يتحرك الجسد في مدينة لا تعترف به، فهل نمارسه أم نعرضه؟ متى صارت صالات الچيم وعدًا بالخلاص، والجمال أداة للقبول؟ وهل نحت الجسد مقاومة للقاهرة أم خضوع لصورتها؟
لن تسمع أغنية "دساية" من مغنيين الراب الصاعدين إلا وحملت في كلماتها التباهي بحمل أكبر وزن من الأثقال، يتوازى هذا مع الصور والڤيديوهات القصيرة للمشاهير داخل الچيم وهم يتدربون ثم ينشرونها عبر الإنترنت.
لماذا أصبح التباهي بشكل الجسد بهذه الأهمية، ولماذا أصبح الچيم دلالة على التميز والرقي، ولماذا تحول من مكان نخبوي محدد لفئة معينة تهتم به إلى مكان يسعى إليه الجميع؟ قد تبدو الإجابة سهلة ومنطقية وهي "للحفاظ على اللياقة البدنية"، إذ ربط بعض الفلاسفة بين النشاط البدني وبين تكوين
المواطن الصالح اللائق بدنيًّا وعقليًّا واجتماعيًّا، وقد تكون الإجابة بشكل أبسط؛ أن الناس يذهبون للچيم لنحت القوام وجعله جميلاً، وهذه الجملة الأخيرة جديرة بالوقوف عندها، لأنها تشمل شقين فلسفيين، الأول فكرة إعادة تشكيل الجسد، والثاني حول فكرة الجمال نفسها.
لكن لماذا لا يمارس الناس الرياضة في هدوء وصمت؟!
بدأ الچيم بهدفه الحالي وهو تشكيل أجساد قوية ورياضية مع الحضارة الإغريقية، في إطار المواطنة، لأنها جعلت جمال الجسد شرطًا للمواطنة،
وكان المجرمون الذين يستطيعون بناء جسدهم ونحته يتم العفو عنهم وإدماجهم كمواطنين، لأن المواطن الإغريقي تعبير ورمز عن شكل الدولة السليم المعافى والقوي.
آمنت الحضارة الإغريقية بالإنسان وقدسته، واعتبرت الجسد مرادفًا ليس للجمال فقط، بل للكرامة والشرف والقدرة على الخلق والتطور، على عكس حضارات أخرى لم تولِ أهمية كبيرة للجسد، بل وهمشته فأدى هذا التهميش مع الوقت لفصل حاد بين فكرة الجسد والروح أو الجسد والعقل. ومع إسباغ الفكرة الدينية على الجسد
مع انتشار الديانة المسيحية بدأ ينظر للجسد على أنه شيء مدنس وحقير. وقد تتلاقى أفكار تهميش الجسد وإضعافه مع فكرة سياسية بالأساس وهي خلق كائنات ضعيفة فيزيقيًّا لسهولة إخضاعهم والسيطرة عليهم. لأن تهميش الإنسان لجسده وعدم وعيه به قد يعني عدم تجربة الحياة وعدم التأمل فيها وعدم إدراك المعرفة سوى المعرفة المستوردة من الآخر أو الملقنة أو المسيسة.
وقد التقط نيتشة فكرة الحضارة الإغريقية عن الجسد وأيدها، فرأى أن أي معرفة إنما تصدر من الإحساس
وتقوم عليه، وإن أي فهم للحياة مصدره مادي أساسًا، نابع من الوظائف الفسيولوچية التي يقوم بها الإنسان كالأكل والتناسل. وكان يرى أن احتقار المسيحية للجسد نكبة كبرى حلت بتاريخ الإنسانية.
الصورة المقبولة للجسد في القاهرة
لكن القاهرة مدينة مختلفة، إنها مدينة بيروقراطية في العمق، تؤمن الهيراركية كقانون مستقر، فالكيانات التنظيمية أو الهيراركية لا تهتم ببشكل الجسد، لا توليه أهمية الكبرى، إنها تحيده ولا تطلب منه أكثر من قدرته على العمل وفاعليته الاجتماعية. إن الجسد
قد يكون شيئًا هامشيًّا أو بل قد يهمش قصدًا، كنوع من سهولة سيطرة الجماعة على الفرد. وسيطرة الكيان الهيراركي على مكوناته. لكن على الإنترنت الموضوع مختلف قليلاً حاليًا، ونحن نقترب من موضوع تشكيل الجسد في القاهرة، قد لا يمكننا تجاهل التطور الهائل في وسائل الميديا والاتصال الاجتماعي ونحن نتكلم عن أي ظاهرة الآن، فتأثيرها شمل كل شيء تقريبًا، وقد جعلت التركيز على الصورة والشكل أكبر كثيرًا مما كان عليه سابقًا، فالفرد لم يعد يخص نفسه وعائلته وجماعته الصغيرة فقط، بل أصبح فردًا عامًا، بمعنى أن شكله
وصورته أصبحا موضوعًا خاضعًا للمناقشة وإبداء الرأي من دائرة أكبر تتشابك مع دوائر أخرى من خلال الإنترنت.
سابقًا كانت هناك الجماعات المؤطرة والخارجون على الجماعات، العائلات والمتمردون على العائلة، الأحزاب السياسية والمواطنون العاديون والخونة، الشلل الثقافية والمنبوذون، كانت الجماعة مقابل اللامنتميين والغرباء، الآن تتحول الصورة عكسيًّا بفعل الإنترنت، وتصبح الفردية طموحًا، يسعى الجميع لإبرازه، أصبح تفكيك الجماعات والثوابت فعلاً ثوريًّا يدل على