هل تختزل تجربة السجن في العزلة، أم تكشف ما نحاول إخفاءه عن أنفسنا؟ كيف يتحول الزمن خلف القضبان إلى اختبار للذاكرة والهوية؟ بعض أسئلة خرجت بها الكاتبة من فترات طويلة انغمست فيها في ملف السجون.
في أحد مشاهد الفيلم الأمريكي sing sing الذي يحكي عن مجموعة سجناء داخل سجن شديد الحراسة يحاولون التحايل على وضعهم بتقديم عروض مسرحية ضمن برنامج "إعادة التأهيل بالفنون"، تجمع السجناء في دائرة يجلس مخرج العرض المسرحي في منتصفها وقد طلب منهم أن يغمضوا أعينهم، ويتخيلوا موقفًا محببًا إليهم. وبالفعل تجاوب السجناء بتخيل مشاهد تبدو في ظاهرها عادية جدًا: أن يعانق أحدهم ابنته، أو يخرج ويأكل الآيس كريم، أو يشاهد أبناءه وهم يكبرون أمام عينيه.
هذه الأمنيات البسيطة تكشف عن حالة يعيشها السجناء المحرومين من أبسط ما يختبره الإنسان عادة دون تفكير؛ أن يحيا حياة عادية. ومع الوقت، تصير الحياة العادية نفسها حلمًا بعيد المنال، يراها السجناء بعين شاعرية كأنها عالم آخر من الصعب الوصول إليه.
على مدار نحو عقد من الزمن، انغمست في ملف السجون، أتابع أخبارها عن كثب، أرصد أعداد الوفيات والإهمال الطبي، وأمد جسور التواصل مع السجناء السابقين وذويهم، أصغي إلى ما وراء الأسوار من تجارب إنسانية، وأتوخى في سرد الانتهاكات رصد وجوه
الواقع المؤلم الذي لا يرى إلا بعين من عاشه أو شهد أثره.
كنت أجري مقابلات معمقة مع السجناء السابقين وذويهم. ثم تتحول هذه الشهادات والملاحظات إلى تقارير حية تصور المعاناة، وتنقل إلى القارئ وجوه الانتهاكات التي عاشها السجناء في الداخل وذووهم في الخارج، لتصبح هذه الوثائق شاهدة على ما يخفيه الصمت خلف الأسوار.
مع الوقت، أخذت أشعر أنني محتجزة معهم بطريقة ما، وجوههم تلاحقني في كل نص أكتبه. ولم يعد الأمر مجرد بحث أو عمل، بل تجربة ممتدة
تعيد تشكيل علاقتي بالعالم وبالحرية. أحيانًا أخرج من المقابلات الشخصية معهم، وأتأمل في مدى هشاشة الحرية التي نظن أننا نملكها. وكلما حاولت أن أبتعد قليلاً عن هذا الملف، أجد نفسي أعود إليه من حيث لا أدري.
في الأيام الماضية كنت أشاهد أغنية "رقص الهوانم" لفرقة "الدور الأول"، وأعجبتني فكرة الڤيديو وبساطته، وبعد أن انتهى الڤيديو اكتشفت أن المخرج هو شادي حبش، السجين السابق الذي توفي داخل السجن في مايو ٢٠٢٠، نتيجة تسمم كحولي دون أن يجد من ينقذه. لحظتها أدركت أن هذا الملف
كل التفاصيل التي تبدو لنا بسيطة ومعتادة يجدهها السجناء معجزة. المشهد من فيلم Sing Sing، ٢٠٢٣
لا يتركني، حتى عندما أظن أنني خرجت منه، يعود ليذكرني بأن السجن ليس موضوعًا أعمل عليه فحسب، بل يرافقني في كل تفاصيل حياتي، في الأغاني التي أسمعها، وفي القصص التي تمر بي بلا قصد.
