكريم حسام حسن –مثال يناسب فترة التسعينات: «ما نصيحتك للشباب؟». 

تتوه عيناه في الأفق لثوانٍ قبل أن يقول: «اللغة. اللغة أهم حاجة». يقصد طبعًا الإنجليزية. كأنه يقول لنا اهربوا من هنا، من هذا النادي، من كل الأندية الفقيرة، ربما من مصر. تفلت من أبي بجواري ضحكة ساخرة. يجلس أبي وبيده المفاتيح ينتظر انتهاء هذا التكريم. حفل التكريم كانت فكرة الأمهات، راعيات رياضة الأبناء. الآباء ينظرون إلى الكابتن محمد ومفاتيح سياراتهم في أيديهم، ليسوا معنا فعليًّا، هم في وضع الاستعداد للانطلاق من هنا.
يردد أبي بصوت خفيض نافد الصبر: «لغة إيه؟! إيه علاقة دا بالسباحة؟!». شردت قليلاً في علاقة اللغة بالسباحة

اقرأ أيضاً

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

بهيجة حافظ على يوتيوب

بهيجة حافظ على يوتيوب

ذئاب تعوي في رأسي

ذئاب تعوي في رأسي

البيرة: ابنة الماء والقمح

البيرة: ابنة الماء والقمح