الخلاعة والقلق في وسائط النهضة

لا أخلاقية التنوير

الخلاعة والقلق في وسائط النهضة

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

هل كانت النهضة مجرد أفكار تنويرية أم وسائط مادية قلبت منظومة الأخلاق؟ كيف صنعت الأسطوانة والسينما والإذاعة قلقًا أخلاقيًّا؟ ولماذا تحولت الخلاعة من ممارسة هامشية لقضية عامة تهدد قيم الطبقة الوسطى؟

اتسمت حركة النهضة بنشاط ترجمة واستيراد لمنتجات أوروبا الثقافية والتكنولوچية، ويغلب على حقل دراسات النهضة التركيز على مضمون وأفكار تلك المنتجات والمؤسسات المستوردة. وتتناول هذه الدراسة مادية الوسائط التي نقلت تلك الأفكار وتحاول رصد التأثير الأخلاقي المنظور على نسق القيم اللصيق بتلك الوسائط المستوردة. وتنقل بؤرة تركيز المقاربة العلمية بحيث يكون الوسيط نفسه هو محور البحث، مع التركيز على إنتاج التسلية و"اللهو" من خلال وسائط مختلفة أسهمت أيضًا في الإنتاج الفني

والمعرفي للنهضة. تقر كذلك بدور مؤسسات تلك الوسائط في صنع النهضة، ولا تقتصر على دراسة الأفكار التي حملتها تلك المؤسسات ووسائطها المادية، لذلك ينصب التركيز على المرحلة المتأخرة من عصر النهضة العربية في مطلع القرن العشرين ويُعنى تحديدًا بالتسلية، لا بالإنتاج الثقافي التي صدر عن مثقفين "جادين".
سوف أعيد استخدام عبارة مارشال ماكلوهان الشهيرة، وأصوغ فرضيتي الأساسية كما يلي: لن أزعم أن "الوسيط هو رسالة (النهضة)". بل أفترض أن النهضة هي الوسيط،

النهضة ليست مجرد نسق من الأفكار، بل تركيبة من أفكار وممارسات وقيم ممتزجة بالوسائط الحديثة التي ظهرت إلى حيز الوجود في نهاية القرن ١٩

بمعنى أن النهضة ليست مجرد نسق من الأفكار، بل تركيبة من الأفكار والممارسات والقيم ممتزجة بالتحديد بالوسائط الحديثة التي ظهرت إلى حيز الوجود في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وأطروحتي أن الوسائط في حد ذاتها حوامل للجديد الذي أقلق وقلقل نظام القيم الذي كان قد استقر قبل مرحلة النهضة العربية وجهود التحديث التي رافقتها.
يفسر هذا الطرح غلبة القلق الذي لاحظه كل من قسطنطين زريق من ناحية وچاك بيرك من ناحية أخرى، فالذي يدمغ استجابة المجتمعات

العربية للتحديث أو للاستعمار. كلا المؤلفين -الأول من معسكر القومية الثقافية العربية، والثاني من موقع المثقفين الغربيين المهتمين بالمجتمعات الناشئة من منطلق ما بعد استعماري- قد رصد بفراسة ووضوح رؤية ذلك القلق الذي ران على المجتمعات العربية. يستخدم زريق لفظة "القلق" بالعربية ليسمي تلك الحالة، بينما يستخدم بيرك مرادفا فرنسيًّا للكلمة Qalaq ,angoisse ,anguish يفصل زريق فكرته على سبيل المثال في الفصل الثالث المعنون "القلق المميت والقلق المحي" من كتابه "ما العمل؟

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

رصد چاك بيرك في كتابه المخاوف التي هاجمت المجتمعات الشرقية من التحديث كفعل استعماري

حديث إلى الأجيال العربية الطالعة" (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٩٨). ويستشهد به چاك بيرك في كتابه: مصر الإمبريالية والثورة (باريس، دار جاليمار، ١٩٦٧ ص ٤٠٦).
يعزو كلا المنظرين ذلك القلق إلى رد فعل عاطفي تجاه الاستعمار، وإلى الشعور بقلة الحيلة تجاه التفوق العارم للقوات الاستعمارية ماديًّا وتكنولوچيًّا. أطرح أن ذلك القلق -لا سيما على الصعيد الأخلاقي- متجذر في شعور أعم بالاغتراب في عالم تسارعت فيه وتيرة التحديث بإيقاع أوقع بالغ الاضطراب بمنظومات القيم والممارسات التقليدية

