هذه محاولة لفهم كيف يعيد الفن كتابة الحكاية، والدعبسة وراء أحمد زكي وكيف تصنع المدن أساطيرها، وربما الإجابة على سؤال: هل انتقمت عصابة النمور السمر على النجوم البيض؟!
"تيجي نعمل فيلم…" عندما وجه أحمد زكي هذه الكلمات لي في ختام ندوة أقامتها الصحيفة التي أعمل بها، كنت أتأمل طريقته في الكلام. يحاول أن يقول كلامًا كبيرًا جدًا، وأفكارًا يعتقد أنها عظيمة وفريدة جدًا. قررت أن أكون متفرجًا طيلة الندوة، أتابع ملامح وحركة كل متحدث. لم يكن كلام أحمد زكي كبيرًا ولا عظيمًا، بل أقرب إلى السذاجة المكررة. لكني تركت كل المتحدثين وتابعته. لم أركز فيما يقول. كنت أريد أن أتأمل حركات جسده، والطاقة التي تخرج منه، نظارته السوداء في عز الليل، قميصه الأسود والجاكت الأسود. لم نتبادل ولا كلمة.
فجأة، وسط زحام وناس كأننا كنا نتابع حوارًا قديمًا "إيه رأيك نعمل فيلم نكون احنا أبطاله ونختار البنت دي (وأشار إلى زميلتي دعاء سلطان) ونجيب قصادنا شوية عيال بيض زي حسين فهمي، ونفضل نضرب فيهم طول الفيلم؟". ارتفعت الضحكات عاليًا. اقترب منا المخرج داوود عبد السيد، فضمنا أحمد زكي إليه أنا ودعاء وسأل "إيه رأيك يا داوود في الأفيش دا؟".
احتفظت بالصورة التي التقطت في تلك اللحظة في مكان قريب من حركتي اليومية. ليس لأنها مع أحمد زكي، بل لأنها تذكرني بلحظة خارج البروتوكول.
لم نلتق قبل تلك اللحظة ولا بعدها. لكنه استسلم للحظة خارج إطار الكلام الكبير الذي حاول أن يكون جزءًا منه، استسلم لشيء طفولي دفعه إلى الإعلان الصريح عن لعبة الألوان بين البشر. إنه يريد أن تنتصر عصابة من النمور السمر. المنتصرون في ظل تيار من النجوم "البيض". وعي ما بموقعه في العالم، وعي عبر لون الجلد. وهو الآن وهنا على مقربة مني، يريد أن يلعب، لهذا أحب الصورة التي كنا نضحك فيها (أنا وأحمد زكي ودعاء) ضحكة عالية جدًا.
بعد أيام قليلة من هذا اللقاء عرف أحمد زكي أنه مصاب بسرطان الرئة.
1
بطل رغم جلده
لا أحب الأساطير. ربما أحب طريقة رولان بارت في تفكيكها. كل أسطورة تكشف مسارات معقدة في الحياة الجماعية. ثقافة الجموع، الوعي الجمعي، كل هذه المسميات والأهداف التي يشمر الباحثين كل أدواتهم في السير خلفها، هي محاولة تحرير للفرد من الأسطورة، أو بالتحديد تحويل للفرد من حالة الإله اللحظي إلى الإله المطلق.
منذ فترة لم نحتفل بأحد. لم نجعله أسطورة إنسانية. غرقنا طويلاً ونحن نبحث عن أساطير من الكتب المقدسة. منذ فترة لم نهتز لحكاية شخص عادي
نشرت نسخة أولية من السكتشات في مجلة سينما الباريسية عدد يوليو 2005. أرشيف مدينة الرقمي
كما حدث مع أحمد زكي.. أصبحت الأساطير شحيحة بعد الستينيات، خاصة تلك التي تصنعها السينما. لأن الأسطورة تختلف عن النجومية التي تصنعها الموهبة.الأسطورة يصنعها المجتمع. تتداخل حكايته الشخصية مع موهبته الفنية ليصبح جزءًا من حكاية المجتمع عن نفسه.وملامحه وحركة جسده تتحول إلي خطاب ينتج المعنى والرمز .
في محاولتي المتعثرة في السير خلف أساطير الحياة المعاصرة في مصر، كتبت عدة مرات مشاهد عن أحمد زكي، محاولات أقرب إلى الدراسة الفنية، السكتش، وعلى مراحل، في وقت كنت أفكر فيه كيف تخلق المدن أساطيرها.
أحمد زكي أسطورة قاهرية.وعلى الرغم
من نجوميته الطاغية فقد ظل مرتبطًا بلون بشرته (النجم الأسمر). اللون شريكه في الأسطورة. هو ليس فقط "وحش تمثيل" كما يقولون في مديح موهبته، بل هو أسمر. أي استثناء، كسر قواعد وتقاليد نجومية تتوارث فيها مواصفات وسامة تنتمي إلى صورتنا عن أنفسنا كقرين للمستعمر الذي نود أن نشبهه أكثر مما نشبه ذواتنا. ومحاولتنا للتحرر السياسي حعلت من عبد الحليم (عندليبًا أسمر). اللون علامة الخصوصية المصرية "سمار الشمس.. طمي النيل.. إلخ". اللون هو الدرجة الخفيفة من الأسود. والمنطقة بين سيادة الأبيض وعبودية الأسود. وهو جزء يشير إلى مفارقة الصورة النمطية للسيادة،
كان أحمد زكي يتلبس الشخصية كالممسوس. الصورة من مجلة سينما ٢٠٠٥، أرشيف مدينة الرقمي
والتفوق للأبيض. لكنها في الوقت ذاته مفارقة تكتفي باللعب في حيز الحصة. أو إعادة إنتاج الصور القديمة بعد إضافات تقلق الانصهار الجماعي في أساطير التفوق البيضاء.
أحمد زكي شخص عادي، تحطمت محاولته في صنع عائلة أو بيت بالمعنى التقليدي. ظل فندقيًّا، وعابرًا. رغم اتساع شعبيته، وتحولت حكايته بعد المرض إلى رواية رمزية لمعاناة ملايين من الذين عاشوا الألم من الطفولة وحتى الموت. من اليتم إلى الوحدة. من الصعود الباهر إلى الهشاشة المفرطة.
سردية أحمد زكي استعادت الرموز المؤثرة في أسطورة حليم: اليتم والصعود
والمرض، وداعبت احتياجات تيار النوستالچيا، وابتلعت المسافة بين سيرة أحمد زكي وفنه. لا بل أعطت السيرة في ابتلاعها للأداء الفني ميزة واستثناء وسط منافسيه الشهيرين في حرب نجوم الشباك وبالتحديد: محمود عبد العزيز وعادل إمام.
هذا طبعًا بعد تهذيبها على طريقة الطبقة الوسطى من الخروجات عن النموذج العمومي، ليبقى فقط تفاصيل: اليتم، وهجران الأم بعد موت الأب، والفقر، وأيام الحرمان، واللمعان الطاغي للنجومية، رومانتيكية قديمة، استجابت إليها قصة أحمد زكي ودفعت إلى الهامش ما يفصح عنه قصص الحب
أو الإنشغال العاطفي بحبيبات من ذوات الجلد الفاتح (الأشقر والأبيض). هل كان ذلك لاوعي يشبه فيه مصطفى السعيد بطل رواية الطيب صالح الشهيرة "موسم الهجرة إلى الشمال". وهو عاشق يمزج عشقه بتجاوز الدونية التاريخية في مواجهة التفوق الأبيض.ويغطي بحب صاحبات البشرة البيضاء والشقراء، الحفر التي تتركها العنصرية اللونية في الروح والهوية النفسية. هذا جانب خفي من قصة أحمد زكي غاب مع دخوله حرب نجوم الشباك. لكنه شكل جزءًا عميقًا من وعيه وغريزته في التمثيل.
