كانت بنت النيل تحمل بصمة صاحبتها ورئيسة تحريرها، الأكاديمية ذات التجارب الكثيرة، الزعيمة التي انفردت باللقب!
نسائية.. مصورة.. ملونة
في نوفمبر ١٩٤٥، أصدرت درية شفيق مجلة "بنت النيل" النسائية المصورة الملونة وربع شهرية باللغة العربية عن اتحاد بنت النيل..
كان توقيع درية الشهير يزين غلاف كل عدد من أعداد المجلة التي استمرت حتى تحديد إقامتها في بيتها وإيقاف مطبوعاتها الثلاث ١٩٥٧.
قبلها كانت درية ترأس تحرير مجلة "المرأة الجديدة" التي مولتها الأميرة شويكار؛ الزوجة الأولى للملك فؤاد، وكانت تصدر بالفرنسية. بعد وفاة شويكار آلت المجلة لدرية لتصير مالكتها ورئيسة تحريرها، لتصدر أول
عدد تحت عهدتها في ١٩٤٧. بعدها؛ في ١٩٤٦ أصدرت للأطفال مجلة “الكتكوت”، التي استمرت لعامين.
لم يكن اختراعًا وقتها أن تظهر مجلة نسائية؛ إذ سبقتها عشرات التجارب، ولكنها كانت تجارب محدودة الأثر، وأقل جرأة وعصرية بكل تأكيد. حملت بنت النيل بصمة صاحبتها ورئيسة تحريرها، الأكاديمية ذات التجارب الكثيرة، الزعيمة التي انفردت باللقب.
كانت درية شفيق تكتب افتتاحية بنت النيل، ودائمًا كانت الافتتاحية موضوعًا جادًا، سياسيًّا أو اجتماعيًّا. في إحدى افتتاحياتها أكدت درية على مسألة يبدو أنها تشغلها كثيرًا؛ وهي دور
النساء في نشر السلام وتجنيب العالم ويلات الحروب؛ الفكرة التي أشارت إليها في كتابها "رحلتي حول العالم"؛ وهي أن ما ينبغي على العالم فعله أن يحارب ضد فكرة الحرب!
حوت بنت النيل قسمًا للأخبار السياسية بعنوان "بنت النيل السياسية" للتأكيد على ضرورة أن تلم المرأة بما يحدث حولها، وأن تشارك في صنعه وتحصد نتائجه. يليه صفحة للأخبار السريعة، ملحق بها شريط معنون بـ"السياسية الأنيقة" وفيه رسوم لأزياء تلائم السياسية الأنيقة كما هو واضح! حوت بنت النيل أقسام نسائية تقليدية؛ فقدمت تجارب النساء الفارقات بمصر
والعالم، وقدمت صفحات عن "المرأة في الحياة الاجتماعية"، وصفحة للمعلومات التاريخية، وصفحات للفن تحت عنوان "ليل القاهرة"، وصفحات للثقافة الدينية تحت عنوان "س و ج"، وأخرى لأخبار الجامعة، وصفحات للموضة والإتيكيت والزينة والطعام ورعاية الأطفال، وصفحات لحل المشكلات، و"حظك هذا الشهر". أما الكاريكاتير فقد كان له أكثر من موضع في بنت النيل. بالإضافة إلى الإعلانات طبعًا.. يبدو أن بنت النيل كانت تجتذب الكثير من المعلنين. وكان سعرها خمسة قروش.. تزايدت أنشطة درية التي كانت تستهدف خدمة المرأة وتوعيتها
غلاف أحد أعداد مجلة بنت النيل، يونيو ١٩٥١
بشكل مباشر؛ كإنشاء مدرسة لمحو أمية النساء في بولاق أبي العلا، وقتها كانت النساء، بناءً على توجيهات وزير المعارف طه حسين تتلقين دروسهن بعد الظهر في المدرسة الابتدائية في الحي. وأسس اتحاد بنت النيل، كافيتريا لتقديم الوجبات الساخنة بأسعار معقولة للنساء العاملات.
كما أنشأت مكتبًا لتشغيل طلبة الجامعات الذين يحتاجون عملاً كي يكملوا دراساتهم. وأقامت محاضرات ثقافية عامة، وكل هذه الأنشطة قلدها وتسلل إليها الإخوان المسلمون لاحقًا، وأفسدوا الكثير منها. كانت بنت النيل صوتًا قويًّا لكل هذه الأنشطة، وما
يشبهها، ما جعل درية، أو بنت النيل، اسمًا معروفًا، وإن كانت معرفة محدودة، عند بسطاء وفقراء اعتادت الحكومات أن تتجاهلهم.
بنت النيل: التأسيس والتكريس
على عكس "المرأة الجديدة"، صدرت "بنت النيل" دون رعاية من أصحاب النفوذ؛ وتذكر درية صراحة إن الفكرة كانت "أن تنفصل عن تأثير شويكار.. ستصدر المجلة الجديدة باسمي وتحت مسؤوليتي الكاملة، وستكون لها خطة واضحة، وقيمة في السوق".. كانت في هذه المرحلة تحتاج حيزًا متسعًا من الحرية يمكنها من إبراز كل مهاراتها. فحصلت على قرض من أحد البنوك