مثيرًا القلق العميق، حتى قبل وقوع المجتمعات العربية تحت الحكم الاستعماري المباشر.
تحمس الداعمون لعملية التحديث التي ميزت النهضة لإدخال الخدمات البرقية (التلغراف) والسكك الحديدية إلى البلاد لآثارها المفيدة على التجارة وفاعلية الحكومة والتماسك الاجتماعي على الصعيد القومي. لكن المحافظين والليبراليين على حد سواء شعروا بقلق بالغ عندما دخلت الأسطوانة الفينيل والصور المتحركة أو السينما والإذاعة أو الراديو إلى البلاد في العقود الأولى من القرن العشرين.

كانت الأسطوانات والإذاعة محل تقدير المحافظين لأنها سمحت بالاستنساخ الآلي والانتشار العريض لتلاوة القرآن، وكذلك فعلت بالنسبة لإتاحة الخطب الرسمية لكبار رجالات الدولة. لكن إمكانية نشر الأسطوانات ومحطات الإذاعة الخاصة لأغنيات تحض على الفسق والخطابات حول الحب والانجذاب العاطفي كانت مثار هلع بالنسبة للعديد من مثقفي النهضة ومن المواطنين العاديين. تمامًا كما كانت دور العرض السينمائي موضع قلق ذكوري شائع على عفاف المرأة وفضيلتها لأنها فضاءات تتيح للجنسين فرصة التلاقي

تشير عبارة "وسائط النهضة" إلى مؤسسات مثل مؤسسة الإذاعة وصناعة السينما، وساحات مثل محطات الإذاعة وقاعات العرض السينمائي..

في الظلام، وهو القلق الذي عبرت عنه ببلاغة أغنية سيد درويش "حرَّج علي بابا ما أروحش السينما". كذلك سمحت الأسطوانات للشبان والشابات بالاستماع إلى أغنيات جريئة بل وبذيئة، لم تكن متاحة قبل ظهور وسيط الأسطوانة إلا في الملاهي والكباريهات، مثل أغنيات "للكبار فقط" للمطرب سيد شطا صاحب الأغنية الشهيرة من العشرينيات "ساعة الحظ ما تتعوضش"، أو أغنيات منيرة المهدية مثل "خمريتها" التي تنشد فيها "ارخي الستارة اللي في ريحنا"، أو حتى بعض أغنيات أم كلثوم المبكرة التي اتسمت بقدر من المجون

مثل "الخلاعة والدلاعة مذهبي" (١٩٢٦).

تحولات الوسائط الأخلاقية وصعود نجم الخلاعة
وسائط النهضة تعني هنا أشياء بعينها، مثل أسطوانات الشمع ثم الفينيل وأجهزة الراديو والأفلام. كذلك تشير عبارة "وسائط النهضة" إلى مؤسسات وصناعات، مثل مؤسسة الإذاعة وصناعة السينما، وأيضًا تشير إلى ساحات لاستهلاك منتجات تلك الصناعات والمؤسسات، مثل محطات الإذاعة وقاعات العرض السينمائي.

ليست الوسائط رهن التكنولوچيا والسوق وحدهما، إذ تتحول إلى سلع أو حوامل لسلع (في خدمة صناعة الترفيه أو سوق الأخبار، على سبيل المثال)، بل هي أيضًا مركبات من المنتجين والمنتجات في آن، تتجسد ماديًّا من خلال وسائل إنتاجها ذاتها وبفضل الطبيعة السلعية لتلك المركبات وطابعها المادي الملموس. ليست الوسائط محض حوامل شفافة تحتوي مضامين بعينها، بل هي الحامل والمادة والمحتوى في آن.
وتعريف الجانب الاجتماعي والأخلاقي للحداثة ليس بالأمر الهين. ربما كانت أفضل مقاربة لذلك التعريف

كانت الخلاعة ممارسة مكانها فضاءات على درجة عالية من الرمزية مثل الحانات والمواخير. أي ممارسة مقصورة على مستهلكين ذكور بالأساس

