علاقة قوية ربطت بين محمود رحمي فنان العرائس مخترع شخصيات مسلسل بوجي وطمطم، وبين الشاعر صلاح جاهين ليس مبدأها أنهما من الإسكندرية!
متى بدأ عرض بوجي وطمطم؟
وكيف تحول إلى أيقونة رمضانية ثابتة؟ حين يأتي الحديث عن (بوجي وطمطم) سيكون الحديث عن المخرج محمود رحمي، مبتكر الشخصيات ومخرج العمل، والقليل عن صلاح جاهين فيما يخص هذا العمل بالذات. واليوم نسلط الضوء على علاقة صداقة وشراكة ربطت بين اثنين جمع بينهما حب الأطفال والعرائس. هل شاهدت مسلسل “زيزينيا” لأسامة أنور عكاشة؟ إن فعلت فاعلم أن بشر عامر عبد الظاهر؛ الذي هو مفتاح السر وحل اللغز، هو في الأصل محمود محمد علي رحمي.
في كتاب المؤرخ عبد الرحمن الرافعي “ثورة 1919: تاريخ مصر القومي من
سنة 1914 إلى سنة 1921” نقع على اسم المواطن (محمد أفندي علي رحمي) ضمن الكثير من أسماء المغمورين الذين شاركوا في الثورة. تحكي لنا اليوميات التي سجلها الرافعي بدقة حكاية رحمي الأب الذي نشأ في المنيا. كانت الثورة في الوجه القبلي أشد منها في الوجه البحري، إذ طٌبعت في الجملة بطابع العنف، وبلغ من خطورتها أن انقطعت المواصلات تمامًا بين الوجه البحري والوجه القبلي.. وتألفت لجنة وطنية من أعيان المدينة والمديرية –ومنهم رحمي- للمحافظة على النظام والمصالح وأرواح الأجانب المقيمين بالمدينة.. حتى وصلت المنيا قوة عسكرية بريطانية، استقرت في
في ديوان المديرية، واستدعت أعضاء اللجنة الوطنية، ووجهت لهم تهمة اغتصاب سلطة الحكومة والتحريض على الاضطراب الذي وقع في المدينة. واعتُقِل ستة من أعضاء اللجنة منهم محمد رحمي وقُدِّموا للمحاكمة العسكرية بعد 15 يومًا، وحكم على رحمي الأب بالإعدام ثم خُفف الحكم بعد ذلك إلى ستة أشهر وغرامة 500 جنيهًا. درس الأب الحقوق في جامعة السوربون، وتزوج من سيدة سويسرية وأنجب منها، ثم عاد إلى مصر واستقر في الإسكندرية، وتزوج من فتاة مصرية أنجب منها محمود، الذي وُلِد عام 1939 في حي شوتس الذي يخترق حي زيزينيا من أوله لآخره.
مات رحمي الأب وعمر محمود ثلاث سنوات، وكانت لهم جارة إيطالية اُعتقل زوجها وتركها وحيدة، فتبنت رحمي الابن وأخذته ليعيش معها في فيلتها المقابلة لبيتهم. استلهم عكاشة (كما يروي رحمي) شخصية البطل الرئيسي لملحمته “زيزينيا” من حياة صديقه السكندري محمود رحمي، بالطبع مع إدخال الكثير من التعديلات. نصفه مصري ونصفه خواجة مثل بشر عامر عبد الظاهر! التحق محمود رحمي بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، وتتلمذ على يد النحات جمال السجيني، الذي ارتبط به واعتبره أبًا ثانيًا، وبرزت من السنة الإعدادية بالكلية مقدرته على نحت رؤوس
العرائس. وحين التقى جاهين برحمي للمرة الأولى لم يكن يعرف أن ذلك الطالب الشاب هو أحد الذين شاركوا في تنفيذ ونحت عرائس (الليلة الكبيرة) من تصميم ناجي شاكر. كان ذلك اللقاء في الإسكندرية حين حضر جاهين مع ناجي شاكر إلى كلية الفنون في أسبوع شباب الجامعات لمشاهدة المواهب الجديدة. عندما انتقل جمال السجيني إلى القاهرة، تبعه تلميذه رحمي، وفي القاهرة توطدت العلاقة بين رحمي وجاهين في مكتب الأخير في روز اليوسف. في ذلك الوقت (1964) كان جاهين مكلَّفًا من مسرح العرائس بعمل تصميمات لعرائس مسرحية جديدة اسمها (الطاحونة الحمرا).
وكان صلاح شغوفًا بأن يجسد العرائس بنفسه ويشارك في تنفيذها، لا أن يكتفي برسم التصميم فقط، فتعاون مع رحمي ليتعلم منه كيفية إعداد الحوامل وتثبيت الكتلة الطينية دون أن تنزلق، ومن ثَمّ بناء الرؤوس. هكذا أصبح الطفلان الكبيران صديقين، وأقام رحمي معرضه الأول في القاهرة بمساعدة جاهين، الذي أقرضه المال اللازم لذلك. ترك رحمي النحت، وترك العمل معيدًا بالكلية، والتحق بقسم العرائس في مبنى التليفزيون العربي، وفي البداية عمل لاعبًا (محرِّك عرائس) ثم مصممًا، ثم أصبح رئيسًا للقسم ومشرفًا عليه. وبدأ بالعمل مع المذيعة الجميلة
الرقيقة سلوى حجازي في برنامج عصافير الجنة.
كانت سلوى تكتب القصص التي تحكيها في الحلقات بنفسها، ويصمم هو العرائس المشاركة. وكانت الشخصية الرئيسية هي (أرنوب) ومعه أصدقاؤه الغزالة والنسر والفأر (فرفار). وأيضًا شخصية (عمو قاموس) وهو حكيم مسن، يجيب على تساؤلات الأطفال التي يرسلونها للبرنامج من جميع أنحاء الجمهورية عبر البريد. تزامنًا مع النجاح الكبير لعصافير الجنة (1969)، اتصل جاهين برحمي ليحل له مشكلة تنفيذ الأقنعة الخاصة بعمل ضخم هو أوبريت “القاهرة في ألف عام”.