ظلت تجربتي مع السجناء السياسيين، ومقابلاتي مع السجناء السابقين أو أفراد عائلاتهم، تضعني أمام سؤال متكرر: كيف يمكن أن يجد الإنسان المعنى وهو مقيد الإرادة؟ في لحظات كهذه، يصبح الفاصل بين "الداخل" و"الخارج" هشًّا، كأن التجربة قد تجاوزت جدرانها لتستقر داخلي، أو بمعنى آخر
-داخلنا جميعًا. فإذا كنت، وأنا البعيدة عن السجن، أشعر بهذا القدر من تيه الوجهة وفقدان الصلة بالذات، فكيف حال من يعيش التجربة ذاتها بكل ما تحمله من قهر، وزمن متجمد، وثقل يومي لا يحتمل؟
لكنني اكتشفت من خلال شهادات السجناء السابقين أنفسهم، أنه على الرغم من كل ما يمرون به في الداخل من قهر وتجريد من أبسط مقومات الحياة، فلا يمكن احتلال خيالهم كليًّا. إذ في أضيق المساحات، يظل الخيال آخر ما يتبقى لهم من حرية. يمكن تقييد أجسادهم، ومراقبة حركاتهم،
والتحكم في طعامهم ونومهم، لكن لا أحد يستطيع أن يمنعهم من أن يحلموا، أو أن يتخيلوا أنفسهم في مكان آخر أكثر رحابة وإنصافًا، يحتضنون من يحبون، أو يسيرون في طرقات يعرفونها. والخيال هنا ليس رفاهية، بل فعل مقاومة خفي، يحفظ للسجين ما تبقى من إنسانيته، ويمنحه جزءًا من المعنى المفقود لحياته في الداخل.
في البدء كانت الإهانة
يمارس السجانون الإهانة لتجريد السجين حتى من شعوره بجسده، مثلما ورد في شهادة سجين سياسي سابق في سجن طرة تحقيق "اقلع كرامتك
وأنت داخل الإيراد.. علشان لما تبقى قاعد جوة السجن تبقى خايف إن يحصلك حاجة زي الإيراد أو التأديب، فأنت تقول الحمد لله إن أنا جيت هنا، وتبقى خايف على المكسب الصغير دا".
منذ بداية دخول السجن، تتعمد إدارات السجون كسر إرادة السجين، بداية من التشريفة، وفيها يستقبل السجناء بالضرب والسب والإجبار على خلع الملابس، وقد يصل الأمر إلى إجباره على قضاء حاجته على الملأ.. من هنا تبدأ دائرة الإهانة والأذى التي تستمر مع دخولهم غرفة الإيراد. تتعمد إدارات السجون سلب السجين أي شئ يمكن
أن يربطه بالعالم خارج أسوار السجن، وعليه ألا ينسى -يتم التأكيد باستمرار- أنه مجرد رقم داخل زنزانة موصدة، لا يمتلك أي شئ، وحتى في حال امتلاكه لبعض الأدوات الشخصية، فهو مهدد طوال الوقت بفقدانها أو انتزاعه منه. لذلك دائمًا ما يتساءل السجناء "هل هناك أشياء أخرى تبقت لنا كوصال مادي مع حياتنا السابقة؟".
وضعوا على فمه السلاسل
رابطوا يديه بصخرة الموتى
وقالوا: أنت قاتل!
أخذوا طعامه
والملابس والبيارق
ورموه في زنزانة الموتى
في هذا المكان يفقد السجين قدرته ليس فقط على التحرك بحرية، بل على أن يقول: هذا لي
في السجن يعاد تشكيل علاقة السجين بذاته، فحتى جسده تنازعه إدارة السجن فيه وتحاول فرض سيطرتها الكاملة عليه. لذلك يمكن القول إن ثمة ارتباطًا شرطيًّا بين حرية الامتلاك والشعور بالمهانة التي تسببها تجربة الاحتجاز ذاتها. وبهذا المعنى، لا يقتصر السجن على جدران وأبواب موصدة، وأسوار عالية، بل يمتد إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية: من ملابس وطعام ومتعلقات شخصية، وتدار أجسادهم نفسها كـ"ممتلكات" تخضع للنظام والعقاب والتفتيش والمراقبة. هكذا يصبح السجين تحت نظر إدارة السجن
بالكامل، فيفقد ليس فقط حريته الجسدية، بل إحساسه بالملكية الذاتية، وقدرته على أن يقول: هذا لي.