هو التجديد واستيراد القيم والممارسات الغربية المعاصرة. بناءً على ذلك، فاللا أخلاقية هنا لا تعني منظومة مطلقة وشاملة من الممارسات والقيم، بل مجرد ممارسات وطقوس اجتماعية ينظر إليها المجتمع على أنها وليدة التغييرات التي أدخلها التحديث المادي.
وثمة مثال بالغ الدلالة والشمول على تأثير التحديث على الأخلاقيات، يرتبط بالتحديث في أوروبا في القرن التاسع عشر، وهو أثر التغيرات الاجتماعية الناجمة عن الثورة الصناعية على انغماس الأفراد كأفراد وقطاعات كبيرة من المجتمع في الانشغال بالجنس

والكحول، وكان كلاهما وسيلتين لجأ إليهما مئات الألوف من الأفراد للتعاطي مع القلق الناجم عن خلخلة بنى المجتمع بسبب التصنيع والتمدين. والخلاعة من أفضل المفاهيم التي تصلح كمدخل لمناقشة التغيير الاجتماعي بمعنى إعادة صياغة أنساق القيم بسبب التغييرات المادية التي أدخلتها الحداثة على المجتمع. مفهوم الخلاعة مركب من أفكار الانحلال الأخلاقي والتحررية الأخلاقية والفحش. تعني الخلاعة حرفيًّا فكرة التخلع والتفكك الأخلاقي. كانت الخلاعة ممارسة مكانها فضاءات على درجة عالية من الرمزية

مثل الحانات والمواخير. أي أنها ممارسة مقصورة على مستهلكين ذكور بالأساس، بينما النساء المعنيات كن في العادة منتجات الترفيه من العاملات بالغناء والرقص، وأحيانًا من العاملات بالجنس. الخلاعة ممارسة قاصرة على تلك الفضاءات حيث تتفق المواضعات الاجتماعية على تعليق الشفرات الاجتماعية الحاكمة "للأخلاق الحميدة". حتى القرن التاسع عشر كان حصر "الممارسات اللاأخلاقية" في فضاءات بعينها مسألة مقبولة اجتماعيًّا وأخلاقيًّا بشرط اقتصارها على فضاءات مغلقة أو محصورة، على سبيل المثال

كانت منيرة المهدية نجمة الموسيقى والمسرح الغنائي بلا منازع في مطلع القرن العشرين، وحمل الكباريه الذي تملكه اسمًا شاعريًّا "نزهة النفوس"!

في أحياء بعينها أو شوارع وحارات معينة داخل المدينة. والواقع أن التحديث الذي بدأ بنشاط يبلغ حد العدوانية تحت حكم نابليون ثم في عهد محمد علي هو ما صاحبته خطوات متتالية لتحجيم الخلاعة العلنية في مصر في القرن التاسع عشر.

أخلاقيات الجماليات
عند نقطة التلاقي بين الحداثة المسببة للقلق، والأخلاقيات، والإنتاج الثقافي يتبلور ما يمكن أن نسميه "أخلاقيات الجماليات" أو -وربما كان ذلك أفضل- "جماليات الأخلاق". كانت منيرة المهدية

نجمة الموسيقى والمسرح الغنائي بلا منازع في مطلع القرن العشرين بمصر. وحمل الكباريه الذي تملكه اسمًا مغرقًا في الشاعرية: "نزهة النفوس"، وكان كعبة عشاق الموسيقى والطرب في قلب حي الترفيه والتسلية في الأزبكية. ودائمًا ما مثلت عروضها الموسيقية على المسرح حدثًا فنيًّا وجماهيريًّا بالغ الأهمية.
كتبت رتيبة الحفني دراسة تاريخية فارقة عن منجز منيرة المهدية الفني وسمتها "السلطانة"، لكنها حرصت كذلك على التأكيد على "البحة الطبيعية" في صوت منيرة المهدية التي ميزت أداءها المتراوح بين القوة الفائقة

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

مع أنها سمتها "السلطانة" فإن كتاب رتيبة الحفني لم يصنف منيرة مطربة رصينة، بل وضعها في فئة "العوالم"

