كيف تحول شكل المطبخ من مكان سري يخص صاحبة البيت لا يقترب منه الغرباء إلى فضاء مفتوح على الصالة.. يراه الضيوف بل ويصبحون جزءًا منه!
أذكر وأنا صغيرة أني كنت أجلس جوار أمي وأبي واخوتي نشاهد جميعًا مسلسل “من الذي لا يحب فاطمة” من إنتاج عام 1996، ولم أكن أفهم كل ما يحتوي عليه المسلسل من أحداث نظرًا إلى صغر سني وقتها، لكن شيئين حازا على انتباهي؛ الأول هو عنوان المسلسل الذي كنت أحبه، لأن عمتي اسمها فاطمة. والثاني شكل مطبخ مارجريت (أو فاطمة بعد دخولها الإسلام ضمن أحداث المسلسل)، وهو مطبخ مفتوح على الصالة بمنزلها في النمسا، كراسيه برتقالية تشبه كراسي البار، حيث يجلس عليها الشخص في مقابل الطاهي انتظارًا للطعام.
لقطة من مسلسل من الذي لا يحب فاطمة 1995
لم أكن الوحيدة التي لفت نظرها هذا المطبخ؛ فقد كان لافتًا للكثيرين، وعلى وجه الخصوص النساء اللاتي، بإرادة منهن أو بغير إرادة، أصبح المطبخ جزءًا لا يتجزأ من حياتهن ودورهن في المجتمع. أعجبت الكثير من السيدات بذاك المطبخ، لكني لم أره في بيت إحداهن.
ليس جديدًا كما ظننا
حاولت إنعاش ذاكرتي خوفًا من أن تكون قد خانتني بعد مرور كل تلك السنوات، بشأن ردة فعل العديد من السيدات حول المطبخ المفتوح الذي ظهر بمسلسل “من الذي لا يحب
فاطمة”، لذا أرسلت إلى عدد من أمهات صديقاتي اللاتي كن يتابعن المسلسل. وجاءت ردودهن متشابهة تتمحور حول الاختلاف والجدة مثل “كان جديدًا لم نكن رأينا تصميمًا كهذا من قبل”، أو “كان لافتًا وجديدًا”، أو “كان مختلفًا وجميلاً”.
في الواقع لم يكن تصميمًا جديدًا ولم يكن جديدًا على الشاشة المصرية أيضًا خصوصًا الشاشة السينمائية. ظهر التصميم الأول لمطبخ مفتوح على غرفة المعيشة في أوائل الثلاثينيات من خلال رسم المعماري الأمريكي الشهير فرانك لويد رايت Frank LIoyd Wright لبيت الزوجين مالكوم ونانسي ويلي
Malcolm and Nancy Willey قبل أن يظهر بالأفلام والمسلسلات..
أحب أن أقسم فكرة المطبخ المفتوح إلى قسمين؛ المطبخ المفتوح بالكامل على الصالة والمطبخ المفتوح جزئيًا بعمل فتحة في الحائط، أو بمعنى أصح شباك بعرض الحائط مع الاحتفاظ بباب المطبخ في بعض الأحيان.
ويمكن القول إن مطبخ ويلي الذي رسمه فرانك لويد رايت كان مفتوحًا جزئيًا.
وبحلول خمسينيات القرن العشرين كان المطبخ المفتوح هو الموضة الجديدة وبدأ في الظهور بأشكاله المختلفة سواء المفتوح جزئيًّا أو كليًّا والانتشار السريع
بالبيوت الأمريكية لذلك سمي “المطبخ الأمريكي” بدلأ من “المطبخ المفتوح”. بالطبع المطبخ المفتوح يعطي خصوصية أقل، لكن المدافعين عنه يقولون إنه يعطي فرصة للاجتماع أكثر، مشيرين إلى ميزة قد يراها البعض عيبًا، وهي تمكن ربة المنزل من تحضير الطعام، وفى نفس الوقت الاستماع لما يجري خارج المطبخ والمشاركة فيه، بل وربما جلس مجموعة من الأصدقاء يشاهدون عملية الطهي نفسها، حيث تصبح ربة المنزل أو الشخص المسؤول عن تحضير الطعام المركز.
ازدادت فكرة وجود المطبخ المفتوح ببيوت الأمريكان مع نزول المرأة للعمل
واستغراقها وقتًا أقل بالمطبخ، بل والاعتماد على الوجبات السريعة التي لا تتطلب استخدامًا كثيفًا لأدوات المطبخ. لم يكن مهندسو المناظر السينمائية المصريين بمعزل عن تلك الصيحات العالمية؛ فحين كبرت قليلأ وبدأت متابعة الأفلام القديمة التي كانت تعرضها القناة الأولى المصرية، لفتني المطبخ المفتوح بفيلم من إنتاج عام 1956 وهو فيلم “علموني الحب” من تصميم المهندس ماهر عبد النور.
في ذاك الفيلم نرى مطبخًا شبه مفتوح على الصالة ببيت نوال (تقوم بدورها إيمان) شباكه أمام طاولة الطعام مباشرة.
لقطة من فيلم (علموني الحب) 1957 توضح شكل المطبخ وتظهر وحدات إضاءة مارياتن براندت من مدرسة الباوهاوس