يصف أحد السجناء السياسيين بسجن الفيوم العمومي هذا الواقع "التفتيش دا بقى أسوأ حاجة ممكن تحصل. لأنه مفاجئ وبيستخدمو مفتاح ماستر عشان يفتح باب العنبر والزنازين الحديد من غير ما يعمل صوت.. وكلهم بيدخلوا الزنزانة مرة واحدة ويبدأو يطلعوا الناس واحد واحد يفتشوهم تفتيش ذاتي وبعدين يشيلوا كل الحاجات اللي عالأرض والهدوم المتعلقة عالحبل ويكوموها في النص ويفتشوها برضو..
وبعدين يفتشوا الأكل، بعد ما يخلصو بيطلعو وكل واحد ياخد حاجته طول الوقت متضايق وأنا حاسس إنهم ممكن ييجو فى أى وقت وياخدوا حاجتى".
لكن على الرغم من الإهانة، وكل ما يتعرض له السجين من محاولات مستمرة لمحو ذاته، يبقى في داخله جزء صغير من الذاكرة والخيال، مساحة لا تصل إليها يد السجان. جزء يحتفظ فيه بما يحب، بمن كان، وبما يريد أن يكون. لا تستطيع إدارة السجن أن تنزعه منه، لأنه ببساطة آخر ما تبقى له من معنى لحياته.
على حافة الأمل واليأس
"استيقظ جريجور سامسا ذات صباح بعد أحلام مزعجة، فوجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة هائلة الحجم. وأخذ يفكر في عمله، وكيف يمكنه أن يركب القطار للحاق بموعده".
هذه الفقرة هي افتتاحية رواية "المسخ/ التحول" للروائي التشيكي فرانز كافكا. تخيل عزيزي القارئ أن تستيقظ من نومك لتجد جسدك تحول إلى جسد حشرة، ومع هول ذلك الموقف كل ما تفكر به هو كيف يمكنك أن تصل إلى عملك! لم يكن جريجور سامسا هو الوحيد الذي "استيقظ ذات صباح بعد أحلام مزعجة،
ليس ضروريًًا أن تكون بطلاً لرواية كابوسية حتى تتحول إلى مسخ
فوجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة هائلة الحجم"، كثير منا اختبر هذا الشعور ويعرف تمامًا معنى أن تكون مسخًا، لكن ما تزال حرارة الذكرى في القلب لتذكرنا دائمًا بأن ما هو إنساني داخلنا لا يمحى بسهولة، لذلك نمضي مجددًا في رحلتنا في البحث عن معنى للحياة، وعادةً ما نحاول التمسك بأي خيط يذكرنا بقيمة الوجود، بأن لنا أثرًا وأهمية. قد يكون هذا الخيط هو العمل، وهذا ما وجدتني أفعله عادة، أغرق نفسي في العمل، وأضع فيه كل ما أملك من طاقة ومشاعر، وأبحث في انهماكي عن عذر لنفسي عن أخطاء لم أرتكبها.
هذا حالنا خارج السجن، فكيف بمن سلبت إرادتهم؟
في الطب النفسي توجد حالة معينة تعرف باسم "وهم الإبراء" Delusion of Reprieve، التي طرحها عالم النفس النمساوي ڤيكتور فرانكل، وفيها ينتاب الشخص المدان قبل تنفيذ حكم الإعدام شعورًا وهميًّا غامضًا بأنه سوف يتم إنقاذه في اللحظة الأخيرة. يتمسك السجين بأمل واه في لحظة عادلة، أو أن تخطئه يد الظلم ويدرج اسمه بين قوائم العفو. وحتى ذلك اليوم يحاول السجين البحث عما يمنح الحياة شكلاً يمكن احتماله، ولو في تفاصيل صغيرة:
شعاع شمس يتسلل إلى الزنزانة، أو حوار ينطوي على قدر من الحميمية، أو روتين بسيط يمنح إحساسًا بالاستمرار. ويستخدم جميع الوسائل لينسى أنه سجين. ربما لا يغير هذا من السجن شيئًا، لكنه يحفظ للروح القدرة على الصمود، ولو بقدر ضئيل، وهو ما يمكن اعتباره أسلحة للمحافظة على الذات.