لم يحب أحمد زكي قصة محاولته الانتحار. كان مهزومًا في غرفته
على السطوح، فالموزع الشهير رفض اسمه بطلاً لفيلم (الكرنك). كيف يُسمح لهذا الأسود بملامحه المحروقة وشعره المجعد أن يحب سندريلا الشاشة سعاد حسني؟ لكنه الأول على دفعته في معهد المسرح. لا يهم. ماذا لو أدى دور شاب مُسيَّس من حارة شعبية؟ لا يهم أيضًا. حبيب سعاد حسني لا يجب أن يصدم الناس.
هكذا كان يفكر الموزع اللبناني حسين الصباحي، الذي صبغ السينما طويلاً بذوقه واختياراته وتصوراته عن استقبال الجمهور. وفي النهاية وقع الاختيار على نور الشريف. ونور الشريف من مدرسة تمثيل مختلفة، يذاكر الشخصية، ويتابع مساراتها وتاريخها، بمنطق الدرس،
وفي مساحة الوعي المرتب غالبًا. إلا أن أحمد زكي يدخل إلى شخصياته من مساحة حسيَّة. يتماهى ولا يقيم مسافات واعية معها، يذوب، ويتلاشى أحيانًا.
لون الجلد كان أحد عناصر هذا الذوبان. يضيف إلي الشخصية معني رمزيًّا أكبر. التعب والعنف ورحلة شاقة للوصول تحت الضوء. وفي معادلات الفيزياء، يختزن الجلد الملون الضوء بشكل يجعل التعبير أعمق. لم يكن أحمد زكي يجسد في (الهروب) مثلاً شخصية مطارد شقي يتسلى الجمهور بمطاردته. لكنه وعبر حركات الجسد ورفعة الكتف وضمة اليد وأساسًا اللون،
قوة رمزية لتاريخ من مطاردة أطول تتعلق بالطبقات والجماعات المهمشة بعيدًا عن دوائر السلطة والمال والتحقق الاجتماعي.
تخيل أحمد زكي أن اللون حاجز أبدي بينه وبين النجومية، لكن ورغم ذلك أصبح (الأسود المحروق) بطلاً وفتى أحلام، وأسطورة تنازع أساطير معاصرة في القاهرة. حتى إن المذيعة في الفضائية العربية استعادت في جنازة أحمد زكي تفاصيل جنازة عبد الحليم حافظ، وانتظرت المنتحرات على غرار ماحدث بعد وفاة (العندليب الأسمر) على سرير مستشفى لندني. تخيلت المذيعة أن يتكرر المشهد التراچيدي في غياب الأسطورة. لعلها مصادفة.
2
بطل الحياة اليومية
نحن الآن في فندق على أطراف المحيط الأطلسي بمدينة تطوان المغربية، نلهث من حجرة إلى حجرة، ومحمد خان يصرخ "الصورة في تليفزيون حجرتي غير واضحة". كنا نتكلم عن مشهد الجنازة. جرينا إلى حجرتي. الصورة ثابتة، وأحمد زكي بعيد. اسمه على الشاشة غريب، ومحاصر بكلام ثقيل ونمطي، يصبه في كليشيهات، يختصره في مصطلحات نموذجية، ها هو أحمد محبوس في الـ Stereotype. وهذا من أعراض الأسطورة، أي إمكانية اختصارها وسجنها بين قوسين. فالأسطورة تقوم على إمكانية الاختزال أساسًا.
"أبدع في التقمص". هكذا قالوا بفخر كأنهم يمنحونه نيشانًا نادرًا، رغم أن التقمص نوع كلاسيكي من التمثيل يعتمد على (نسخ) الشخصية أو حسب المفاهيم في الفلسفات والأديان القديمة (الاستنساخ) وانتقال الروح من جسد ميت إلى جسد حي. وهو ما فعله أحمد زكي حين شعر بأن التقمص طريق سهل لاستمراره في حرب نجوم السينما. وبالفعل كان هذا ما ركز عليه الرثاء التليفزيوني، حيث أكدت المذيعة أن "أبدع أدواره تمثيل شخصيتي عبد الناصر والسادات" إعجاب على طريقة الميديا بأبطال قريبين في التاريخ، إعجاب لا يتذكر (زوجة رجل مهم)،
النجم الأسمر ظل لقباً يعبر عن الاستثناء الدائم.الصورة من فيلم (درب الهوى). أرشيف مدينة الرقمي
ولا (أحلام هند وكاميليا) ولا حتى (شفيقة ومتولي) ولا (أبناء الصمت) ولا (الهروب) ولا (ضد الحكومة) ولا (طائر على الطريق) ولا (العوامة ٧٠). هذا الاختصار يضع الممثل بالقرب من العظماء بالنسبة لنوع الجمهور الذي تنتمي إليه المذيعة، وليس هناك أفضل من الحكام وأصحاب السلطة في تعريف هذه العظمة.
بعد أن كان أحمد زكي بطلاً ثانويًّا، صار النجم الأول في موجة (الواقعية الجديدة). في فيلم (الباطنية) كان اسم أحمد زكي الرابع من بين أبطال الأفيش بعد نادية الجندي وفريد شوقي ومحمود ياسين، لكنه أصبح الأول مع أفلام محمد خان وعاطف الطيب
وخيري بشارة ورأفت الميهي، وحتى علي بدرخان الذي فكر في أن يكون أحمد زكي بطله في (الكرنك).
مصادفة فعلاً أن نسافر إلى تطوان (٢٥ مارس) لنتكلم ونناقش سينما محمد خان، وبعد يومين فقط (٢٧ مارس) يتكرر في شريط الأخبار خبر، بإيقاع يشبه أنين الندابات؛ غياب أحمد زكي. ربما هي مصادفة تشبه الأفلام، وتشبه نزوة الحكايات والتورط في علاقة محبة أو كراهية لشخص يترك فينا شيئًا عميقًا، قبل أن يذهب.
كان أحمد زكي، بالنسبة لسينما خان وجيله، الشخص العادي الذي يشبه الناس في الشوارع ويجد الجمهور فيه نفسه. ليس وجهًا يشبه الآلهة
(زوجة رجل مهم)، لقاء بين صوت عبد الحليم وصورة أحمد زكي. مجلة سينما، أرشيف مدينة الرقمي
ولا القديسين ولا نجوم هوليوود في العشرينات ولا وجهاء الطبقة المستريحة. كان جزءًا من ملامح (الواقعية الجديدة)، أو كيف يمكن التنقيب عن الحكايات في الشخص العادي، أو اكتشاف المثير من بين تراكم الأشياء اليومية العادية.
وظهر أحمد زكي في لحظة صعود هذه السينما. ممثلاً أسود، لونه يرشحه دائمًا للأدوار الثانية أو الثانوية. لكنه موهوب، موهبة خارقة. يكاد جلده يتمزق من شحنات غامضة تضعه بهذه الموهبة على حافة القلق. إنه البطل المنتظر لهذه السينما وأسطورتها: متهور، وفوضوي، لكنه في نفس الوقت يحافظ على الظهور بمظهر يلائم القبول العام.
