هل كانت النهضة مجرد أفكار تنويرية أم وسائط مادية قلبت منظومة الأخلاق؟ كيف صنعت الأسطوانة والسينما والإذاعة قلقًا أخلاقيًّا؟ ولماذا تحولت الخلاعة من ممارسة هامشية لقضية عامة تهدد قيم الطبقة الوسطى؟
اتسمت حركة النهضة بنشاط ترجمة واستيراد لمنتجات أوروبا الثقافية والتكنولوچية، ويغلب على حقل دراسات النهضة التركيز على مضمون وأفكار تلك المنتجات والمؤسسات المستوردة. وتتناول هذه الدراسة مادية الوسائط التي نقلت تلك الأفكار وتحاول رصد التأثير الأخلاقي المنظور على نسق القيم اللصيق بتلك الوسائط المستوردة. وتنقل بؤرة تركيز المقاربة العلمية بحيث يكون الوسيط نفسه هو محور البحث، مع التركيز على إنتاج التسلية و"اللهو" من خلال وسائط مختلفة أسهمت أيضًا في الإنتاج الفني
والمعرفي للنهضة. تقر كذلك بدور مؤسسات تلك الوسائط في صنع النهضة، ولا تقتصر على دراسة الأفكار التي حملتها تلك المؤسسات ووسائطها المادية، لذلك ينصب التركيز على المرحلة المتأخرة من عصر النهضة العربية في مطلع القرن العشرين ويُعنى تحديدًا بالتسلية، لا بالإنتاج الثقافي التي صدر عن مثقفين "جادين".
سوف أعيد استخدام عبارة مارشال ماكلوهان الشهيرة، وأصوغ فرضيتي الأساسية كما يلي: لن أزعم أن "الوسيط هو رسالة (النهضة)". بل أفترض أن النهضة هي الوسيط،
بمعنى أن النهضة ليست مجرد نسق من الأفكار، بل تركيبة من الأفكار والممارسات والقيم ممتزجة بالتحديد بالوسائط الحديثة التي ظهرت إلى حيز الوجود في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وأطروحتي أن الوسائط في حد ذاتها حوامل للجديد الذي أقلق وقلقل نظام القيم الذي كان قد استقر قبل مرحلة النهضة العربية وجهود التحديث التي رافقتها.
يفسر هذا الطرح غلبة القلق الذي لاحظه كل من قسطنطين زريق من ناحية وچاك بيرك من ناحية أخرى، فالذي يدمغ استجابة المجتمعات
العربية للتحديث أو للاستعمار. كلا المؤلفين -الأول من معسكر القومية الثقافية العربية، والثاني من موقع المثقفين الغربيين المهتمين بالمجتمعات الناشئة من منطلق ما بعد استعماري- قد رصد بفراسة ووضوح رؤية ذلك القلق الذي ران على المجتمعات العربية. يستخدم زريق لفظة "القلق" بالعربية ليسمي تلك الحالة، بينما يستخدم بيرك مرادفا فرنسيًّا للكلمة Qalaq ,angoisse ,anguish يفصل زريق فكرته على سبيل المثال في الفصل الثالث المعنون "القلق المميت والقلق المحي" من كتابه "ما العمل؟
رصد چاك بيرك في كتابه المخاوف التي هاجمت المجتمعات الشرقية من التحديث كفعل استعماري
حديث إلى الأجيال العربية الطالعة" (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٩٨). ويستشهد به چاك بيرك في كتابه: مصر الإمبريالية والثورة (باريس، دار جاليمار، ١٩٦٧ ص ٤٠٦).
يعزو كلا المنظرين ذلك القلق إلى رد فعل عاطفي تجاه الاستعمار، وإلى الشعور بقلة الحيلة تجاه التفوق العارم للقوات الاستعمارية ماديًّا وتكنولوچيًّا. أطرح أن ذلك القلق -لا سيما على الصعيد الأخلاقي- متجذر في شعور أعم بالاغتراب في عالم تسارعت فيه وتيرة التحديث بإيقاع أوقع بالغ الاضطراب بمنظومات القيم والممارسات التقليدية
مثيرًا القلق العميق، حتى قبل وقوع المجتمعات العربية تحت الحكم الاستعماري المباشر.
تحمس الداعمون لعملية التحديث التي ميزت النهضة لإدخال الخدمات البرقية (التلغراف) والسكك الحديدية إلى البلاد لآثارها المفيدة على التجارة وفاعلية الحكومة والتماسك الاجتماعي على الصعيد القومي. لكن المحافظين والليبراليين على حد سواء شعروا بقلق بالغ عندما دخلت الأسطوانة الفينيل والصور المتحركة أو السينما والإذاعة أو الراديو إلى البلاد في العقود الأولى من القرن العشرين.