والعذوبة الحانية. وأضافت أن لصوت المهدية طابع العوالم. المضمر في تقييم رتيبة الحفني أن جماليات فن منيرة المهدية هو تعبير عن ذوق الطبقات الشعبية، وأن قدر التعبير الجنسي الصريح من خلال حركتها وصوتها ولغة جسدها يضعها في مصاف العوالم.
تسعى رتيبة إلى التأكيد على تلازم الجانب الجنسي المغوي مع الذائقة الشعبية، وهو ما يفسر استخدامها للمقارنة مع فن العوالم وتأكيدها على بحة صوتها التي تستدعي خيالات جنسية وشعبية معًا. وتقديري أن الطاقة الجنسية المغوية والمرتبطة ببحة

صوت منيرة المهدية كانت عاملاً من عوامل جذب الجماهير إلى مسرحها وجعلت بعض أسطواناتها مثل "ارخي الستارة" فائقة النجاح ورائجة من حيث أرقام المبيعات.
لم يكن الجسد البشري كوسيط وكمجمع للصوت والأداء الدرامي والتمثيل المسرحي في تفاعله مع وسيط الأسطوانة الفينيل ومع وسيط اللغة تخلق تركيبا مقلقًا للطبقة الوسطى المتكونة حديثًا والمتنامية بقوة متسارعة في مصر. لم يكن فن منيرة المهدية يمثل تهديدًا أخلاقيًّا بسبب المفردات اللغوية ومضمون أغاني التسلية الجماهيرية

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

ساعد انتشار أسطوانات الفينيل على شهرة منيرة المهدية فجابت الأقطار وتوسع حمهورها. غلاف مجلة الصباح
- أرشيف مدينة الرقمي

التي تقدمها. كان فن المهدية مهدِدًا لأن جسد المؤدية الأنثوي كان "يتضاعف" بفعل الأسطوانة الفينيل.
لكن الألفاظ سرعان ما صارت قضية مهمة من المنظور الأخلاقي. فقد تضمن أغنيات الخلاعة إشارات إلى مواضيع مثل تعاطي الخمر والمخدرات وممارسة الجنس خارج الزواج.
تتابع إنتاج الخلاعة في أسطوانات حتى العقود الأولى من القرن العشرين. كانت منيرة المهدية وغيرها من الفنانين المتحررين مؤدين ناجحين تجاريًّا في مجال الأسطوانات المسجلة. لكن سوق الأسطوانات قد اتسع بعد نهاية

الحرب العالمية الأولى ووصل إلى شرائح أوسع من الطبقة الوسطى الصاعدة في ذلك الوقت. بعد الحرب العالمية الأولى تزايدت أعداد المنضمين إلى صفوف الطبقة الوسطى المتكونة حديثًا، بسبب الهجرات من المراكز الإقليمية إلى المدن وإنشاء المصانع والشركات الكبرى ابتداءً من الثلاثينيات. كما أن توسع الحكومة وسياساتها التي أدت إلى تعيين المئات بالوظائف الحكومية، قد ضاعف من أعضاء المنتمين إلى الطبقة الوسطى. كانت هذه السوق أكثر محافظة من سوق الطبقة الوسطى الأصغر حجمًا في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى،

وهذه السوق الأكبر هي التي اقتضت تقليص مساحة الخلاعة على أسطوانات الفينيل. بحلول الثلاثينيات وإنشاء الإذاعة الملكية المصرية، كانت الموسيقى تصل عبر الوسيط الجديد إلى الآلاف من الأسر داخل البيوت، مما اقتضى "تنقية" الموسيقى أخلاقيًّا لتلائم الجماهير الغفيرة من المستمعين الجدد من أبناء الطبقة الوسطى. أصبحت الجماليات الأخلاقية للوسيط ضرورة تدفعها التغيرات التكنولوجية وتركيبة الأمزجة الأخلاقية المختلفة داخل السوق.
بمناسبة الوسائط الحديثة، من الجدير بالذكر أن الصحافة كانت الوسيط

كثيرًا ما ظهرت أم كلثوم في صور جنبًا إلى جنب مع الكتاب والصحفيين. ونشأ حولها خطاب مصوغ بعناية يباعد بينها وبين الخلاعة

الذي لعب دورًا حاسمًا في إنتاج أم كلثوم بوصفها الفنانة نقيضة الخلاعة. كان لصداقتها القوية مع صحفيين مؤثرين مثل مصطفى أمين ومحمد التابعي دور كبير في تأسيس صورتها في الذاكرة الجمعية كصديقة للمثقفين المحترمين، وبفضل تلك الصداقة كتبت مئات الصفحات في عشرات الصحف والمجلات عن موهبتها وثقافتها وعن ذائقتها الفنية السليمة التي لا تشوبها شائبة أخلاقية، ثم انتقل هذا المديح إلى الكتب التي تؤرخ أو تنظر للثقافة الدارجة الحديثة واسعة الانتشار
في مصر.