تسهم بعض الأنشطة البسيطة، كالقراءة أو الدخول في مناقشات مع رفاق الزنزانة، في التخفيف من ثقل الزمن داخل السجن. كذلك يخفف اعتياد السجين على الروتين اليومي، رغم بساطته ورتابته، من وطأة الفراغ الناتج
عن الاحتجاز، إذ يمنحه شعورًا بالاستقرار والاستمرار. إحدى السجينات السابقات في سجني دمنهور وبورسعيد تصف هذا الإحساس "الروتين جوه السجن بيبقى هو الحيلة الوحيدة عشان نحس إن الأيام بتتحرك.. حتى لو كلها شبه بعض".
بحسب مقابلاتي مع سجناء سابقين، رووا لي عن محاولاتهم للتكيف، والخلاص من الوضع القائم أو نسيانه، تراوحت الشهادات بين من قرروا الاقتراب من الله "الواحد بيحاول يقرب من ربنا في الفترة دي، بيحاول يقرا قرآن ويصلي، حتى لو هو في حياته العادية
مش بيعمل كدا". وبين ما رواه البعض الآخر عن تفضيل النوم لتمضية الوقت بأفضل طريقة ممكنة داخل الزنزانة "الوقت بيبقى طويل طبعًا وما بيعديش لأن مفيش حاجة تضيع الوقت.. الواحد بيبقى عايز ينام ما يصحاش من النوم.. كنت بنام عدد ساعات نوم طويلة، يعني النوم في السجن دا رحمة كل ما تعرف تنام نام.. علشان الوقت يضيع".
في ظل هذا الوضع الضاغط، تظهر قدرة البشر الهائلة على التكيف، أحيانًا نظن أننا لا نستطيع العيش دون أشياء بعينها تفاصيل صغيرة تمنحنا وهم الاستقرار؛ كوب القهوة في الصباح، أو صوت
شخص اعتدنا وجوده، لكن مع الوقت نكتشف أن ما كنا نظنه ضروريًّا ليس إلا عادة نتشبث بها خوفًا من الوقوع في الفراغ. ويبدو أن الإنسان لا يعرف مدى قدرته على التكيف إلا حين يجبر على ذلك، وتنزع منه الأشياء التي ظنها جزءًا من كيانه، فيتعلم أن يعيش دونها، حتى وإن ببطء وألم. ومع كل خسارة، يولد شكل جديد من الصبر، ومعه معنى آخر للحياة في الداخل.
وهو ما رواه لنا سجناء سابقون "اتأقلمت طبعًا.. يعني الإنسان بيعرف يتأقلم مع الظروف اللي حواليه.. كنت في ظروف ما تنفعش الحيوانات وعديت
منها الحمد لله، وعرفت أتعايش معها وأتأقلم معها.. كمان بتختلف أنت مع مين، معاكي ناس بتهوِّن عليكي ولا لا، معاكي أي حاجة تربطك بالعالم الخارجي زي الراديو مثلاً أو التليفزيون، السجن دا معمول إن كل واحد له مكان ينام فيه، ولا كله ينام فوق بعضه.. في البيت الواحد بيبقى متعود ينام على السرير بتاعه، في السجن مفيش أي حاجة.. بننام على بطانية معفنة، وريحتها وحشة، مفيش نعمل أكل أو الأكل بيتعمل في مكان غير صالح للحيوانات حتى مش للبني آدمين. بيحاول يأقلم نفسه علشان يعيش في وضع جديد هو
مكانش عايشه قبل كدا، بأقل الإمكانيات الممكنة، مفيش حتى صابون".
الأخبار بالنسبة للسجناء أشبه بنافذة صغيرة تفتح على عالم لم يعودوا جزءًا منه لكنهم يرغبون بشدة في التشبث به. لذا يتعلقون بكل خبر مهما بدا عابرًا، فخبر وفاة قد يوقظ فيهم وجع الغياب والعجز، وخبر زواج يثير فيهم خليطًا من الفرح والحنين والحزن. كأن في الأخبار تذكير بأن الحياة لا تزال تمضي هناك في الخارج، بينما الزمن في الداخل متجمد، لا يتحرك إلا داخلهم. ومع كل خبر جديد، يتأرجحون بين الأمل في
البقاء على صلة بالعالم، والخوف من أن تتسع المسافة بينهم وبينه أكثر فأكثر، والتفكر في كل الأحداث والمناسبات التي لم يعاصروها، فالعزلة التامة عن العالم الخارجي - التي يعيشها كثير من السجناء الممنوعين من الزيارة والتريض لسنوات- تبتلع وعي السجين. وحين يحرم الإنسان من أي صدى للحياة، يبدأ صوته الداخلي في التآكل، كأن الأفكار تحتاج إلى هواء الخارج كي تبقى حية.