كان يوفر جنونه للاستوديو وبين الأصدقاء، ويظهر انضباطه أمام الجمهور الواسع. لم يفعل هذا نوعًا من النفاق العام، بل لأنه كان مؤرق بالحصول على تقدير جماهيري، في اللحظة نفسها التي يتمرد فيها على أشياء كثيرة مستقرة ومنتظمة.
كانت العلاقة بين محمد خان مثلاً وأحمد زكي على حافة الاشتباك دائمًا. استفزاز واندماج، توهج ومشاغبات. وقد سمُّوها في الوسط السينمائي (حرب العقارب). كلاهما ينتمي إلى برج العقرب. محارب، ومدافع ومشاكس وذكي وصريح ومتطرف في كل مواقفه. لا يعرف الحلول الوسطى. يتحول من صديق ودود إلى عدو لدود في لحظة،
وهذا تفسير طريف لعلاقة مثيرة بين ممثل ومخرج.
كان محمد خان يعرض كل فيلم جديد على أحمد زكي أولاً. في حواره مع نادين شمس في (مجلة الفن السابع)، يقول "نحن استطعنا أن نضع الشخص العادي الذي يمثله أحمد زكي على الشاشة ببطء".
أحمد زكي حالة مختلفة لهذا الجيل من المخرجين. وهذا الاختلاف له وجهان. فهو يعشق أن يستفزه المخرج في مناطق، وكما يحكي خان " "في أحد مشاهد (أحلام هند وكاميليا) كان يفترض أن يقفز أحمد من النافذة ليدخل إلى الحمام ورفض أحمد.. تحديته بأنني سأقفز، وعندما قمت
بالقفزة بشكل ليس جيدًا، انفعل هو وقفزها.. لماذا؟ ليثبت لي أنه أفضل مني. ويستطيع أن يفعل ذلك".
إلا أن أحمد زكي كان يخرّب بطولته بيده. اتفق محمد خان مع أحمد زكي على لعب دور "فارس" في فيلم "الحريف"، وطلب منه أن يطيل شعره ولحيته، لأن وجهه يعطي ملامح بريئة، ولا بد أن تشير ملامح البطل إلى قسوة ما.لكن فجأة في اليوم التالي، وجده حلق شعره على الزيرو. لم يعلق خان بكلمة واحدة. وأرسل السيناريو إلى عادل إمام. مساءً في بيت أحمد زكي همس خان في أذنه "بارك لنا؛ اتفقنا مع عادل على الحريف..".
ابتسم أحمد مهنئًا، ودخل الحمام ووقف أمام المرآة وظل يشتم في محمد خان ويرسل لعناته.
أحمد طبعًا هو الذي حكى لخان عن الشتائم واللعنات.
خيري بشارة في الحوارات نفسها مع نادين شمس تحدث عن ذوقه الذي تربى على البطل التراچيدي أو ما يسمى بالـ Anti Heroـ تترجم عادة (البطل المضاد) وأراها ترجمة قاصرة وهي المدرسة التي خرج منها چيمس دين وروبرت دي نيرو، المدرسة التي تقوم على التمثيل العفوي، الطبيعي، الخالي من الافتعال.
يقع أحمد زكي في دائرة الممثلين الذين نشأت بينهم وبين خيري بشارة(كيمياء).
استراحة في حرب العقارب بين أحمد زكي ومحمد خان في موقع التصوير.
كان فيلم (العوامة رقم ٧٠) أول فيلم يوضع فيه اسم أحمد زكي الأول على التتر.
كانت هذه مغامرة بالفعل، وكما يقول خيري بشارة "أحمد كان بالنسبة لي، ولجيلي كله، الوجه واللسان والهيئة التي نريدها في الممثل. كنا نريد أن نصنع منه بطلاً يحل محل البطل النجم الذي كان سائدًا في السينما التي تسبقنا".
و(العوامة رقم ٧٠) كان المختبر الذي أطلق عفويته الكامنة. حسيَّة أحمد زكي جعلته بوعي أو بلا وعي ينوِّع في اختيار أبطال يلعبون في مساحات هامشية. ليسوا نماذج بالمعنى الذي قدمته الطبقة الوسطى في عبد الحليم
حافظ مثلاً. الحسيَّة جعلته ضد السلطة، بمعناها الثقافي الأعم، ودون وعي مسبق غالبًا. وعلى العكس كان عادل إمام مثلاً صوتًا مسموعًا. خرج من الحارة ليقف في كادر واحد مع السلطة. جاورها في معركتها ضد الإرهاب فحصل على فرصة (زعامة) ما أتاحت له نقد الحكومة، لا السلطة.
3
بطل يذوب في الآخرين
التماهي لدى أحمد زكي اتخذ عدة أشكال. هو المحروم من عائلة صغيرة، التائه بعد الموت المبكر للأب وإجبار الأم على الزواج في محيط عائلة كبيرة. كانت الصداقة مهربًا قاده إلى المدرسة، ومنها إلى خشبة المسرح، ثم إلى فرصة
فيلم (العوامة رقم ٧٠) مع تيسير فهمي أحمد زكي بطلاً على الأفيش للمرة الأولى.والصورة من أرشيف المخرج خيري بشارة
في القاهرة. قفزات من مصير الجموع العادية إلى عالم يتسع بالمصادفة.
مصادفة وصوله لأضواء القاهرة مع التغيرات التي أحدثها دخول التليفزيون البيوت، وانتقال المسرحيات إلى جمهور أكثر اتساعًا يرتبط بالكاميرا والكادر، لا بتوزيع الأدوار على الخشبة فقط. هكذا أصبح الفتى الأسود بطلًا من أبطال مسرحية (مدرسة المشاغبين) لأنه موجود في الكادر التليفزيوني، مع أن دوره المكتوب في النص المسرحي قد حذف أكثر من نصفه.
أحمد زكي دارس المسرح الكلاسيكي لم يجد على خشبة مسرح السوق وجمهور يرى في المسرح "٣ ساعات من الضحك المتواصل" سوى فرصة طائرة، استغلها
وارتجل (عرض صغير) داخل المسرحية لمدة دقائق سيلفت الانتباه إليه، خصوصًا بعدما نقل التيفزيون المسرحية (هاللو شلبي).
في عرضه الصغير ظهرت مواهب أحمد زكي في فقرة تقليد الفنانين، وفي البناء المتخيل للشخصية.
والتقليد فقرة محببة عند جمهور واسع، ظلت تطارد أحمد زكي حتى في ظل انفجار نجوميته، كما كانت طريق العبور إلى جلسات وسهرات المثقفين عندما انتشرت وشاعت تسجيلات يقلد فيها الرئيس السادات. هذه القدرة على تداول عمل مرتجل وفقرة مشحونة بمزاج السهر وحميمية الجلسات الخاصة صنعت طرفًا من وجود لا يشبه أقران لحظة
الخروج من الانسجام الستيني الناصري المصنوع بقوة السلطة والإقرب إلي الإنصهار .