وبينما صارت الصحافة تقدم أم كلثوم بوصفها نجمة محترمة، بدأت تبتعد تدريجيًّا عن تقديم منيرة المهدية بوصفها امرأة مغوية يذكر اسمها في الفضائح، أو بوصفها نجمة الغناء الكبرى، وانتقلت إلى التركيز على منيرة بوصفها تمثل مرحلة من مراحل تطور الفن الغنائي القومي، تلعب دور السلف التي تخلفه أم كلثوم.
لم تكن صناعة أم كلثوم بوصفها مغنية راقية ومثقفة و"نظيفة" جزءًا من إستراتيچية تسويقية تهدف إلى صناعة نجمة فحسب، بل إلى جعلها منتجًا محترمًا قابلاً للتسويق يناسب

على امتداد مسيرتها أحاطت أم كلثوم نفسها بكتاب ومثقفين، في الصورة هي مع الأخوين علي ومصطفى أمين وكامل الشناوي، محمد عبد الوهاب. - أرشيف مدينة الرقمي

على امتداد مسيرتها أحاطت أم كلثوم نفسها بكتاب ومثقفين، في الصورة هي مع الأخوين علي ومصطفى أمين وكامل الشناوي، محمد عبد الوهاب. - أرشيف مدينة الرقمي

المثل العليا للطبقة الوسطى التي تشكلت في فترة ما بين الحربين العالميتين، لا سيما من حيث مبيعات الأسطوانات والحضور على موجات الإذاعة. لعبت الصحافة دورًا بارزًا في تلك العملية من خلال كتابات صحفيين مشهورين من دائرة أصدقاء أم كلثوم، ومن خلال التصوير الفوتوغرافي في الصحف، إذ كثيرًا ما ظهرت أم كلثوم في صور جنبًا إلى جنب مع الكتاب والصحفيين. ونشأ حولها خطاب مصوغ بعناية يباعد بينها وبين الخلاعة، ويؤكد على عناصر تحظى بإعجاب جمهور يسعى إلى الحداثة بحماس معتدل

تحكمه قيم أخلاقية محافظة. كتب الشاعر أحمد رامي (وفقًا لما أوردته رتيبة الحفني في كتابها عن منيرة المهدية، ص 164) عن لغة أم كلثوم وإلقائها ومخارج ألفاظها، وعن ابتعادها الشديد عن العامية والسوقية، كما أشار إلى التدريب الذي تلقته في الأداء الصوتي الديني من إنشاد وترتيل القرآن مؤكدًا أنها تمثل المغنية المثلى، لأنها قارئة قرآن وابنة قارئ قرآن.
في مقال لي بصحيفة القاهرة منذ بضع سنوات كتبت عن أم كلثوم بوصفها أيقونة للحداثة أو النهضة في بدايات حياتها العملية في العشرينيات

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

شاركت الصحف والمجلات في صنع صورة أم كلثوم كمطربة "نظيفة" ساذجة في مقابل صورة منيرة الجريئة. مجلة مصر الحديثة، ٢٧ أغسطس ١٩٣٠- أرشيف مدينة الرقمي

والثلاثينيات، قبل أن تتحول تدريجيًّا، ثم تتحول تحولاً حاسمًا منذ الخمسينيات، إلى ربة للغناء وتجلٍ للموسيقى العربية الكلاسيكية. في بداياتها الفنية، كانت أم كلثوم تجسيدًا مصريًّا لنموذج المرأة التي كانت تعرف في الغرب باسم "المرأة الجديدة" في العشرينيات المائجة، وكثيرًا ما ظهرت في الصور الفوتوغرافية وقد ارتدت ثياب الرجال، ثم في صور تحمل نظرات أو إضاءات دخانية تماثل طلة الممثلة الألمانية مارلين ديتريش في الثلاثينيات.
أم كلثوم المنسية هذه غنت بعض الأغنيات الخفيفة -وأحيانًا الماجنة-

