هذه محاولة لفهم كيف يعيد الفن كتابة الحكاية، والدعبسة وراء أحمد زكي وكيف تصنع المدن أساطيرها، وربما الإجابة على سؤال: هل انتقمت عصابة النمور السمر على النجوم البيض؟!
"تيجي نعمل فيلم…" عندما وجه أحمد زكي هذه الكلمات لي في ختام ندوة أقامتها الصحيفة التي أعمل بها، كنت أتأمل طريقته في الكلام. يحاول أن يقول كلامًا كبيرًا جدًا، وأفكارًا يعتقد أنها عظيمة وفريدة جدًا. قررت أن أكون متفرجًا طيلة الندوة، أتابع ملامح وحركة كل متحدث. لم يكن كلام أحمد زكي كبيرًا ولا عظيمًا، بل أقرب إلى السذاجة المكررة. لكني تركت كل المتحدثين وتابعته. لم أركز فيما يقول. كنت أريد أن أتأمل حركات جسده، والطاقة التي تخرج منه، نظارته السوداء في عز الليل، قميصه الأسود والجاكت الأسود. لم نتبادل ولا كلمة.
فجأة، وسط زحام وناس كأننا كنا نتابع حوارًا قديمًا "إيه رأيك نعمل فيلم نكون احنا أبطاله ونختار البنت دي (وأشار إلى زميلتي دعاء سلطان) ونجيب قصادنا شوية عيال بيض زي حسين فهمي، ونفضل نضرب فيهم طول الفيلم؟". ارتفعت الضحكات عاليًا. اقترب منا المخرج داوود عبد السيد، فضمنا أحمد زكي إليه أنا ودعاء وسأل "إيه رأيك يا داوود في الأفيش دا؟".
احتفظت بالصورة التي التقطت في تلك اللحظة في مكان قريب من حركتي اليومية. ليس لأنها مع أحمد زكي، بل لأنها تذكرني بلحظة خارج البروتوكول.
لم نلتق قبل تلك اللحظة ولا بعدها. لكنه استسلم للحظة خارج إطار الكلام الكبير الذي حاول أن يكون جزءًا منه، استسلم لشيء طفولي دفعه إلى الإعلان الصريح عن لعبة الألوان بين البشر. إنه يريد أن تنتصر عصابة من النمور السمر. المنتصرون في ظل تيار من النجوم "البيض". وعي ما بموقعه في العالم، وعي عبر لون الجلد. وهو الآن وهنا على مقربة مني، يريد أن يلعب، لهذا أحب الصورة التي كنا نضحك فيها (أنا وأحمد زكي ودعاء) ضحكة عالية جدًا.
بعد أيام قليلة من هذا اللقاء عرف أحمد زكي أنه مصاب بسرطان الرئة.
1
بطل رغم جلده
لا أحب الأساطير. ربما أحب طريقة رولان بارت في تفكيكها. كل أسطورة تكشف مسارات معقدة في الحياة الجماعية. ثقافة الجموع، الوعي الجمعي، كل هذه المسميات والأهداف التي يشمر الباحثين كل أدواتهم في السير خلفها، هي محاولة تحرير للفرد من الأسطورة، أو بالتحديد تحويل للفرد من حالة الإله اللحظي إلى الإله المطلق.
منذ فترة لم نحتفل بأحد. لم نجعله أسطورة إنسانية. غرقنا طويلاً ونحن نبحث عن أساطير من الكتب المقدسة. منذ فترة لم نهتز لحكاية شخص عادي
نشرت نسخة أولية من السكتشات في مجلة سينما الباريسية عدد يوليو 2005. أرشيف مدينة الرقمي
كما حدث مع أحمد زكي.. أصبحت الأساطير شحيحة بعد الستينيات، خاصة تلك التي تصنعها السينما. لأن الأسطورة تختلف عن النجومية التي تصنعها الموهبة.الأسطورة يصنعها المجتمع. تتداخل حكايته الشخصية مع موهبته الفنية ليصبح جزءًا من حكاية المجتمع عن نفسه.وملامحه وحركة جسده تتحول إلي خطاب ينتج المعنى والرمز .
في محاولتي المتعثرة في السير خلف أساطير الحياة المعاصرة في مصر، كتبت عدة مرات مشاهد عن أحمد زكي، محاولات أقرب إلى الدراسة الفنية، السكتش، وعلى مراحل، في وقت كنت أفكر فيه كيف تخلق المدن أساطيرها.
أحمد زكي أسطورة قاهرية.وعلى الرغم
من نجوميته الطاغية فقد ظل مرتبطًا بلون بشرته (النجم الأسمر). اللون شريكه في الأسطورة. هو ليس فقط "وحش تمثيل" كما يقولون في مديح موهبته، بل هو أسمر. أي استثناء، كسر قواعد وتقاليد نجومية تتوارث فيها مواصفات وسامة تنتمي إلى صورتنا عن أنفسنا كقرين للمستعمر الذي نود أن نشبهه أكثر مما نشبه ذواتنا. ومحاولتنا للتحرر السياسي حعلت من عبد الحليم (عندليبًا أسمر). اللون علامة الخصوصية المصرية "سمار الشمس.. طمي النيل.. إلخ". اللون هو الدرجة الخفيفة من الأسود. والمنطقة بين سيادة الأبيض وعبودية الأسود. وهو جزء يشير إلى مفارقة الصورة النمطية للسيادة،
كان أحمد زكي يتلبس الشخصية كالممسوس. الصورة من مجلة سينما ٢٠٠٥، أرشيف مدينة الرقمي