لذلك تتصدر الأخبار محاولات السجناء للتكيف -أو التغلب على سجانيهم- فنجدهم يهتمون جدًا بنقل الأخبار داخل السجن. وهو ما يوضحه لنا
سجين سابق "موضوع الأخبار دا في السجن هو الأكل والشرب بتاع الواحد، الواحد بيعيش على الأخبار سواء صح سواء غلط.. أنت فلان زرت النهاردا، مامتك قالت لك إيه في الزيارة.. في السجون المشددة بنطلع ورقة بإن فلان كان في الزيارة وأهله قالوا له كذا.. كل الأوض بتبدل الورق دا فبيكون فيه زي نشرة أخبار جوه السجن كله".
لكن التكيف قد يكون سلاحًا ذا حدين؛ إيجابيًّا حين يعينك على الاحتمال، وسلبيًّا حين يفرغك من المعنى وينسيك أحيانًا الهدف وراء ما تحتمله بالأصل. في العمل على ملف السجون،
وجدتني أتكيف مع التفاصيل أنا الأخرى، صرت مثلاً أتعامل مع أخبار الوفاة داخلها كجزء من الروتين، كأنها مهمة ثابتة في جدول المهام. يوميًّا أتابع الأخبار، أدوِّن الاسم والعمر ومكان الاحتجاز وملابسات الوفاة، ثم أواصل العمل. ومع الوقت، اكتشفت أنني لم أعد أنتبه إلى الوجوه خلف الأسماء، تحول الموت إلى حدث إداري، أتعامل معه بعين المراقب بشكل آلي! كأن التكرار قد دربني على التجاهل، على أن أجعل من فاجعة موت أب/ أخ/ زوج/ ابن أمرًا عاديًّا دون الوقوف طويلاً أمام ميتته معزولاً وحيدًا دون وداع
وبعجز كامل عند السجناء من حوله عن مساعدته أو إنعاشه.
حين توقفت عن العمل لفترة أدركت ذلك، فشعرت بالذنب، كأنني أنا أيضًا أصبحت جزءًا من منظومة القسوة التي أوثقها، فكيف يمكن للمرء أن يحافظ على إنسانيته وهو يكتب يوميًّا عن موت الآخرين متناسيًا لحظات احتضارهم؟ ربما هذا شكل آخر من أشكال الاحتجاز النفسي، غير المرئي، الذي تصنعه الأرقام، أو التحليل الكمي/ الوصفي للانتهاكات.
وتذكرت كلمات زياد الرحباني في أغنيته: هيدي البلاد هي اللي بتغير ما حدا بغيرها
أنا ما عم جرب غير شي وبسحب كل اللي قلته
أنا عم جرب غير البلد! يا عيب الشوم، شو هالحكي؟!
أنا ما عم جرب غير البلد! ولا عم جرب غير شي
أنا عم جرب بس ما خلي هالبلد يغيرني
هيدي وحدها إذا بتظبط معي يعني انتصار.. انتصار لنفسي أولاً
ما بعد الخروج..
"كان نفسي أول ما أخرج أبات في الشارع.. أشوف السما من غير سلك دي أهم حاجة.. أقعد في الشمس.. أول ما خرجت نمت في الشارع حرفيًّا".