في عشرينيات القرن الماضي.
ففي عام ١٩٢٧ سجلت أم كلثوم أسطوانة بعنوان "قال إيه؟ حلف ما يكلمنيش!".
والمثال الأشهر هو بالطبع أغنية "الخلاعة والدلاعة مذهبي"، المثير أن مفهوم الخلاعة يتصدر بلفظه عنوان الأغنية! لا يوجد شيء خليع في اللحن ولا في الأداء الصوتي في أغنية "الخلاعة والدلاعة" وهما يشبهان المئات من الأغنيات الخفيفة المماثلة في تلك الفترة. لكن الكلمات -واللازمة تحديدًا- هي ما يتسم بجرأة نسبية. فالأغنية محض نشيد لاهٍ موجه إلى المحبوب مثل المئات

من الأغنيات التي تصف وسامة المحبوب وتأثير نظراته السحري على المغنية الناطقة بالقول. لا تؤدى اللازمة بطريقة صادمة أخلاقية ولا مبالغة في الشحن بإيحاءات جنسية، لكنه مع ذلك جريء لأن الكلمات ترفع الخلاعة والمجون إلى أعلى مراتب المُثُل لدى الفرد الساعي لتحقيق حريته الأخلاقية، إذ يتحولان إلى عقيدة ومذهب.
في زمن معاصر لأغنية أم كلثوم "الخلاعة والدلاعة"، غنت منيرة المهدية أغنية أكثر صراحة في فحشها وخلاعتها، وهي "ارخي الستارة". ولنقف على مدى البراءة النسبية لأغنية أم كلثوم

رغم انطلاق عملية تأسيس صورة أم كلثوم كمؤدية للموسيقى النظيفة، قامت النجمة الشابة آنذاك "بتطهير" إنتاجها نفسه من الأسطوانات

يكفي أن نقارن بينها وبين أغنية منيرة المهدية شبه المعاصرة لها. بعد أن كانت المهدية ملكة المشهد الموسيقي المصري بلا منازع عند نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، بدأت سلطانة الطرب تشعر بأن البساط يسحب من تحت قدميها لصالح منافستها الشابة أم كلثوم.
في "ارخي الستارة" تغني السلطانة أغنية مشحونة بالإيحاءات عن تعاطي الكحول والكوكايين ثم ممارسة الجنس. فتقول الذات الناطقة بلسانها:
بزيادة أحسن راسي تلف
مش فاكر يوم ما قعدنا نسف

وشربت سكرت بقيت لام ألف
وقفلنا الباب واتفلطحنا
طبيعة الكلمات المكشوفة صادمة فهي تحمل أقل قدر من التورية وأكبر قدر من التلميحات. وفي أربعة أسطر قصيرة تشير الأغنية بصراحة إلى ممارسة الجنس وتعاطي الخمر والكوكايين.
تؤكد تسجيلات الأغنية المتاحة لنا -بصوت منيرة نفسها- ملامح أداء العوالم في صوت وإلقاء المهدية، ويجعلها غنجها الماجن أقرب لأسلوب الكباريه منها لجماليات عروض المنوعات. راجت الأغنية في الكباريهات واستمرت لسنوات طويلة مطلوبة على أسطوانات الفينيل.

 هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،

لسنوات ظلت أغنية "ارخي الستارة اللي في ريحنا" رائجة، ثم توارت مع التقاليد الجديدة للوسائط.
- أرشيف مدينة الرقمي

لكن بحلول الأربعينيات من القرن العشرين، أزعم أن الأغنية لم يبق لها ذكر بين جمهور مستمعي الطبقة الوسطى إلا بعنوانها فقط، لأن تقاليد الحشمة التي كانت قد بدأت في الاستقرار لم تعد تستسيغ تشغيلها على الفينيل ولا إذاعتها في الراديو، التي كانت تتطلب استخدام منتجات "نظيفة" وملائمة للاستخدام العائلي.
ليس الغرض من هذه المناقشة أن أسجل تعليقًا على النزعة المتحررة أخلاقيًّا بين الاتجاهات الليبرالية في عصر النهضة المتأخرة. بل تهدف إلى إبراز فاعلية الوسيط الجديد الذي صاحب