كان واردًا أن يظل أحمد زكي في الصفوف الثانية أو حتى الثالثة في أي فيلم، وينال ما تناله مواهب تحفر لنفسها مكانًا بعيدًا عن نجومية الفتيان الأولى وموديلات الرجولة والأنوثة، لكن فرصته جاءت بالاندماج في أساطير الثقافة العامة. البداية كانت مع (الأيام)، السيرة التليفزيونية لطه حسين، معجزة المصريين وأيقونتهم في مواجهة العجز المطلق. التماهي في طه حسين قفز به إلى الصف الأول. وحفر له طريق (اندماج) أوسع في العقل الجمعي. فأصابه هوس جمع
الشخصيات الكبيرة. كأن جسده أصبح حائط مقتنيات جماعية، يتحور ليلائم مشية عبد الناصر أو السادات أو عبد الحليم، قرينه في أسطورة اليتم والصعود من هوامش الطبقات إلى مصاف معبود الجماهير. انتقل هذا التماهي و الذوبان من ارتجالات المصادفات الأولى، وأصبح علامة مُميِزة، وحكي الصحفي والمذيع محمود سعد أنه اتفق مع صديقه أحمد زكي على صنع فيلم توثيقي اسمه (المندمج) عن طريقته وتمثيله وقدراته على (التجسيد). هذا الوله بقدرات التماهي منح أحمد زكي وصف (العبقرية) فهو ملائم لتصورات الناس عن براعة التمثيل، وجزء من الإعجاب الغامض
بقدرات علم النفس. أحمد زكي يتبع مسيرة مدرسة التحليل النفسي ويشبه نفسه بطبيب نفسي يحلل شخصيته، كأنه يتركها تروى له حياتها من على مقعد المريض، كي يبني صورتها قبل أن "يلبسها لجهازه العصبي". هذه طريقته في الاندماج. لا مسافة، ومرة أخرى هذه علامة الجودة، على الرغم من أنها من ناحية ثانية حجمت موهبته وقدراته، وعملت ضد تطوره الشخصي. وفي المقابل، تمنحه تبرير التمثيل بأنه كشف عن السلبيات والإيجابيات. تلك الثنائية الساذجة في تقييم تعقيد الحياة الإنسانية وتشابكها، دفعته إلى التخيل بأن إعلاء قيمة التمثيل والفن عمومًا في قدرته على كتابة روشتة علاج أو إصلاح
كان التماهي والذوبان في الشخصيات هوسًا ربما يهرب به أحمد زكي من البحث عن العائلة المفتقدة.
اجتماعي، ليكون التماهي من جهة ما هو مصالحة مع المجتمع والدولة والسلطة. فالنجم جزء من المنظومة، طبيب للعيوب ومصلح للسلبيات.
هذه سلطته التي يبرر بها اختياره اللعب أو اللهو بدلاً من الجد.
يقال الكثير عن ظهور أحمد زكي، ولحظته واشتعالها حتى بعناصر هامشية مثل المرض (الموت المبكر) ولعنة انقطاع السلالة (موت ابنه هيثم المبكر) الذي كاد أن يصبح تراچيديًّا. إلا أن الجمهور لم يكن مستعدًا لتأمل التراچيديا، فحولها إلى ميلودراما من النوع الاستهلاكي المحبب للجموع البائسة.
4
بطل يبحث عن عائلة
أحمد زكي في دبلوم الصنايع. يحمل علم مصر. ينتظر موكب عبد الناصر. يريد أن يلمسه وهو في نافذة قطار سيمر سريعًا على الزقازيق. كان يحب عبد الناصر على صوت عبد الحليم "بالأحضان يا حبيبتي يا أمي.. يا بلادي يا غنيوة في دمي". وعبد الناصر أسطورة الرئيس الأب. لم يكن الملك ساكن القصور. بل الحاكم الصاعد من بين جموع الشعب. والواحد الذي يذوب فيه الكل. وأحمد زكي يبحث عن أب وحضن يشبه ما تعد به الأغنيات. اكتشف أحمد زكي في مسرح المدرسة متنفسًا لمشاعره وانفعالاته التي
اكتشف أحمد زكي في مسرح المدرسة متنفسًا لمشاعره وانفعالاته التي تعود على ضبطها حسب مقاس موقعه كضيف في أي بيت. تحرر وهو يذوب في شخصيات لها مكان وحكاية على خشب وأمام متفرجين.يحكي "كنت منطويًّا جدًا.. لكن الأشياء تنطبع في ذهني بطريقة عجيبة: تصرفات الناس وابتساماتهم وسكوتهم. من ركني المنزوي كنت أراقب العالم وتراكمت داخلي الأحاسيس وشعرت بحاجة لكي أصرخ.. لكي أخرج ما في داخلي. وكان التمثيل هو المنقذ. ففي داخلي دوامات من القلق لا تزال تلاحقني فأصبح المسرح بيتي. رأيت الناس تهتم بي وتحيطني بالحب. فقررت أن هذا هو
مجالي الطبيعي".
وسافر الفتى أحمد من الزقازيق إلى القاهرة يحلم بالمسرح. ويرى في عبد الحليم إشارة ضوء في نهاية النفق، وكما حكى في حواره مع عائشة صالح (الكواكب) "لم أعد ارتبط بمكان.لا ارتبط بسرير أو كرسي أو درج. أو حتى مسمار مدقوق في حيطة أحس أنه المسمار بتاعي". وعندما وصل إلى القاهرة لم يجد لا عبد الناصر ولا عبد الحليم في استقباله. شعر بأنه تائه في المدينة "القاهرة كبيرة وزحمة وحاسس إني تايه فيها.. مش في شوارعها.. لكن في ناسها". أحمد يخاف من الوحدة، يبحث في الفنادق عن عائلة كبيرة. لا مرئية. وعن مسافة مع كل شيء تحمى هشاشته.
الفندق مكان ملائم لهذه المشاعر المتناقضة بين القرب والبعد. التخلي والارتباط. امتلاك حيز لكن بشكل مؤقت. في هذه المسافات بحث أحمد زكي عن القدرة التي تحرر فوضاه وانتقامه من تاريخ الحرمان.يشعر برغبة عارمة في الاستمتاع إلى أقصى حد بلحظة طيران الأموال. ينتقم منها. كأنها عدوه الذي يستمتع بالتخلص منه بعد امتلاكه. بصورة موازية كان عبد الحليم يستمتع بالمقامرة. اللعب بالمال ليشعر بأنه أصبح أكبر منه. حكي لي الكاتب والصحفي الفني فؤاد معوض المعروف باسم (فرفور)، وهو صديق مشترك لحليم وأحمد زكي، حكايتين كان في الأولى ينظر إلى الفندق الفخم في
الزمالك والنيل الممتد، والقاهرة المزدحمة بالسيارات، وتذكر في لحظتها ما حدث في بيت عبد الحليم الذي تعرف في سهراته على "ناس مهمة جدًا".وفي إحدى هذه السهرات لعب كوتشينة مع اتنين، هو وعبد الحليم شكلاً فريق في مواجهين الشخصين المهمين، وكما حكي فرفور "بالصدفة حرقت ولد للشخص الذي يجلس معنا على الأرض.. واتريقت عليه، لكني وجدت عبد الحليم يغمز لي.. ويهمس بصوت مرتبك: أنت هتهزر مع صلاح نصر؟".وبينما كنت أضحك على تخيلي لمشاعر فؤاد معوض، استرسل هو بحكاية ثانية بطلها هذه المرة أحمد زكي"كان وقتها في مدرسة المشاغبين
ويقبض من فرقة المتحدين ٣٥ جنيهًا شهريًّا، لكنه احتاج فلوس في نصف الشهر، طلب سلفة ٥ جنيه فرفض سمير خفاجي صاحب الفرقة (قلد صوته)، فطلب مني التوسط، فوافق وأعطاه محمد حافظ مدير الفرقة وقتها الخمسة جنيهات بعد أن جعله يوقع على وصل بالمبلغ.. المفاجأة إنه عندما أمسك أحمد بالخمسة جنيهات في يده.. قطعها ٣٠ حتة.. وداس عليها بالجزمة، وقال: أنتي اللي كنتي ذلاني أهو أنتي تحت جزمتي"..
