من ملاعب كرة القدم حتى ميادين السياسة والحياة كلها ماذا يفعل انتظار الأدرينالين الجماعي؟ متى يتحول من وعد بالنجاة إلى خيبة جماعية؟ ولماذا نكرر الاشتعال نفسه، ثم نندهش كل مرة من البرودة المفاجئة؟
كيف تبدأ القصص الحزينة؟
عادةً من انتظار المعجزة رغم العجز، وهو ما حدث تمامًا في طنجة حين شعرنا بأن منتخب كرة القدم صنع المعجزة في أغادير مع منتخب كوت ديڤوار. وانتظرنا استمرار التفوق مع السنغال، مع أنه نفس الفريق الذي لم يتوقع أحد، لا المدرب ولا اللاعبين ولا الجمهور أن يصل إلى المربع الذهبي.
القصة الحزينة لم تبدأ في طنجة لكنها من تاريخ طويل من انتظارنا أن يحل الأدرينالين محل الحياة والقدرات والمهارات والتخطيط والبناء.
نتوارث القصص بنفس حزنها مع اختلاف الدرجات كما لو كانت وديعة
فيها سر الحياة، نحافظ بها على وضع معقد جدًا حيث لاشيء يكتمل… ولا شيء ينهار. تاريخ طويل من العيش في الطواريء. مجتمع لا يثق في المستقبل. لا يملك مسارات واضحة للنمو والتطور. يعيش على مفاجآت، لا على خطط. ويتعامل مع الأدرينالين كبديل عن كل شيء. عن المشروع، وعن البناء، وعن الزمن الطويل.
الأدرينالين هرمون ينتمي إلى عائلة الدوبامين "الرسول الكيميائي" (أو الناقل العصبي حسب الأوصاف العلمية) الذي يصنعه الجسم ويلعب دورًا أساسيًّا في الشعور بالمتعة والمكافأة، ويؤثر على المزاج، والحركة، والانتباه، والتركيز،
والذاكرة، ويشارك في التحفيز، وغالبًا ما يسمى "هرمون السعادة".
الأدرينالين أيضًا "رسول كيميائي" يسبق الدوبامين ويؤدي إليه. يُفرز أساسًا من الغدة الكظرية عندما يتعرض الجسم للخطر أو التوتر أو المفاجأة. يسرع ضربات القلب. يرفع ضغط الدم. يوسِّع الشعب الهوائية. يزيد تدفق الدم إلى العضلات. يحد مؤقتًا من الإحساس بالألم. والأهم أنه يجعلك أكثر تركيزًا على التهديد أو المهمة. وعلى مستوى آخر يثبِّت الأحداث العاطفية في الذاكرة، وهو السبب وراء تذكرنا لحوادث صادمة بشكل واضح. لهذا يسمى الأدرينالين أحيانًا "هرمون
الكر والفر" لأنه يرتبط بالنجاة أي باللحظات الاستثنائية. بعدها يطرده الجسم من الدم عبر التحلل في الكبد والكلى. والأبحاث تقول إن الإفراز المزمن (التوتر المستمر) يمكن أن يؤدي إلى مشكلات مثل ارتفاع ضغط الدم، أو اضطرابات النوم، أو إرهاق القلب... وغالبًا الموت.
1. الأدرينالين المكسور
الهزيمة في طنجة جاءت هادئة على غير ما كنا نتوقع. منتخب مصر خسر أمام السنغال في نصف نهائي كأس أمم أفريقيا، ومع صفارة النهاية لم تنفجر المدينة، بل انطفأت قليلاً.
المقاهي التي كانت تمتلئ قبل ساعات
الترقب الذي يصنعه الأدرينالين يعلو سريعًا ويبرد سريعًا فيخفت صوت الجماهير على المقاهي
بالصراخ والتوقعات خفت صوتها، الشوارع ابتلعت خيبتها سريعًا، وبدأت مرحلة مألوفة: تفسير... تبرير... فانسحاب جماعي من الإحساس مشبعة بكل ما في دولاب الكمكمة من مشاعر شوفينية تافهة تعوِّض الفشل وتمجده.
هزيمة طنجة قصة حزينة جديدة.
لكنها أكثر بهتانًا من سابقاتها، غالبًا لأن مخزون الأدرينالين الجماعي فقد صلاحيته بعد أكثر من ١٥ سنة تعيش فيها كرة القدم دون جمهور... المخزون الطبيعي للأدرينالين الجماعي الذي تحول إلى مصدر خطر بعد ثورة يناير ٢٠١١.
كل الأنظمة السابقة كانت تستفيد من الأدرينالين الجماعي، بل وتحشد كل أدواتها لتحفيزه، خصوصًا في ملاعب الكرة ليغطي على العجز والفشل والشعور المزمن بالخذلان من الوعود بالرخاء والتقدم. ومنذ أدرك ضباط يوليو سحر الجمهور الكبير في الملاعب. أصبحت كرة القدم أداة حكم وتوجيه يدبر أو يدير مواسم الأدرينالين الجماعي؛ بخاصة أن النوع المصري منه ينتهي ببرودة مفاجئة شوقًا وولعًا بعودة الجميع إلى الحياة اليومية.
لا يثق الجمهور في الزمن. يدخل كل التحديات الكبرى بمنطق "إما الآن… أو لا شيء".
كل لحظة انتصار هي لحظة خاطفة. مسروقة. عابرة. وإذا لم يتحقق فيها كل شيء لا نحتمل شروط اكتمالها. معروف أن من لا يثق في الزمن يندفع. يستهلك نفسه. يطلب المعجزة. وهذا ما ختمنا به مرحلة طويلة من انتظار الأدرينالين الجماعي في ثورة يناير بشعور الخيبة من عدم تحقق المعجزة. والرد كان الانتقال من الانفعال الصاخب إلى البرودة المفاجئة وتسارع العودة إلى الحياة اليومية. علامة الثقة في "استقرارنا" و"استمرارنا" ولو في بركة عطنة.
كان من بين أدوات السيطرة عند النظام المنتصر بعد يناير محاصرة الأدرينالين