لا تمر تجارب السجناء على خط مستقيم، فمثلما تختلف تجاربهم، تختلف الاستجابة لها والتفاعل معها ما بين سجين وآخر. يخرج بعضهم فيحاول أن يلملم شتات نفسه، واستيعاب ما حدث له بالداخل بعد استخدام كل آليات التكيف الممكنة، أو حتى تلك التي لم تكن تخطر له على بال. وقد يلجأ بعضهم إلى الدعم النفسي المتخصص، أو يجمعون حولهم من يحبون من الأهل والأصدقاء، أو يمارسون كل ما حرموا منه بالداخل "مفيش مجال لليأس أو الواحد يقول أنا تعبت، لازم تتعايش. اليوم ما بيكونش
فيه أحداث طول الـ٢٤ ساعة بيبقى كل اللي بيفكر فيه الواحد هياكل إيه النهاردا، هينام الساعة كام، هيقوم الساعة كام، هيقرا إيه مفيش أحداث بتحصل.. تخرجي برة للحياة بقى تلاقي فلان عايز يقابلك وفلان عايز يقابلك، ومامتك مش عارف عايزة إيه. وتسمعي صوت من كل حتة، لدرجة كان عندي مشكلة مش بعرف أجمع الحاجات اللي بتحصل في اليوم.. كنت بمشي بكتب في نوت الحاجات المهمة، لأن عقلي مش قادر يستوعب كمية الحاجات دي. كنت بشوف اللي يبسطني أعمله، أتفسح وأخرج، ولجأت لدعم نفسي في أول فترة".
وهنا يظهر سؤال: هل يحن السجين إلى السجن بعد خروجه، بعد أن اعتاد نمط معيشة محدد وتكيف عليه؟ في فيلم Shawshank Redemption قضى بروكس هاتلن عقودًا طويلة في سجن شوشانك، وعندما أطلق سراحه، لم يتمكن من التكيف مع الحياة خارج السجن فقرر الانتحار شنقًا، تاركًا رسالة وداع كتب فيها "بروكس كان هنا".
بعد الخروج يبدو السجين غريبًا عن العالم خارج أسوار السجن، ويبدأ مرحلة جديدة من اختباره لذاته، ورحلة جديدة من التكيف مع الوضع الجديد، إذ يرى الشوارع أوسع مما كانت عليه
قبل دخوله، والمصطلحات المستخدمة في الكلام، وحتى النكات، يفتقد بشكل أساسي شيئًا خفيًّا لا يتضح للجميع، وهو فكرة "الحس المشترك"، كأنه شيء مقتطع من سياقه. روى لنا سجين سابق "أنا بحب شارع بيتي جدًا، وأول مرة أشوفه بعد ما خرجت حسيت إنه اتغير.. أول ما خرجت كنت بعاني أصلاً إن الطرق كلها اتغيرت، أخدت فترة علشان آخد على الوضع، فيه حاجات بتكون في دماغ الواحد الناس ما بتفهمهاش، زي إن واحد يقول إيفيه من مسلسل جديد، أنا ببقى واقف حمار مش فاهم أي حاجة،
نجح برونكس في الهروب من سجن شوشانك، لكنه لم ينجح في الهروب من تجربة السجن. Shawshank Redemption، ١٩٩٤
أنت بتقول إيه يا عم؟! معلومات جديدة يعني مثلاً الناس تكون بتتكلم عن حاجة حصلت قريب، وأنا اللي هو ببقى واقف بحاول أستوعب اللي هما بيقولوه، علشان أنا معرفش حاجة عن اللي بيقولوه دا، فدي بتكون حاجات صعبة على الواحد أول ما بيخرج.. لما خرحت لقيت فيه مصطلحات جديدة، الواحد بيقعد فترة لحد ما يأقلم عقله علشان يستوعب الوضع الجديد، أنا عرفت أتعامل مع الوقت.. مفيش حل تاني، بس طبعًا دي حاجة بتضايق".
بينما يروي سجين آخر رؤية مختلفة "بعدما خرجت من السجن خدت بالي
قد إيه الموضوع كان متعب نفسيًّا، إنك تقعد ٢٤ ساعة مع حوالي ٢٠ سجين متكدسين في زنزانة، الحركة محدودة ومش عارف تعمل أي حاجة لفترة طويلة بدون خصوصية.. أول ما بتخرج بتبقي مش حابب تتعامل مع الناس أصلاً، المكان المقفول دا بيعود الناس إن دا بيتها خلاص، فبتبقى فيه رهبة من الناس والشوارع والحركة لأنه اتعود على نظام مرتبط بوقت معين وحركة محدودة.. لما خرجت لجأت للنديم للتشخيص والدعم النفسي والعلاجي، لأن كانت في حاجات معينة معرفتش أتخلص منها بعد السجن، زي صوت فتح الأبواب اللي كان بيميز بداية اليوم
فاتعودت عليه كتيمة مكررة في بداية كل يوم، وحتى من كتر ما بشوف حديد في الأبواب والشبابيك والأسوار بحس إن ليه مردود نفسي".