كانت من المرات النادرة التي ينهي فيها فرفور حكاياته بالأسى، دون ضحكته الشهيرة، لكني لا أعرف لماذا لم أتوقف عن الضحك. ضحك ربما أكثر من حكاية
عبد الحليم وصلاح نصر. وبعد سنوات رسم أحمد زكي صورة جديدة لعبد الناصر. صورة داعبت شجن وأسى الطبقة الوسطى في ظل غياب الزعيم. الأب. لعب أحمد زكي بتقنيات النحت. وأقام تمثالاً يحاكي الصورة المستقرة للزعيم. لا حركة خارج كتلة التمثال. ولا شعور زائد. وتقليد محكم للشخصية. مع السادات اختلف الأسلوب. استعاره ربما من سهرات قديمة كان يقلد فيها لكنة الرئيس المميزة في خطبه. وهنا بدت تقنية الكاريكاتير أقرب بالمعنى الذي يركز على جزء صغير من الشخصية ويضخمه.لا يريد المحاكاة هنا، لكنه أراد وضع خطوط سوداء على تفاصيل بعينها لا يريد المحاكاة هنا، لكنه أراد
وضع خطوط سوداء على تفاصيل بعينها. وربما كان الذوبان هو تقنيته عندما لعب دور حليم. ذوبان المتعب. وهو ذوبان عززته بالتأكيد مصادفة عدم الاكتمال.
5
بطل ضد السلطة ومعها
كلاهما، أحمد زكي ونور الشريف، عاش أزمة مع ظهور نجوم التسعينات. أزمة جيل ربما. لكنها بالأساس أزمة ستايل نجومية. مع محمد هنيدي وأحمد السقا ومحمد سعد، أصبح نور الشريف وأحمد زكي خارج حسابات الشباك التقليدي، فلم تعد السينما وشباكها ملعبًا ملائمًا لكليهما. أحمد زكي، وبالتشخيص المجرد، قرر فتح مساحات
لنفسه، عبر لعب شخصيات تاريخية، منها ناصر والسادات و(معالي الوزير). وانتهى على مقربة من حليم، ولم تتح له الأيام فرصة لعب دور الشيخ الشعراوي أو مبارك.
هكذا ترفَّع أحمد زكي عن التليفزيون، وغرق في تشخيص الأيقونات الشعبية على الشاشة الكبيرة، كما سمَّى المصريون السينما مع بداية ظهور التليفزيون. وعلى مسافة منه كان نور الشريف يلعب في التليفزيون، بطلاً موسميًّا لحلقات مثيرة تاريخيًّا، مع عمر بن عبد العزيز الذي لم يمسه دراميًّا وقدمه درسًا دينيًّا وأخلاقيًّا في الزهد، والثاني هارون الرشيد في مسلسل حاول تصحيح الصورة الشعبية للسلطان زير
النساء. بعدها داعب نور الأحلام الذكورية واكتسب شعبية مع (الحاج متولي) ثم (العطار)؛ دونچوانات ورعون يمتلكون سحر الرجولة الضائع في الواقع. نور الشريف أيضًا صاحب وجه العاشق الولهان، الخارج من الكتالوج التقليدي للفتى الأول في السينما المصرية. وجهه منحوت وملامحه تحيل إلى عذاب الحب ورقته. إنه الذكورة المنتظرة، يحقق الاطمئنان بالملامح الشاحبة والتوازن بين الحس والعقل. ولم يكن أحمد زكي فتى أول بهذا المعنى. لا يوحي وجهه بطفولة منسجمة، ولا يعد بنيان جسده ببطولة قادمة. يحكي حكاية عادية أو مأساة شخصية. وجهه يعلن مباشرة عن حكاية معاناة وألم
أداء أحمد زكي في فيلم ناصر كأنه يصنع تمثالاً للزعيم. مجلة سينما ٢٠٠٥.أرشيف مدينة الرقمي
وبراءة المتورط في حياة لم يخترها.تماهي أحمد زكي في فيلم عاطف الطيب مع أحمد سبع الليل.المطيع. الخائف. "البرىء" براءة تستخدم في ماكينة القمع والتعذيب بدون فهم.والذي تحول في رحلة وعي موجعة إلى رمز أوسع لملايين تكتم مشاعرها في أجسادهم المنكمشة.والمترددة.مسلوبة الإرادة بالعين الموحية بالاستسلام وتخفي غضب سينفجر في نهاية الحكاية.
لم يكن أحمد زكي الصاعد من بين شقوق الطبقة الوسطى في عصر تفككها وانهياراتها هوالنموذج أو الرمز. كان بعيدًا عن السلطة بمعنييها الثقافي والسياسي وباحساس داخلي أنه قادم من عكس التيار السائد. وجوده قائم
التحدي.وذل حتى لحظة المرض. وقبلها بقليل لحظة الخوف من الإهمال والنسيان مع صعود (نجوم الحظ والمصادفة) في سينما السنوات الأولى من القرن الحالي.
الخوف دفعه إلى الاحتماء بسلطة الرموز السياسية. يستمد حضوره من طغيانهم في الذاكرة المعاصرة. ولأنه متطرف أصابه هوس تأميم الرموز كلها. بعد ناصر والسادات؛ كان حليم الذي أحياه غرام أحمد زكي وإصراره عليه حتى النفس الأخير. وبقيت أحلامه معلقة في تمثيل الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي ظهر في حلقات دراما تليفزيونية لعب فيها حسن يوسف دور الشيخ وقدمه في صورة ملاك مرسل من
سماء صافية. لا يفلت أحد من عشقه أو الغيرة منه. والراقصة التي قابلها في أول حياته وأقنعها بالتوبة وتحويل مرقصها إلى دار للأيتام. ثم قابلها من جديد وقد أفلتت من التوبة فعاقبها بنظرات صارمة دفعتها للرجوع إلى التوبة.
هذه الجاذبية تجاور صلاحه الأخلاقي، ونجاحه التجاري أيضًا. فهو على الرغم من كل عناده وتحديه لمؤسسات لها سطوة وقدرة على إبعاده عن طريق النجاح، الرئاسة في عصر عبد الناصر مثلاً، والأزهر التقليدي. استطاع أن يصعد ماليًّا وإعلاميًّا ويتربع على نجومية لم يحققها قبله أحد من مشايخ الأزهر أو الجماعات الإسلامية.
بل إنه الصورة التي يقدمها المجتمع عن نفسه. وليس قاسم أمين الذي قدمت سيرته على التليفزيون في الوقت نفسه، ويبدو فيها رومانسيًّا رقيقًا في الحب. وداعية لخروج المرأة من الحرملك. أي تحررها من العقاب على معصية ارتكبتها منذ الخليقة وحبسها الرجل عقابًا أبديًّا لها. قاسم أمين يسير عكس الشعراوي. كما أن جاذبيته الجنسية نوع من رجولة فرسان القرن التاسع عشر الشعراء الرومانتيكيين. وهي جاذبية مختلفة تمامًا عن جاذبية المشايخ والتجار.
تمتزج التقوى بالمال، والجنس بالتوبة،في نموذج شعبي لأسطورة الشيخ الوحيد بين الشيوخ المعاصرين إلى ولي له مولد
ومقام يحج إليه الناس. إنه صاحب الشهرة العريضة في حجاب الفنانات. بدأت شهرته مع شادية. ثم تتالت النجمات. والغريب أن الشيخ لم يكن يمانع من ارتباط اسمه بنجمات الفن، فدراما الشعراوي تكتمل بسلطته التي يتحول بها الفن إلى ذنب يعتذر عنه، وهو ما يسمى بالتوبة التي هي نتاج لقاء غير جنسي بين الشيخ الدونچوان والراقصة القلقة. التوبة هنا إعلان مضمر بأن الفن خطيئة. وانحراف عن العلاقة مع الله. والتائب هو رتبة بديلة/ تعويض للنجومية. يشارك في صنعها مندوبو الله على الأرض محصنين بقوة الثقافة المحافظة المرتبكة أمام الفن. والتوبة إعلان لانتصارها على كل
ما غيرته الثقافة الحديثة، وسلبت به أجزاء كبيرة من السلطة التي كانت للمشايخ وكل رموز الثقافة القديمة. التوبة هي فعل رمزي يحول رغبة في السيطرة الكاملة على المجتمع إلى واقع.
لهذا كان غريبًا إذن أن يحلم أحمد زكي بتمثيل الشعراوي. خاصة أنه كان من المتوقع ألا يسمح له بالخروج عن الصورة النمطية للشيخ. لكن يبدو أن أحمد زكي أعجبته لعبة تقمص الشخصيات الكبيرة، أكثر من التمثيل نفسه، ربما خوفًا من النسيان. ورغبة في الخلود داخل اللحظة المرتبكة، أعادته إلى الثقافة المسيطرة،والعواطف الجماعية.وبشكل ما قادته تلك الرغبة إلى التماهي مع سلطة اللحظة الراهنة
إلى درجة الإعلان عن رغبته في تقديم فيلم عن "الضربة الجوية" وبطلها الرئيس مبارك.
كانت لحظة المرض مناسبة لكي تقام جسور بين النجم الأسمر والسلطة. اتصالات واهتمام وطائرة. والرئيس حاضر في التفاصيل، يقنعه بالسفر، ويطمئن على جرعات الدواء. أحمد زكي ابن الجميع يلقى رعاية من الرئيس (الأب للجميع).
إنها مصالحة الموت. الذوبان في تيار التدين العام. تنشر الصحف عن زيارات شيخ من الدعاة الجدد له في أثناء مرضه. خرج الشيخ من غرفة أحمد زكيليقول إنه قرأ عليه دعاء التوبة، وأحمد ردده خلفه. قالت الصحف
أيضًا إن أقرب شخصية في أيامه الأخيرة كان خادم مسجد المستشفى.
استسلام لرغبة الخلود. وطقوس موت جاهزة. واحتفاء لا يختلف عليه اثنين. على الرغم من أن حياة أحمد كانت موضع اختلاف، وكان هذا سر توهجها ربما.
6
بطل على سحابة من القطن
سمع خبطات ضعيفة على باب غرفته.
سأل بصوت ملول "مين!؟".
"أنا عبد الحليم".
ثار أحمد زكي وخبط على الباب بقوة من الناحية الأخرى "امشي يا سعيد صالح يا ابن الـ…". كان عبد الحليم حافظ بالفعل يقف أمام باب غرفة
أحمد زكي في مسرح الحرية بباب اللوق. وقتها كان في (مدرسة المشاغبين). ممثل من نوع لم يتعود الجمهور الواسع على نجوميته، وهذا هو عبد الحليم حافظ نجم النجوم. في الزيارة الأولى للمسرحية كان عبد الحليم بصحبة أمير من أمراء الخليج وبعد انتهاء العرض، زار النجوم في غرفهم إلا أحمد زكي، غضب أحمد، وبكى.
عرف عبد الحليم، فذهب في اليوم التالي ودون موعد دق باب أحمد زكي الذي كان مطاردًا من دعابات سعيد صالح وعادل إمام اللذين يتصلان بهفي التليفون "ازيك يا أحمد أنا رمسيس نجيب وعايز آجي أوقع عقد فيلم
جديد معاك".
يطير أحمد من على الأرض.. ويدق باب الغرفة..
"مين؟".
"أنا رمسيس نجيب".
يأتي الصوت من الخارج، فيجري أحمد زكي ليفتح باب المجد، ويفاجأ بسعيد أو عادل، وهما في وصلة ضحك عالية.
"والله أنا عبد الحليم..".
لم يتأكد أحمد إلا عندما سمع صوت فؤاد معوض (صديقه وصديق حليم والشهير بفرفور) وهو يقول له "افتح يا زكاوة"، فتح أحمد الباب ليأخذه عبد الحليم بين أحضانه "كدا تزعل مني..دا احنا بلديات"، وقبل أن تنتهي الزيارة مال عبد الحليم على أذن أحمد زكي
"لازم تيجي البيت".
أغلق أحمد زكي باب حجرة السطوح بهدوء. كان يشعر أنه يسير على سحابة من القطن. أخيرًا سيصعد إلى بيت ابن بلده اللامع في سماء أم الدنيا، ويقترب منه. ليرى أين يعيش الآن وهو يكاد يلمس النجوم بأطراف أصابعه، وهو الذي مر كثيرًا على الملجأ الذي تربى فيه عبد الحليم في الزقازيق.
عبد الحليم الوحيد من أخوته الذي عاش في معسكر الأيتام. كان هذا أفضل ربما من الزحام في بيت خاله (متولي عماشة). لأن الرحلة من قرية الحلوات المنسية على أي نوع من الخرائط. كانت رحلة إلى شيء أكبر لم يتوقعه الطفل المنكسر الذي ماتت أمه بعد أسبوع
وأبيه بعد ٣ سنوات من مولده. هناك تعلم الطفل عبد الحليم حرفة واحدة: تصليح كاوتش الدراجات. لكنه ولد مرة ثانية في سنة ١٩٤٩ ولم يكن عمره قد وصل إلى العشرين حين تخرج في معهد الموسيقى العربية. في السنة نفسها ولد أحمد زكي. وعندما أصبح أحمد في الثالثة من عمره لم يكن طبعًا سمع اسم ولا صوت عبد الحليم شبانة الذي كان يحترف الظهور بالصوت فقط في أفلام السينما. غنى بدلاً من الممثل الهندي سابو في الدبلچة العربية لفيلم (علاء الدين والمصباح السحري)، ثم على صورة الممثل الفرنسي فرناندلفي (علي بابا والأربعين حرامي)، قبل أن يغني على صورة كمال الشناوي في فيلم
حليم رمز الرومانسية الآمنة التي يمكن العودة إليها في كل وقت.
الصورة من أرشيف مدينة الرقمي
(ظلموني الناس). هذه محاولات للخروج إلى عالم الأضواء، فاليتيم لمع في أناشيد الملجأ. وإسماعيل الأخ العاشق للطرب صحبه معه إلى معهد الموسيقى ليعزف الأبوا، آلة غريبة تحتاج مجهودًا أكبر من إمكانات يتيم تربى على الوجبات المحدودة. وأكلت منه البلهارسيا نصف قوته ومنحته لون بشرة مميزًا. وقد جعل منه المرض اللعين بعد سنوات من الدخول إلى عالم الأضواء أسطورة شبيهة بالسرطان الذي لعب مع أحمد زكي لعبة الموت.
عبد الحليم خرج من شرنقة اليتيم مكسور الجناح، بينما كانت الشرنقةتلتف حول أحمد زكي الذي مات أبوه وعمره سنة، وتزوجت أمه
من رجل غريب. وقتها لم يعد له بيت، عاش في بيوت كثيرة. بيت جدته، بيت خاله (مثل عبد الحليم)، كل هذه البيوت لونها رمادي، لون الحياد، لون مشاعر التعاطف والشفقة.
"ترى ما لون بيت عبد الحليم حافظ؟" لم يفكر أحمد في السؤال، لكنه ألقى نفسه في الطريق كمن يذهب إلى موعد مع سعادة مجهولة.
7
بطل الخطر الرومانسي وقسوته
قابلها في بيت نجاة. كانت جزءًا من شعوره بالعائلة في تلك الليلة. هي سعاد حسني على أول عتبة في عالمالفن، وهو عبد الحليم الذي يخاف من النوم بالليل. لأنه عاش تجربة قريب له
مات وهو نائم. فكان يخاف الموت، ويبقى سهرانًا طول الليل. يبحث عن أصدقاء. ويقيم سهرات حتى لا يغفو قبل طلوع النهار واستيقاظ أهل البيت.
ليلتها ربما شعر بها حبيبة صغيرة يمكنه أن يعلمها المشي على جسر النجوم. عرفها بالصحافة وأعطاها الدروس الأولى في العلاقة بين الفنان والجمهور. وشعرت هي تجاهه بأمومة ناقصة، سيطرت على عبد الحليم فكرة الامتلاك، كان من النجوم الذين يخافون الزواج كي لا يخسروا المعجبات، وكانت هي منطلقة بلا فرامل تريد الحياة. أحمد زكي يشبه سعاد حسني في عشق الحياةبلا حسابات. يشبهها أيضًا في الهوس بالتمثيل وفي الفطرية المتوحشة
وفي تركيبة نفسية متطرفة تعتصر ذاتها في لحظة حسيَّة مشحونة لتصل إلى ذروة النشوة. هكذا ذهب (الكرنك) بسعاد حسني إلى حافة النجاح وبأحمد زكي إلى حافة الانتحار. هكذا طارت سعاد حسني من شرفة البناية الغامضة في لندن، ليلة ٢٢ يونيو، يوم ميلاد عبد الحليم، لكنها المصادفة التي تتفوق على أي موعد.
لم يكن حليم هو الحبيب الخالد لـ(سوسو) كما كان يناديها، لم يستطع هو أن يقف أمامها في فيلم "الاختيار" (إخراج يوسف شاهين). كان يريد الغناء. وخاف من صدمة الجمهورحينما يراه في شخصيتين متناقضتين. وكذلك رفضت سعاد حسني أن تلعب دور
البنت المغلوبة على أمرها المنتظرة ببراءة حبيبها المهاجر إلى أحضان الراقصة في (أبي فوق الشجرة) أرادت سعاد أن تكون الراقصة، ولم يتحمل حليم صدقها وإحساسها العفوي بقوة الراقصة وتفاهة المحبوبة الساذجة. هنا أيضاً تلتقي سعاد حسني مع أحمد زكي أكثر من عبد الحليم.
على باب المسرح التفت إليه وابتسم، تحوَّلت الابتسامة إلى ضحكة كبيرة.
وقبل أن تخرج كلمة من أحمد زكي، أكمل صلاح جاهين طريقه، وأحمد وصل قبل ٩٠ يومًا من الزقازيق؛ طالبًا في أولى معهد. يقف وسط طابور طويل في مشاهد صامتة ضمن استعراض كبيرهز الدنيا وقتها اسمه "القاهرة في
مع سعاد حسني الذي كان يعتبرها شبيهته، في (هو وهي) المسلسل الذي كتبه الأب الروحي صلاح جاهين.
في ألف عام".كان صلاح جاهين المؤلف، والمخرج ألماني أعجبه حماس أحمد زكي في الأدوار الصغيرة واختاره ليكون بطل العرض (صحفي يستعرض محطات تاريخ القاهرة). لكن سعيد أبو بكر (الممثل ومدير المسرح وقتها) رفض. غير المخرج لم يحزن سوى صلاح جاهين على طيران الفرصة من الولد أحمد زكي. هكذا أصبح جاهين الأب الروحي لأحمد زكي.
وصلاح جاهين شخصية ملهمة تلعب أدورًا غير متوقعة مع المقربين منه، يسأله المذيع الشهير طاهر أبو زيد في برنامج إذاعي "عملت كل حاجة.. نفسك تعمل إيه لسه؟".أجابه صلاح جاهين بسرعة لافتة "نفسي أرقص باليه"
كان صلاح جاهين يحب عبد الناصر الذي يلبس قميص نصف كم ويقف على بوابات المدينة المنهكة.
ارتفعت ضحكات الجميع في الاستوديو إلا هو، فلم يكن يطلق دعابة من وجهة نظره، بل كان يتكلم عن شعور داخلي بخفة الروح يدفعه إلى الطيران. هذا هو صلاح جاهين شريك عبد الحليم حافظ في ظاهرة أغاني الثورة.
كان صلاح يحب عبد الناصر الذي يلبس قميص نصف كم ويقف على بوابات المدينة المنهكة يدفع الناس إلى عالم جديد. عبد الناصر المبتسم الذي جعل الأشخاص العاديين يحلمون بمكان بارز في العالم.
تبدو أغانيه الآن قاسية، مؤلمة. لأنها بعد فوات زمنها لايتبقى منها سوى مساهمتها في صنع أوهام فاتنة حول السلطة.
صلاح جاهين بعد سنوات الشراكة مع عبد الحليم، كان موهوبًا في الهروب من السجون الأنيقة، موهوبًا في أبوة روحية قادت أحمد زكي إلى عالم مختلف. يجلس صلاح جاهين على كرسي فخم وباتزان أب محنك يغرقك بخبراته في الحياة ويلقي عليه خطبًا عصماء من نصائحه الذهبية وقبل أن ينتهي بقليل يمكن أن يرقص معه أو يترك نفسه ليقوده إلى مغامرة تدمر فيها كل ما قاله.
هكذا عاش أحمد زكي في بيت شريك حليم. وبعد سنوات كان عبد الحليم نموذج عصر كامل في فيلم (زوجة رجل مهم) لمحمد خان بجسد منتصب انتصاباً مفرطاً،وصوت قادم من سراديب
عميقة في نرجسية مطحونة.وتتماهي مع الانتقام عن طريق شفط كل قدرات السلطة في فرم الآخرين بمجرد نظرة أو حركة من الجسد المشدود بالتوتر. كان أحمد زكي بصورته على الشاشة رمز عصر آخر. يتيمان.في لعبة مثيرة على دور الرمز لمصر. الضابط الأسمر غادر موقع الضحية ويريد مشاركة نصيبه من سلطة تقهر الآخرين والحالمين.تخضعهم للأمر الواقع.وذلك عبر مشاعر مدعومة بالكامل من موقعه في السلطة، وحين يجبر على مغادرته تنكشف هشاشته.مهزوماً ومغترباً لكنها هزيمة واغتراب عن حبيبته المسحورة في أغاني عبد الحليم وزمنه.والمسجونة في قبضة الرجل المهم الذي يقتلها ثم يقتل نفسه
حين ينظر للمرآة.
رومانسية عبد الحليم تحت رعاية البطريرك الناصري. بلا حواس. ولا رغبات طاغية. رومانسية منزوعة الغريزة بلا شطحات للجسد.رومانسية آمنة يمكنها أن تعود في أي وقت. وتصبح بداية حلم أحمد زكي، العاشق المنهك، الباحث عن مكان، المطارد، المكسور، العنيف، الحنون في الوقت نفسه.هو بواقي حلم الحالمين في زمن الانقضاض على حلم البطريرك.هو تجسيد للخطر الرومانسي وقسوته. تخيل مثلاً أحمد زكي يقف على سطوح بيت متواضع في حي منسي على حدودالقاهرة يغني "قولو له قولو له الحقيقة..."وخلفه كورس من أصوات
وغير مدربة من أبناء الحي، وفي الخلفية موسيقى ركيكة، وأضواء وفضاء مفتوح.
تخيل أيضاً أحمد زكي في مكان عبد الحليم الذي ذهب إلى فرح ابنة الصول مصطفى. كان الصول يوقف الإشارة عندما يمر عبد الحليم بسيارات المميزة، يترك مصطفى مكانه ليسلم على العندليب. وذات مرة دعاه إلى زفاف ابنته، كتب عبد الحليم العنوان (باب البحر) على ورقة كاد أن ينساها، وفي ليلتها فوجئ الصول مصطفى بسيارة عبد الحليم يتقدمها موكب الأطفال التقليدي، صعد عبد الحليم وغنىالمشهد جعلني أعود إلى سماع عبد الحليم بعد مقاطعة سنوات. ليس هذا فقط بل إن (رجاء) - زوجتي طيلة ١٧عامًا- عندما
استيقظت نهار عيد ميلادها وجدت على مرآة الحمام تحت توقيعي "اتقابلنا والحياة قدام عينينا حلوة".
8
بطل الانسجام المكسور
قبل المرض لم يكن أحمد زكي استقر في موقع الأسطورة، كانت له رحلة طويلة من البطولة، بدأها بأدوار الهامش إلى قمة النجومية. رحلة تقوم على الموهبة، عصية على التكرار أو تشكيل وعي الناس العادية بمكانها من العالم وموقعها وثقافتها. المرض هو ما حوَّلأحمد إلى أسطورة. حوَّله إلى "ابن الجميع". هي أقرب إلى "مصالحة الموت". الموهوب الخارج على التقاليد العصي على التصنيف في علبة اجتماعية،
نجم ضد المواصفات القياسية، خارج عن الأعراف. يختلف عن عبد الحليم جامع القيم، ورمزها. موحِّد الأخلاق والمشاعر والمنتمي إلى عصر "الكل في واحد".
مشهد النهاية بدأ بصورة جرافيك لعبد الحليم خلف مقعد كبير غاص فيه شخص متعب جدًا. لمعان العين يقاوم بصعوبة. وطاقة ما تتوهج لتمنحه قوة الوقوف والكلام الحماسي. أسمع إيقاع اللهاث في أرجاء القاعة الكبيرة في الفندق على النيل. إيقاع يخفي كل الأصوات المحيطة. ويمنح المكان شكل فضاء متسع فارغ، على الرغم من كل هؤلاء الممسوسين بالحنين والعواطف الجياشة.قابل الجمهور ظهوره على
المسرح بحالة هستيرية. زغرودة حنان ترك. وصراخ البنات. وصفارات الإعجاب. والتصفيق. وحالة غريبة من الشعور بالفرح.
حكى أحمد زكي عن البلهارسيا. وقلَّد حليم في لحظات "السهتنة". كيف سيقدم أحمد زكي عبد الحليم؟ سيقلده؟ سيذوب في نموذجه المستقر؟! سيمد خيطًا يصل بين الحكايتين؟! لم يسأل أحد. كان هناك شعور غامض بالفرح. هوس بعودة أحمد زكي من الجولات الأولى مع الوحش المقيم تحت جلده. هل هناك دراما في حكاية عبد الحليم؟. لم يسأل أحد كان الجو احتفاليًّا، انطلقت الرومانتيكية المخزونة في قاعة الفندق الكبير.
ربما هذا هو الفيلم هو العلاقة بين أحمد زكي وعبد الحليم.. قصة ما حدث لحظة وصول اليتيم الأول إلى القاهرة، وحتى لحظة صعود اليتيم الثاني ليعلن أنه عاد من أجل حليم..هل تشبه عودة العدمي المكسور بأحلامه في "ضد الحكومة" بعد أن أيقظته الأبوه وجعلته يواجه من اجل إبن اكتشف بنوته؟ هذه هي الحكاية.
9
بطل تحت خيمة سوداء
يا لها من لعبة غريبة.
اختفى أحمد زكي في قبو، كأن هذا إتقان للتمثيل، كان يريد جنازة حقيقية، فيلمًا يكاد يكون واقعيًا. وحده يضحك الآن؟ ينفجر من الغضب؟ حوله أكثر
من مخرج للمششهد الأخير في عمره.هذا مخرج ميلودرامي يعيد إليه أمه بعد مقاطعة عشرين عامًا، تركته وحيدًا ويتيمًا في بيت خاله، في رعاية آخرين لا يبخلون بشفقة وعطف. مشاعر محايدة، رمادي، لا شيء خارج اللياقة المصنوعة. وهذا مخرج آخر تجاري لعب على تسويق نهايته التي يشبه فيها عبد الحليم حافظ. كلاهما من المكان نفسه (محافظة الشرقية). يجمعهما اليتم والبلهارسيا، والوحدة المؤلمة على الرغم من الجمهور الواسع. وها هو يغيب قبل يوم من ذكرى حليم. بعد قصة مصورة على سرير المرض انتهت في الربيع. وصلة من الرومانتيكية والمشاعر المتطرفة.
لأنه خاف من الوحدة احتمى أحمد زكي بأصدقائه،هنا مع فاروق الفيشاوي في حفل أقامه سامي العدل مجلة الموعد ١٩٩٦ - أرشيف مدينة الرقمي
كل مخرجي مشهد النهاية أحاطوا بأحمد زكي. أحبوه، وانطلقوا جميعًا من محبة فياضة. احتاجوا إليها ربما أكثر من احتياجه هو. حتى الذي كان يلح على تليفون الرئيس، وطائرة الرئيس ورعاية الرئيس، كل المخرجين الذين أسهموا في الفيلم الأخير اقتربوا بدرجة ما من أحمد زكي، اليتيم، الباحث عن اعتراف كبير، المتشبث بحياة كانت مؤلمة وممتعة، طول الوقت، لم يستطع غالبًا اقتناص متعة دون ألم، أو بيت دون انفجار يدمر مشروع العائلة. فقد ظل فندقيًّا، وتصور أحيانًا أنه مركز للعالم، يتكلم وكأنه يعرف أكثر من كل الناس كلامًا مهمًا فخمًا يشبه الخطب، لكن في الخلفية ظلت روحه تتسرب بطريقة
غامضة لا يحسبها هو نفسه، بينما هي سره الخالص.
في الأيام الأخيرة لم يعد أحمد زكي يرى إلا الظلام، أسبوع في خيمة سوداء، ضحك فيها على كل من حوله، يستيقظ في الصباح ويطلب تشغيل التليفزيون، يطلب نظارته والصحيفة، وعندما يقترب صديق يعرفه من صوته يبالغ في التعرف إليه، يقبِّله من كتفه. تنجح اللعبة، ويوهم أحمد زكي الجميع بأن عينه مازالت ترى، حتى اعترف. طلب خلوة مع الطبيب النفسي، ثم همس إليه "أشعر أنني ألعب دور طه حسين". قالها، ودخل في غيبوبة أخيرة.