تشريح تجربة السجن

تأملات ذاتية شبه موضوعية

تشريح تجربة السجن

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

هل تختزل تجربة السجن في العزلة، أم تكشف ما نحاول إخفاءه عن أنفسنا؟ كيف يتحول الزمن خلف القضبان إلى اختبار للذاكرة والهوية؟ بعض أسئلة خرجت بها الكاتبة من فترات طويلة انغمست فيها في ملف السجون.

في أحد مشاهد الفيلم الأمريكي sing sing الذي يحكي عن مجموعة سجناء داخل سجن شديد الحراسة يحاولون التحايل على وضعهم بتقديم عروض مسرحية ضمن برنامج "إعادة التأهيل بالفنون"، تجمع السجناء في دائرة يجلس مخرج العرض المسرحي في منتصفها وقد طلب منهم أن يغمضوا أعينهم، ويتخيلوا موقفًا محببًا إليهم. وبالفعل تجاوب السجناء بتخيل مشاهد تبدو في ظاهرها عادية جدًا: أن يعانق أحدهم ابنته، أو يخرج ويأكل الآيس كريم، أو يشاهد أبناءه وهم يكبرون أمام عينيه.

هذه الأمنيات البسيطة تكشف عن حالة يعيشها السجناء المحرومين من أبسط ما يختبره الإنسان عادة دون تفكير؛ أن يحيا حياة عادية. ومع الوقت، تصير الحياة العادية نفسها حلمًا بعيد المنال، يراها السجناء بعين شاعرية كأنها عالم آخر من الصعب الوصول إليه.
على مدار نحو عقد من الزمن، انغمست في ملف السجون، أتابع أخبارها عن كثب، أرصد أعداد الوفيات والإهمال الطبي، وأمد جسور التواصل مع السجناء السابقين وذويهم، أصغي إلى ما وراء الأسوار من تجارب إنسانية، وأتوخى في سرد الانتهاكات رصد وجوه

مع الوقت شعرت أنني محتجزة مع السجناء بطريقة ما، وجوههم تلاحقني في كل ما أكتبه. لم يعد الأمر مجرد بحث أو عمل..

الواقع المؤلم الذي لا يرى إلا بعين من عاشه أو شهد أثره.
كنت أجري مقابلات معمقة مع السجناء السابقين وذويهم. ثم تتحول هذه الشهادات والملاحظات إلى تقارير حية تصور المعاناة، وتنقل إلى القارئ وجوه الانتهاكات التي عاشها السجناء في الداخل وذووهم في الخارج، لتصبح هذه الوثائق شاهدة على ما يخفيه الصمت خلف الأسوار.
مع الوقت، أخذت أشعر أنني محتجزة معهم بطريقة ما، وجوههم تلاحقني في كل نص أكتبه. ولم يعد الأمر مجرد بحث أو عمل، بل تجربة ممتدة

تعيد تشكيل علاقتي بالعالم وبالحرية. أحيانًا أخرج من المقابلات الشخصية معهم، وأتأمل في مدى هشاشة الحرية التي نظن أننا نملكها. وكلما حاولت أن أبتعد قليلاً عن هذا الملف، أجد نفسي أعود إليه من حيث لا أدري.
في الأيام الماضية كنت أشاهد أغنية "رقص الهوانم" لفرقة "الدور الأول"، وأعجبتني فكرة الڤيديو وبساطته، وبعد أن انتهى الڤيديو اكتشفت أن المخرج هو شادي حبش، السجين السابق الذي توفي داخل السجن في مايو ٢٠٢٠، نتيجة تسمم كحولي دون أن يجد من ينقذه. لحظتها أدركت أن هذا الملف

كل التفاصيل التي تبدو لنا بسيطة ومعتادة يجدهها السجناء معجزة. المشهد من فيلم Sing Sing، ٢٠٢٣

كل التفاصيل التي تبدو لنا بسيطة ومعتادة يجدهها السجناء معجزة. المشهد من فيلم Sing Sing، ٢٠٢٣

لا يتركني، حتى عندما أظن أنني خرجت منه، يعود ليذكرني بأن السجن ليس موضوعًا أعمل عليه فحسب، بل يرافقني في كل تفاصيل حياتي، في الأغاني التي أسمعها، وفي القصص التي تمر بي بلا قصد.
ظلت تجربتي مع السجناء السياسيين، ومقابلاتي مع السجناء السابقين أو أفراد عائلاتهم، تضعني أمام سؤال متكرر: كيف يمكن أن يجد الإنسان المعنى وهو مقيد الإرادة؟ في لحظات كهذه، يصبح الفاصل بين "الداخل" و"الخارج" هشًّا، كأن التجربة قد تجاوزت جدرانها لتستقر داخلي، أو بمعنى آخر

-داخلنا جميعًا. فإذا كنت، وأنا البعيدة عن السجن، أشعر بهذا القدر من تيه الوجهة وفقدان الصلة بالذات، فكيف حال من يعيش التجربة ذاتها بكل ما تحمله من قهر، وزمن متجمد، وثقل يومي لا يحتمل؟
لكنني اكتشفت من خلال شهادات السجناء السابقين أنفسهم، أنه على الرغم من كل ما يمرون به في الداخل من قهر وتجريد من أبسط مقومات الحياة، فلا يمكن احتلال خيالهم كليًّا. إذ في أضيق المساحات، يظل الخيال آخر ما يتبقى لهم من حرية. يمكن تقييد أجسادهم، ومراقبة حركاتهم،

والتحكم في طعامهم ونومهم، لكن لا أحد يستطيع أن يمنعهم من أن يحلموا، أو أن يتخيلوا أنفسهم في مكان آخر أكثر رحابة وإنصافًا، يحتضنون من يحبون، أو يسيرون في طرقات يعرفونها. والخيال هنا ليس رفاهية، بل فعل مقاومة خفي، يحفظ للسجين ما تبقى من إنسانيته، ويمنحه جزءًا من المعنى المفقود لحياته في الداخل.
في البدء كانت الإهانة
يمارس السجانون الإهانة لتجريد السجين حتى من شعوره بجسده، مثلما ورد في شهادة سجين سياسي سابق في سجن طرة تحقيق "اقلع كرامتك

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية