في إطار سعيك للبحث عن مفاتيح المدينة؛ هل سيكون من المفيد البحث في علامات المترو، ودلالاتها… ماذا قد تخبرك علامات المترو؟
قراءة العلامات
في إطار سعيك للبحث عن مفاتيح المدينة؛ هل سيكون من المفيد البحث في علامات المترو، ودلالاتها…
ماذا قد تخبرك علامات المترو؟ هل ستكشف شيئًا لا يختبئ إلا فيها وحدها؟ بدت محاولة قراءة علامات مترو القاهرة ميسورة، لكن بعض المفارقات والمشابهات عطلت، أو للدقة أجَّلت قليلاً، البدء بالبحث عن العلامات؛ الظاهرة منها والخفية، في خطوط “المترو” الثلاثة؛ وبالأخص عند النقاط الثلاث التي يتقاطع فيها خطان ليتشكل هذا المثلث كثيف الدلالة: التحرير، والعتبة، ورمسيس، الذي
يٌصطلح على تسمية ما يضمه، ويتماس معه مباشرة: قلب القاهرة، أو وسط البلد.
في رمسيس كان التأجيل يبدو إجباريًّا، ليس، فقط، لأن الميدان نُزع منه علامته المميزة (التمثال)، ولا لأن “باب الحديد” فقد معناه، ولا لأن عنوان ما تحت الأرض ربما يكون العلامة الفارقة الوحيدة الصارخة على الانتصار (المعنوي/ الرمزي) على الاستبداد، بل لأن الهبوط، أو النزول، إلى عالم العلامات هذا كان يستوجب ترتيب الرحلة، والبقاء قليلاً فوق السطح، برفقة أوراق وأدوات مساعدة، لنزع العبء “التاريخي” عن الحواس.
من رمسيس، إذن، تبدأ محاولة تحرير الحواس من العبء التاريخي ومساءلته. وهي عودة إجبارية تدفع تجاهها عدة مفارقات ومشابهات تاريخية، منها ما هو اقتصادي وسياسي وثقافي واجتماعي في النهاية. والرابط بين المترو والسكك الحديد مفهوم، فالأول تفريع متأخر، وإن كان هائلاً، من الثاني، وكلاهما يندرج ضمن إطار “النقل بالسكك الحديد“، ويعرف بأنه “إحدى وسائل النقل تشمل النقل بقطار السكك الحديد ومترو الأنفاق والمترو الخفيف والترامواي“.
سكة حديد مصر (س. ح. م)؛ تغيَّر مسماها مرات عدة، تبعًا لتغيير النظم
السياسية، وربما كان لبعضنا ذكريات بصرية من مرحلة: س. ح. ج. م. ع، التي ظلت محفورة في كل مكان من هذا الجسم الهائل.
ما أزال أذكر قطعة الزجاج السميكة بالحروف الخمسة تلك وهي تتنقل معنا بين الجيزة ودمنهور والفيوم، لتغطي مائدة صغيرة تتوسط الصالون المتواضع.
الحروف الخمسة علامة تبدو مبهمة الآن، لكنها فارقة للغاية في تاريخنا المعاصر، فبين عام 1958 وحتى 1971 كان المصريون يطالعونها في انتقالهم بالقطار داخل مصر، وبقيت لسنوات محفورة في ملايين الأماكن في هذا
الجسد؛ ذكرى للجمهورية العربية المتحدة وسكك حديدها، ربما بوقع أخف من ذلك الذي يرافق مطالعة ملايين الوثائق الرسمية الشخصية التي تنطبع الكلمات الثلاث عليها.
“سكك حديد مصر تاريخ عريق وإنجازات متلاحقة“؛ عنوان مقال على الصفحة الرسمية على الشبكة الدولية للمعلومات لإحدى الهيئات الحكومية المسؤولة عن توجيه الرأي العام، وتشكيل صورة الدولة في الإعلام الدولي. وفيه نقرأ “تعتبر مصر ثاني دولة في العالم بعد إنجلترا التي أدخلت السكك الحديدية إلى أرضها، وتعد خطوط السكك الحديدية المصرية أول خطوط
يتم إنشاؤها في أفريقيا والشرق الأوسط“. وهم “ثانٍ” ذاك، وهم “تاريخي” كبير، وغير صحيح بالطبع؛ فبين البلدين، إنجلترا ومصر عشرون بلدًا على الأقل في سجل السبق..
لكن السابقة صحيحة فيما يتعلق بالبلدان العربية والأفريقية والشرقية؛ مفهوم الشرق الأوسط مفهوم سياسي وجيوسياسي حديث، وعلى أفضل تقدير يرجع للسنوات الأولى من القرن العشرين، ودلالة “الشرقية” هذه ستتبين لاحقًا.
في كل الأحوال تحتل سكك حديد مصر موقعًا متقدمًا للغاية في سجل البدايات، بينما تأخرت في السجل نفسه فيما
يتعلق بالمترو تأخرًا “مبهرًا“، وهذه أولى المفارقات التي عطلت “الهبوط” مباشرًا والشروع في البحث، كما أن وضع سجل البدايات إزاء يوميات الواقع فيما يتعلق بالسكك الحديدية سيبدو صادمًا ومحفزًا لمئات الأسئلة.
المقارنة بين “باب الحديد” ومحطة المترو في رمسيس، وبين المحطتين المثيلتين في الجيزة توضح لنا معنى تأخر مد السكك الحديدية إلى الصعيد، والبقاء طويلاً أسرى خدمة التجارة العالمية بالأساس، مصر من ذلك المنظور كانت مجرد فضاء جغرافى تشكله إرادة القوى.
كان باب الحديد التعبير الشعبي عن