فخ «الكل في واحد»!

ألبير قصيري وأم كلثوم ومنيرة المهدية

فخ «الكل في واحد»!

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

كيف تشكلت روح المدينة وماذا حدث بينما تتسلل روح «الكل في واحد» لتطغى مع وصول الضباط وزعيمهم المتيم بالفكرة والدولة الحديثة في مرحلة تجديد طغاتها؟

لقاء مثير؛ هذا ما يمكن أن نصف به النص الذي كتبه ألبير قصيري عن أم كلثوم (سواء كان سيناريو/ سيرة…). لقاء بين النشاط والكسل. السوريالي وصوت السلطة. الهامش ومركز المركز. الشهرة والاستغناء. المعزول ومعبودة الجماهير.
لكن هذه ليست كل الإثارة؛ هناك شي يخص اللحظة الراهنة، لحظة بدأت تقريبًا بعد 25 يناير 2011، وما تزال مستمرة. لحظة تدمير القشرة الغليظة التي غلَّفت كل أشكال الحياة في مصر خلال أكثر من 70 سنة. تشكلت تلك القشرة مع رغبة دفينة في تشكيل ما أسميه “الانسجام المصري”؛ والانسجام 

الذي أقصده هنا هو الرغبة في تهيئة كل العناصر ولو متنافرة لتحقق نوع التجانس يحقق سعادة متخيلة.. إنها الرغبة في صنع سبيكة بالانصهار تحت درجات حرارة رهيبة. وهي ما يمكن أن نسميه “استبداد ما بعد الاستعمار” بما فيه من قهر وقمع وهدير ماكينات صنع المتشابهين من البشر العاديين.
تلك النظرة بدأت مع بزوغ الروح القومية مطلع القرن العشرين، ورواج موديل الدولة القومية، وهو ما أسفر عن ظهور الأفندية ونزعات الاستقلال التي تقودها البرجوازية المصرية الصاعدة بقيادة سعد زغلول، الزعيم بمواصفات عصره، ورمز حركة الأفندية

رواج موديل الدولة القومية، أسفر عن ظهور الأفندية ونزعات الاستقلال!

ونزعات استقلال تقودها البرجوازية المصرية الصاعدة بقيادة سعد زغلول، الزعيم بمواصفات عصره، ورمز حركة الأفندية الناعمة، التي تسلمتها شريحة الضباط منهم وقدمت نسخة خشنة في صناعة سبيكة تلغي الاختلافات وتوحد قياس “الوطنية”.. “الانسجام” نسخة عبد الناصر من “آيديولوجيا وسطية” تجمع بين المستأنسين من أطراف اليمين واليسار في “فلك واحد” يحركه توازنات ومزاج النظام، هذه نسخة تعزز سلطوية الزعيم/ الأب ومن ينوب عنه في الصحيفة وقسم الشرطة والبيت والمدرسة وشركات السينما وإنتاج الموسيقى..

وطبعًا في “التليفزيون”. واجهة الانسجام وأداته في تكريس “الوسط مركزًا للهوية المصرية، ولحام الطبقات ومسطرة الوعي والفضيلة والوجود الاجتماعي. الوسط لا يثير شيئًا. يوقف الحركة في منتصف المسافة.. يوقف التفاعل بعيدًا عن الركود وقبل التغيير.. شيء بين كل شيء. يضمن الأمان والركود (يسمونه: الاستقرار) ويضمن طبعًا السيطرة للمقيم وحده في الأعالي. فهو الحكم النهائي في لحظة الخلاف. يحسم الأمور ويعدل الميزان. والأمثلة لا تعد ولا تحصى من الحقبة الناصرية على خلافات/أو سمِّها معارك وحروب قامت وحسمها عبد الناصر نفسه لا غيره!

فيلم “شيء من الخوف” خافت الرقابة من تمريره حتى قال عبد الناصر “لا شيء يخيفنا”. ورواية نجيب محفوظ “أولاد حارتنا” صُعِّدت إلى عبد الناصر شخصيًّا، ويبدو أنه رأى تعليق وضعها فترك تقرير الشيخ محمد الغزالي (عضو الاتحاد الاشتراكي) بجوار حيل محمد حسنين هيكل لكي تبقى الرواية في وضع بين المنع والسماح. الوجود الكامل والحذف. وهكذا، حتى أم كلثوم؛ إذ تقول الأسطورة إن لقاء “السحاب” بينها وبين عبد الوهاب تم بطلب من عبد الناصر شخصيًّا لتبدأ نسخة جديدة من أم كلثوم؛ بعد ابتلاعها بالكامل في مشروع عبد الوهاب؛ أهم مشروع

خافت الرقابة من تمريره فيلم «شيء من الخوف»  حتى قال عبد الناصر "لا شيء يخيفنا"

موسيقي جسَّد توصيات مؤتمر الموسيقى العربية (1932) وأصبح معيار الموسيقى المصرية كما تقول كتالوج الهوية؛ وهي معايير تضع الفن في منطقة غائمة توضع عليها علامة تميز “الانسجام” سلطة لصانعه. هذا ما جعل الفكرة تستمر بعد رحيل عبد الناصر لكن بعد تغييرات ارتبطت بخليفته (السادات) الذي سار بالوسط إلى منطقة متطرفة بعد إعلان دولة “العلم والإيمان”، صيغة رفعت من معايير المحافظة في “الانسجام” وأدخلت عناصر ريفية أكثر (رب العائلة) ومنحت سلطة للفضيلة والأخلاق لإخلال التوازن بين اليمين واليسار.

هذا طبعًا اختصار مخل لتاريخ طويل يحتاج لتفكيك رهيب لنفهم ديناميك إلغاء التعدد والتنوع تحت لافتات نبيلة، لكننا نتوقف هنا أمام تسلل روح “الكل في واحد” باعتبارها معجزة تنتظرها مصر لتبعث من جديد.
عرفها جمال عبد الناصر في رواية توفيق الحكيم “عودة الروح” التي افتتح صفحاتها بأبيات من نشيد الموتى تقول: عندما يصير الزمن إلى خلود
سوف نراك من جديد
لأنك صائر إلى هناك
حيث الكل في واحد
وكيف يتشكل هذا الكل في واحد؟

هذه قصتنا منذ أن لعبت الفكرة في 

اقرأ أيضاً

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

نجيب سرور  وصل مبكرًا للمنطقة الخطر

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

هل كيرلس الرابع محرر المرأة؟

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

محمد عباس أو الهروب في  حظر التجول  

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

ذكريات فيروز كما روتها لنازك باسيلا

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

لطيفة الزيات: قائدة انتفاضة ١٩٤٦

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية

رسالة من المغنية إلى زعيمة النسوية