عشت في أيام العزل والإجازة الإجبارية مشاعر كنت ظننت أنني نسيتها، لسنوات طويلة قاومت إحساس إبن القرية الذي عاش في نطاق ضيق يعرفه الجميع ويعرف الجميع!
ملازمًا لغرفتي الصغيرة جسدي، مستسلمًا تمامًا على سرير من الملل، أغطي جسدي من القدم إلى الرأس بغطاء من اللامبالاة، بعد ساعات طويلة من الحرب مع الأرق والتفكير فيما الذي يمكن أن يحدث في الأيام القادمة، عقلي محشو بصراعات الغربة والموت والمستقبل، بينما يظل بصيص الأمل الذي ما يزال يدفعني للمقاومة؛ بريق عيني ابنتي.
قبل أشهر من الآن كنت قد غيرت نظام حياتي، ومع أول أيامي في مسقط وعدت نفسي بأن أحاول الاستفادة من الوقت، أستيقظ مبكرًا مع أنها عادة قديمة، في سنواتي الأول بالقاهرة ارتبط مفهوم
الفشل بالاستيقاظ متأخرًا حتى لو نمت في السادسة صباحًا..
وارتبط البقاء في المنزل لدي بالبطالة، 12 عامًا لم أجلس في بيتي لأكثر من يومين حتى لو نزلت لزيارة الطريق فقط؛ بحثًا عن عمل، أو أي محاولة لأثبت لنفسي أنني أحاول، لم أيأس، لم أخرج من قريتي الصغيرة لأعود أحمل خيبتي فأعاير بها إلى ذلك اليوم الذي أموت فيه، إنه إرث حملته على ظهري مهما سخرت اليوم منه.
12عامًا طاردتني فيها ملاسنات كثيرة – المنطقة الصناعية عايزه عمال – شوف لك شغلة – صحافة إيه كان غيرك أشطر – لكنني وفي كل مرة كنت أنتصر قبل
الخروج الأخير، كانت الدنيا قد سلبتني أبي وأمي، ومنحتني بفعل قسوتها المبالغ فيها قوة وجلدًا على تحمل ما لا يمكن لغيري تحمله..
في اللحظة التي أسقط فيها أنظر إلى ذراعي اليمنى، فأراني أحمل رأس أبي أو أمي قبل وفاتهما، ذراعي اليمنى كانت شريكتي الوفية في تلك اللحظات، أدفن رأسي به تشم أنفي رائحتهم فأستعيد عافيتي، أو لنقل أسترد القدرة على مقاوحة الدنيا، وأقول لن يمر عليَّ أقسى مما مر.
أيامي الأولى في الحجر المنزلي بسبب كورونا بدأت في 16 مارس، عدت من القاهرة بعد زيارة سريعة لأجدن نفسي
في المنزل مضطرًا وإلا عوقبت قانونيًّا، لكنني على الرغم من ذلك عملت من المنزل، لم يتركني الجورنال لحظة واحدة، انتهى الأسبوعان، وعدت للعمل أسبوعين ثم مجبرًا كالجميع حصلنا على إجازة أسبوعين من رصيدنا السنوي بديلاً عن خفض الرواتب في ظل أزمة كورونا، وتقبلتها عن طيب خاطر على الرغم من كل شيء.
عشت في أيام العزل والإجازة الإجبارية مشاعر كنت ظننت أنني نسيتها، فلسنوات طويلة قاومت إحساس ابن القرية الذي عاش في نطاق ضيق يعرفه الجميع ويعرف الجميع، حين ينتقل إلى القاهرة بأضوائها وزحامها القادرة على
جعلك تتلاشى تمامًا، القاهرة التي تذيبك فيها خاصة وأنني كنت وحيدًا تمامًا بكل إرادتي ذبت فيها انصهرت تمامًا لكن الخوف أن أموت وحيدًا لم يتركني.
في الصغر رأيت من يموتون خارج القرية.. الاستعدادات التي تحدث؛ من المساجد التي تفتح للمناداة على اسم المتوفى كانت جملة “الدفنة عند وصول الجثة“ مرعبة، مات وحيدًا بعيدًا عن أهله، ميتة صعبه، على الرغم من أنني لسنوات أيضًا تعمدت السخرية من ذلك الإحساس “أوفر قوي“، لكنني لم أتخلص منه أبدًا، كنت أظنه الأكثر قسوة على الإطلاق، لكن على ما يبدو أنني كنت أمام شعور آخر.
في بلاد أخرى غير بلادي هذه المرة، ليست القاهرة، أنا في مسقط في غرفة 4 في 4 أمتار بلا أصدقاء، زوجتي وابنتي في القاهرة بعيدًا عني، شعور آخر أشد قسوة، في العمارة التي أسكن بها لا يوجد أحد غيري قال الشاب السوداني (يعمل سمسارًا ويدير العمارة)، إن البعض ترك الشقق إلى أخرى أصغر، وأن آخرين كانوا في زيارة لبلادهم قبل أن تغلق المطارات فلم يعودوا.
الآن أنا هنا، أواجه الكثير من مشاعري السلبية ومن مخاوفي، أقاومها دون أن أسقط، وحين يسيطر القلق علي أتشبث بضوء عيني ابنتي داليدا لأبقى، أقول أمامي الكثير ستمر هذه الأيام، الكثير
مر، كنت قويًّا حين تشم رائحة أبيك وأمك، ألا يستحق بريق عيني ابنتك أن تواجه ذلك القلق.
أسخر من نفسي بجملة سينمائية: “بلاش أفورة يا يوسف يا وهبي“!
أكمل مشاهدي التمثيلية على أكمل وجه، أضع قليلاً من الماء في الكاتل، الشاي الذي انتهيت منه للتو لم يكن مقنعًا لنشرب واحدًا آخر.
أمس وقعت عيني مصادفة على الكتب التي أصحبها في ترحالي الدائم.
كانت حزينة تنظر إليَّ بلوم، كأنها تقول أنا مهملة ومنسية، كنت قد نسيتها عن عمد في نوبة الغضب الأخيرة، ضربتها بغل أطحت بأوستر والطيب صالح