انتشار ذلك النوع من موسيقى الخلاعة، وهو أسطوانة الفينيل. ورغم انطلاق عملية تأسيس صورة أم كلثوم كمؤدية للموسيقى النظيفة، أو ربما بسبب تلك العملية فقد قامت النجمة الشابة آنذاك "بتطهير" إنتاجها نفسه من الأسطوانات. دفع وعي أم كلثوم بسطوة الأسطوانة وبديمومتها إلى ما نقرأ عنه من محاولتها جمع وإتلاف مجمل النسخ الفينيل من أسطوانتها الشهيرة "الخلاعة والدلاعة مذهبي" بعد صدور الأسطوانة بفترة وجيزة. والحقيقة أن العثور في يومنا هذا على نسخة أصلية من تلك الأغنية يقترب

من المستحيل، واليوم نجد الأغنية متاحة بفضل أداء منصة يوتيوب لوظيفته الأرشيفية. فقد نجا عدد محدود جدًّا من الأسطوانات الأصلية من عملية الإتلاف الممنهجة التي طلبتها أم كلثوم وأشرفت عليها، ولحسن الحظ عرفت واحدة من تلك الأسطوانات طريقها إلى يوتيوب.

خاتمة
بناءً على المناقشة السابقة، من الوجيه أن نزعم أن الفاعلية الأخلاقية أو اللاأخلاقية للفينيل والتسجيلات وصناعة الأسطوانات توازي السجالات

منذ مطلع القرن العشرين روجت الأغاني والأفلام لدخول الرجال والنساء في علاقات عاطفية أو جسدية خارج مؤسسة الزواج بإشراف الأسرة..

المثيلة بخصوص السينما وأخلاقيتها من عدمها. كما أسهمت وسائط النهضة الحديثة في نشر الممارسات الليبرالية المتشبهة بالغرب، التي أسست لأشكال جديدة من العلاقات بين الرجال والنساء: فمنذ مطلع القرن العشرين شرعت الأغاني والأفلام في الدعاية النشطة لصالح دخول الرجال والنساء في علاقات عاطفية أو جسدية خارج مؤسسة الزواج تحت إشراف الأسرة، ما شكل تغييرًا جذريًّا في أشكال العلاقات بين الجنسين آنذاك. أسهمت وسائط عصر النهضة أيضًا في خلق استقبال جديد للعلاقة بين الفضاءات العامة

لم تحسب منيرة المهدية حسابًا للحظة فوران حولت الذوق من الخلاعة "للنظافة". أرشيف مدينة الرقمي

لم تحسب منيرة المهدية حسابًا للحظة فوران حولت الذوق من الخلاعة "للنظافة". أرشيف مدينة الرقمي

والخاصة من حيث الممارسات المرتبطة باللذة وفي تمثلات تلك الممارسات داخل المنتجات الثقافية والترفيهية من تسلية وأغنيات، بخاصة من خلال النزعات الماجنة المتحررة أخلاقيًّا التي غزت الفضاء الخاص بواسطة الأسطوانات وأجهزة الراديو، ثم استطاعت الوصول إلى الطبقة البورجوازية المعتبرة أو طبقة أبناء الذوات في فضاءات التسلية العامة الخاصة بها، مثل قاعات المسرح الراقية أو دور العرض السينمائي، بينما كان التمتع بالتسلية الماجنة والخليعة -قبل انتشار الوسائط الحديثة- يتطلب أن ينتقل الفرد جغرافيًّا في المدينة

وأن يخطط وينفذ قرارًا بالذهاب إلى حي من أحياء المسارح أو شوارع "الملذات" و"الرذيلة" داخل المدينة.
لم تكتف وسائط النهضة بنقل وتمثيل تلك المظاهر من التغيير الاجتماعي والثقافي، بل كانت هي ذاتها ذلك التغيير الثقافي. الوسائط كانت النهضة.

اقرأ أيضاً

''تنظيف'' الشعبي

''تنظيف'' الشعبي

التفاؤل والتشاؤم بعد سقوط الإخوان

التفاؤل والتشاؤم بعد سقوط الإخوان

توازنات الشاه الأخير

توازنات الشاه الأخير

حسابات الشاهنشاهية المرتبكة

حسابات الشاهنشاهية المرتبكة

لماذا شجرة الفستق؟

لماذا شجرة الفستق؟

مدينة لا تتسكع فيها النساء

مدينة لا تتسكع فيها النساء