نشأ ساورا بين سرديتين إحداهما فاشية. وتبعه هذان العالمان في وجدانه. وظف بعض محتوياته في أفلامه خلال عقود. في تنوعات سردية صوب جماليات سينمائية خالصة
ولد كارلوس ساورا في مدينة أويسكا بإقليم أراجون الإسباني عام 1932، لأب محام وأم عازفة بيانو. انتقل للعيش في برشلونة ثم بالنسيا، وبعدهما مدريد في عام 1953. وكانت تلك التنقلات استجابة لوظيفة والده الحكومية وتكليفاتها الملزمة. انفصل عن أهله بعد انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية، ورجع ليستقر فترة مع جدته لأمه وخالاته في أويسكا. فترة وصف أصحابها بـ”اليمينية المحافظة والتديُّن”.
فأويسكا، التي تقع في منطقة أراجون، تميل في هواها إلى القوميين. أما مناطق كتالونيا وبالنسيا ومدريد، فيغلبهم الحماس إلى الجمهوريين.
أكثر من وجه لكارلوس ساورا..
هكذا نشأ بين سرديتين إحداهما فاشية. وتبعه هذان العالمان في وجدانه. وظف بعض محتوياته في أفلامه لاحقًا. امتدت أعماله خلال عقود. تشكلت، وأعيد تشكيلها، بين تنوعات سردية وتجرد صوب جماليات سينمائية خالصة. بعد أن أنهى دراسة الهندسة المدنية بدأ بتحقيق أفلام تسجيلية قصيرة. لحقها بفيلمين يغلب عليهما طابع الواقعية الجديدة. ليبدأ بعدها أولى خطواته نحو أسلوب متفرد، يتجاوز ما يعترضه من رقابة، ويعكس همه الفني والشخصي والمجتمعي. أسلوب يمتزج فيه الزمن والمكان، الحقيقة والخيال، الماضي والحاضر.
سنوات فرانكو
في سنوات الحكم الفاشي، لجأ ساورا إلى الرمزية. كانت موضوعاته قريبة مما عاشه وتأمل تراكماته. نرى في أفلام تلك الحقبة انعكاس لصور القهر والأبوية فيما هو يومي، أو ما قد يبدو نشاطًا اجتماعيًّا بسيطًا وتقليديًّا. لم يتجاهل الثقافة الذكورية وعلاقتها التي تبدو شرطية مع تسيّد اليمين المتطرف. لكن تظل فنيته غالبة، ويلجأ سريعا إلى أسلوب يتجاوز الواقعية. “تتصرف ذكورها في الصهد مثل الرجال عندما يفتقدون النساء”! في إشارة إلى ذلك المخلوق في المقولة السابقة، يبدأ “الصيد” باقتراب الصورة من حيوانيّ نمس في قفص.
ندرك قرب نهاية الفيلم علاقة ذلك المنتمي إلى القوارض برحلتنا. فهو يستخدم في مطاردة الأرانب في جحورها. تهرب من مخالبه فتخرج إلى الخلاء لتنتظرها فوهات بنادق الصيادين. الخلاء مكاننا الذي تدور فيه الأحداث. تجتمع مجموعة من الأصدقاء التاريخيين للصيد في موقع يحوم به شبح الحرب وأصداؤها. تحاول الصحبة ترك أزمات منتصف العمر وهواجس الدونية خلفها، لكن الأزمات والهواجس تشتد مع شمس الصيف وحصار المكان. يتصاعد الضغط من نقطة الصفر، وتمتد حافة الهاوية حتى نهايته. بعد الوصول وإعداد المجلس، يبدأ صيد الأرانب وينتهي بنجاح. الكل راض والوجبة تعد.
يعتمد كارلوس ساورا في خلقه لأجواء الترقب على عدة عوامل. أولها وحدة المكان، موقع الصيد. ثانيها الزمن المتصل للأحداث. يدور الفيلم من الصباح إلى الظهيرة. ثالثها الشخصيات المحدودة.
هم ثلاث أصدقاء وأخ لزوجة أحدهم، ورجل وطفلة من أهل المكان لخدمتهم. ورابعها اللغة السينمائية. تمتد لحظات من الصمت يخيم عليها صوت حشرات المكان، يشغلها مونولوج داخلي للشخصيات. نسمع ما يدور برأس بعضهم وسط لقطات متحركة بإيقاع خطواتهم لاتخاذ مواقع استعدادًا للصيد، ولمراقبة بعضهم بعضًا في غفواتهم بأعين تعكسها لقطات قريبة
تتأمل تفاصيل السلوك الحركي لكل منهم. وبناء بلقطات تبادلية بين الصياد والفريسة، يحفز بها المخرج حينًا ويختمها بنتيجة تفاقم الحالة العامة حينًا آخر. “أنا على يقين بأنك لا تحضر القداس في أثناء وجودك في مدريد”! يخطو ساورا تجاه الذاتية في فيلمه “أنجيليكا ابنة الخالة”. يستحضر طفولته في بيت جدته. يرجع لويس، الشخصية الرئيسية، إلى منزل طفولته لينقل رفات أمه من مدريد. في أثناء زيارته لإنهاء تلك المهمة ومراسمها، يسترجع ذكرياته وما خلدت بنفسه من أثر نراه في علاقته بشخصيات عائلته في الحاضر. يطور من المجاز الذي بدأه في “الصيد” ويبحث في جذوره.
يتقرّب من العائلة والثقافة. البيت الذي تركه والديه به طفلاً يواجه تخويف من بالغين المتدينين يهتفون داعمين قوات الفاشيين كلما تقدمت في سحق الثوار الجمهوريين. يعرض وقع ماضي بلد ممزق على شخصيات الحاضر. وخصوصًا لويس وابنة خالته أنجيليكا، حبيبته المحرمة وصديقة طفولته. يتلاعب ساورا بالمشاهد في سرده البصري. يستخدم الممثل ذاته في مشاهد الماضي حين يقوم البالغ بأداء مشاهد الطفل. ينطبق الأمر على أسرة أنجيليكا. تلعب دور أنجيليكا نفس الممثلة التي تقوم بدور أمها، خالته، في الماضي، كذلك ابنتها. تمثل ذات الصبية دور ابنة أنجيليكا وأنجيليكا الطفلة.