سمير كان مشغولاً بتجهيز مفاجآته على المسرح والشاشات، ولم يهتم بحجز موقع في سلطة معنوية تمنحه زعامة، أو توفر له ضمانًا لديمومة بطولة وأجور خيالية!
1
هي المفاجأة الوحيدة التي لم يجهزها سمير غانم عاشق المفاجآت، الماهر في صنعها، كما لو كان يدافع عنها حتى الرمق الأخير، وهذه قدرة تتطلب الخفة والخيال المشتعل، اللعوب، الهارب لا المقيم، الحر لا المنتمي إلى حكاية مضافة إلى ملل الحياة. لم يجهز سمير غانم نفسه ليكون أيقونة يتداولها جمهور مستنزف على وسائل التواصل الإلكترونية، التي تحولت إلى ساحات حروب، حول كل شيء وشخص وفكرة، بعد أن كان المجتمع يخفي صراعاته تحت قشرة “الانسجام”. من بين شظايا هذه الحروب كانت مفاجأة تحول
سمير غانم أقوى الخوارج عن النص، مدمر التوقعات الجاهزة، المنفلت من القيود والخطط، إلى بطل قصة هادئة، تثير العواطف المشتركة والعمومية عن نجم استطاع أن يبني عائلة ناجحة ومحبة بلا ضغائن ولا صراعات على الوجود، ولا ابتذال في حصد الشهرة، قصة تجعلهم يقولون: إنهم يشبهوننا، عائلة مثلنا؛ سمير أب لا يزعج البنات بأبوته، ودلال مثل ابنة خالتنا في حربها من أجل التئام العائلة، ودنيا وإيمي مشبعات من الأضواء منذ الصغر، لا أحد في هذه العائلة يتكلم باسم سلطة، أو مركز، أو ملكية مكان أو مكانة.
وهي صورة جعلت سمير وعائلته
حكاية يتفق عليها أطراف الحروب اليومية، وتحاول السلطة بتكريمها التقرب من الجمهور، وفي الوقت نفسه تسكت الهستيريا قليلاً، الهستيريا التي تجتاح الجميع، وبالفعل صمتَ من سميتهم كورال هستيريا الخائفين خشوعًا من طغيان قصة عائلة سمير وفصولها.. المرض يخطف الأب.. انتظار موت الأم، ثم موتها بالفعل، وقبل ذلك الإصابة بالوباء في أثناء العمل، ميلودراما العائلة العادية.
2
حافظ سمير غانم على مسافة قريبة من الجمهور. بقايا علاقة قديمة كان النجم يعيش فيها وسط جمهوره. كان يمكن
كان يمكن لشخص عادي أن يحكي لأصدقاء أو زملاء بأنه رأى عادل إمام أو فاتن حمامة أو حتى أم كلثوم وهو في زيارة لأقاربه. تلك العلاقة القديمة تقريبًا اختفت بعدما سارع النجوم إلى المعازل المحمية على أطراف القاهرة. اختبأ النجم في الـ community، الأقرب إلى جيتو مغلق وبعيد. مع الهاربين إلى سفن نوح في منتجعات سكنية، تحيط بها أسوار وشركات أمن خاصة، وحتى لو كان سمير وعائلته تبعوا نفس المسار، فإن شيئًا ما فيهم كان يشير إلى انتمائهم إلى العالم المندثر للنجوم القريبة. ربما لأن سمير كان مشغولاً بتجهيز مفاجآته على المسرح والشاشات، ولم يهتم بحجز
موقع في سلطة معنوية تمنحه زعامة، أو توفر له ضمانًا لديمومة البطولة والأجور الخيالية، لم يكن من النوع الذي تخفت نجوميته مع تقدم السن أو تسيطر عليه ضغينة صراع الأجيال في النجومية، بل ارتضى بأدوار في خلفية أعمال ابنتيه، واكتفى في ظهوره التليفزيوني بحكايات لا تدعي الحكمة، بل تفجر الضحك؛ هدفه الوحيد والأسمى من وجوده حيًّا.
3
“سمير كان يرقص بين الخرائب” قلت الجملة دون أن أفكر فيها؛ الصورة ظهرت في خيالي فجأة في أثناء العصف الذهني حول ما نكتبه عن سمير، كنت أردد داخلي: سمير، كما عرفنا اسمه
لفترات طويلة قبل أن يكمله باسم العائلة: غانم. هذا التعريف بالاسم المفرد كان بداية ألفة من نوع يشبه ألفة الأصدقاء الذين تميزهم علاقة خاصة وعميقة دون سبب، لا تبعًا لروابط إجبارية مثل عائلة أو مدرسة أو وظيفة مشتركة. سمير ابن لحظة انفصال في المجتمع، لم يعد فيها الفرد ابن بيئته الأولى، يدور في دوائرها ويتحدد مصيره بها. سمير أكبر أبناء عائلة كونها ضابط الشرطة يوسف غانم، القادم من الصعيد والمتجول بين المدن مرة كمسؤول عن قسم قبائل العربان ليصلح ما بين القبائل ذات الطبيعة البدوية، ثم مأمور وحكمدار في الفيوم.
ولد سمير في واحدة من محطات الضابط المتجول تحديدًا في مدينة بني سويف، في بيت نموذجي من بيوت الطبقة الوسطى برعاية أم هادئة حنون، ابنة عائلة أصولها من شبرا؛ هاجرت إلى السودان. عائلات الطبقة الوسطى عاشت مرحلة النمو في آخر سنوات الملكية، حين كان التلميذ سمير يوسف غانم يذهب إلى المدرسة ببدلة الطفولة (جاكيت وبنطلون قصير) وعلى رأسه طربوش الأفندية الشهير، ومراهقته استهلكت كلها في حب عن بعد لجارته الجريجية (اليونانية) فائقة الجمال الساكنة في الدور الأعلى، وينتظر منها نظرة أو ابتسامة.