لا يفهم هذا التكيف مع طبيعة الحياة السجنية على أنه حنين للسجن، بل اعتياد نفسي على حدود صارمة ونظام محدد يمنحك شعورًا بالسيطرة ضمن بيئة ضيقة محصورة. هنا يظهر الفرق بين التكيف السلبي والإيجابي: السلبي يظهر في رهبة السجين من الحرية والاختلاط، أما الإيجابي فيظهر في اكتساب مهارات الانضباط والاعتماد على النفس.
السجين إذن لا يحن إلى الزنزانة ذاتها،
بل إلى الروتين الذي اعتاد عليه، إلى النظام الذي فرضه السجن على يومه، وهو شعور يتسلل بصمت إلى حياته بعد الخروج، مستمرًا في أن يكون مؤثرًا نفسيًّا عميقًا. أو كما قال محمود درويش في ديوان "في حضرة الغياب": "الحنين ندبة في القلب، وبصمة بلد على جسد. لكن لا أحد يحن إلى جرحه، لا أحد يحن إلى وجع أو كابوس، بل يحن إلى ما قبله إلى زمن لا ألم فيه سوى ألم الملذات الأولى التي تذوِّب الوقت كقطعة سكر في فنجان شاي، إلى زمن فردوسي الصورة. والحنين نداء الناي للناي لترميم الجهة التي كسرتها حوافر الخيل في حملة عسكرية".
قد يكون العمل على ملف السجناء في مصر بحثًا عن معنى، لي ولحياتي، قبل حتى تقديم الدعم لهم ولذويهم. ربما لهذا وجدتني مع مرور الوقت وقد فقدت القدرة على التعبير عن ذاتي أو حتى مشاعري، أو الشعور بالإنجاز خارج إطار العمل، كأن حياتي تقلصت إلى ما أنجزه من كتابة، لا ما أشعر به أو أعيشه، لكن على الرغم من ذلك عندما أتحدث عن السجناء وذويهم تظهر التفاصيل والمشاعر، ويذوب الداخل والخارج ونصبح "نحن".
قول للغريب حضنك هنا.. دربك قريب من دربنا ... بيتك هنا.. أهلك هنا.. حزن البشر دا حزننا
عادة عندما أسمع تجارب السجناء السابقين، وأرى أن الكلمات تعجز عن حمل ثقل التجارب المعقدة، أتساءل عما يتبقى من الإنسان حين تنتزع ملابسه، واسمه ويتحول إلى مجرد رقم! أستحضر تلقائيًّا تفاصيل صغيرة من حياتي اليومية، مثل لحظة صمت في غرفتي، وأدرك كم هي ثمينة أشياء كهذه حين يُحرم منها آخرون عن قصد. أدرك أيضًا أن الإهانة ليست لحظية بل عملية تفكيك بطيئة للروح، تبدأ في "الإيراد" وتستمر لتعيد تشكيل السجين بعيدًا عن ذاته وعن العالم الذي ينتمي إليه بالأساس. لذلك أعمد في الكتابة
عن السجون إلى تجاهل كلماتي الخاصة، أرغب أن أتخفى خلف كلمات السجناء وذويهم، فأي كلمات أكتبها، مهما حاولت، لن تفي التجربة الأليمة حقها، لذا أفضل استخدام أبيات شعر وأغنيات، لا رغبة مني في رمنسة السجن، فبالتأكيد لا توجد أي رومانسية في السجن، وبالتأكيد "سجنهم مش حرية"، بل بغرض إعادة التذكير بإنسانية هؤلاء السجناء، فهم ليسوا أرقامًا أو أجسادًا بل أشخاص لكل منهم ذات وهوية وأحبة يتوقون لرؤيتهم في الخارج.. قريبًا.