ماذا حدث عندما ظهرت بهيجة حافظ على منصة يوتيوب، هل كشف خفايا استبعاد النساء من تاريخ صناعة الأفلام؟ هل ستصبح المنصة الرقمية أرشيفًا نسويًّا للسينما المصرية؟ وكيف سيتحدى الرواية الرسمية للتاريخ؟
في عام ٢٠٠٤ باعت الممثلة والمنتجة السينمائية والمذيعة التليفزيونية ورئيسة "الشركة العربية للإنتاج والتوزيع السينمائي" إسعاد يونس نيجاتيف ٨٥٠ فيلمًا مصريًّا وحقوقها، إلى الأمير ورجل الأعمال السعودي الوليد بن طلال. اشترت إسعاد الأفلام من مجموعة مصادر: هواة جمع الأفلام من القطاعين الخاص والعام، وشركات إنتاج أعلنت إفلاسها. أثار البيع غضبًا بين صنَّاع الأفلام المصريين وغيرهم ممن اتهموا إسعاد ببيع التراث الثقافي المصري. لكن حصولها على هذه المواد وبيعها سلط الضوء على الجهود الرسمية لحفظ وأرشفة الأفلام في مصر.
وكما ذكرت المؤرخة المهتمة بالإعلام المصري لوسي ريزوڤا Lucie Ryzova، فإن "المؤسسات الرسمية للأرشيف المصري معروفة بصعوبة التعامل معها". والمعهد القومي للسينما في مصر ليس استثناءً، فالأفلام المحفوظة فيه غالبًا ما تُصنَّف وتفهرس وتُخزَّن بطريقة خاطئة، بالإضافة إلى ما يُفقد، وما لا يرقمن، وما يخزن بإهمال وبأساليب تُعرضه للتلف. في انعكاس لديناميات بدأت ما يعرف الآن باسم "بيع تراث السينما المصرية"، سجل مستخدمو يوتيوب المهتمين بالسينما المصرية مواد منقولة من الأقمار الصناعية وحمَّلوها على قنواتهم الشخصية.
وتشير العلامات المائية على بعض الڤيديوهات إلى منصات سابقة بُثت عليها الأفلام عبر الأقمار الصناعية، كما تتضمن بعض القنوات ڤيديوهات نقلت من مصادر مثل الأقراص الرقمية المدمجة DVD وشرائط الفيديو VHS. بمجهودهم في نسخ هذه الأفلام وحفظها وتحميلها وتنظيمها، أنشأ مستخدمو يوتيوب أرشيفًا فريدًا للأفلام يمكن المختصين المصريين، وأي شخص آخر، من الوصول إليها بوسائل البحث العادية.
منذ إنشاء يوتيوب -في ٢٠٠٥- استفدت أنا وغيري من المهتمين بالسينما المصرية بشكل كبير من جهود مستخدمي
يوتيوب، مثل قناة "إيچي سينماتيك" EgyCinematic، التي يحمِّل أصحابها الأفلام من مجموعاتهم الشخصية على الموقع. مثلاً؛ في مقال حديث عن تاريخ الأفلام في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، استخدمت مقطعًا نشره مستخدم يوتيوب "إيچي سينماتيك" لفيلم المخرجة المصرية الرائدة بهيجة حافظ، للسؤال عن كيفية قراءة سينما المنطقة بعدسة نسوية تتجاوز -وتعقد في الوقت نفسه- الأطر القومية التي عادةً ما تقيد كتابة تاريخ السينما خارج المركزية الأوروبية-الأمريكية. ورغم اعتماد باحثين مثلي على يوتيوب لإجراء أبحاث حول السينما العربية، فلا يحصِّل
يوتيوب سوى القليل من الاعتبار النظري لدوره كمصدر من مصادر الأبحاث.
في دراستهما للسينما المصرية، انخرط الباحثان والتر أرمبرست Walter Armbrust وچويل چوردون Joel Gordon في حوارات تناقش تأثير صعوبات العثور على أشرطة الڤيديو في التسعينيات على مسار أبحاثهما. وسواء تعلق الأمر بصعوبات أو يسر الوصول إلى المواد على يوتيوب، يوفر مثل هذا التفكير نظرة ثاقبة نقدية للأرشيفات التي تدعم التاريخ التي نكتبه، والتأمل في الحضور والغياب والزمنيات التي توجه أسئلتنا ومناهجنا واستنتاجاتنا.
في حالة التاريخ النسوي للسينما كالمستند إلى تجربة بهيجة حافظ، فاختيارنا للأرشيف متشابك أيضًا مع توقعاتنا الچندرية الأولية. وقد اختلف باحثون يعملون من خلال سياقات جغرافية وزمنية متنوعة، و/أو أعربوا عن تناقض بشأن تصنيف موقع يوتيوب كأرشيف؛ لأسباب تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وأطر جمع المواد الخاصة بمستخدميه، والزمنية التي تحكم المحتوى الرقمي.
في دراستها للسينما الهندية على موقع يوتيوب، تساعدنا كوهو تانڤير Kuhu Tanvir على تجاوز هذه المناقشات؛ إذ وصفت المواد المتاحة على يوتيوب
(والإنترنت عمومًا) بأنها بالفعل أرشيف "بسبب مواقعها التي لا تعد ولا تحصى والأشكال المتنوعة من البيانات السينمائية التي تحتويها". قد يكون المعروض مجموعات فردية على مستوى ما، لكنها تشكل جزءًا من مجموعة جذمورية [ما يبحث في أصل الشيء وأوله. المترجمة] متشابكة على مستوى آخر.
عمومًا يعمل موقع يوتيوب بهذه الطريقة، لكن التنظيرات حول كيفية ظهوره كأرشيف للسينما المصرية بالغة الأهمية، وتتطلب أدوات ومناهج محددة لمراعاة مجموعة فريدة من الاهتمامات، بما في ذلك الكم الهائل من