محمد الكحلاوي ليس فقط هو صاحب أغنية لجل النبي الشهيرة.. طبقات أخرى تمتد إلى الغناء العاطفي والأفلام السينمائية قبل الدخول في كهف التدين!
جميعنا يعرف أغنية لجل النبي، وعليك سلام الله، وخصوصًا الأخيرة التي صُورت في جامع عمرو بن العاص ويذيعها التليفزيون المصري بشكل دائم.. الكحلاوي مطرب ديني معروف لنا بهاتين الأغنيتين، على الأقل لجيلي أنا، مع أن تجربته الفنية أكبر بكثير من معرفة جيلي، وأهم من حصرها في أغنية، أو في تجربة دينية، حتى لو كانت تلك رغبته.ذات مرة بالمصادفة سمعت شفيق جلال يحكي عن موال الصبر، وكيف غنَّاه بعد الكحلاوي، وعن قدرة الكحلاوي في غناء المواويل وتمكنه منها، وبعد سماعي لموال الصبر بصوت الكحلاوي؛ كان الأمر ستحق البحث
هذا النص هو مثال لنص يمكن أن يستبدل في نفس المساحة،
التنقيب وراءه..
ماذا حدث، وكيف وصل الأمر لذلك، وكيف لصوت بهذه الخصوصية والجمال ينحصر تاريخه في أغاني دينية فقط، على الرغم من تقديمه لأغلب قوالب الغناء بشكل جميل وعذب، سنحاول كشف ذلك، البحث داخل جاهلية الكحلاوي كما سماها بنفسه. الحديث الدائم أن الكحلاوي كان سببًا مهم في تطوير الأغنية الدينية، وأنه أسهم بشكل كبير في خروج الأغنية الدينية من شكل الإنشاد الديني وجعل لها نوتة موسيقية ولحنًا، أعتقد أن الأمر فيه مبالغة، فالجميع أسهموا في تطور الأغنية الدينية؛ رياض السنباطي قدم
أغاني دينية كثيرة مع أم كلثوم وبعيدًا عن أم كلثوم، لم يأتِ الكحلاوي بجديد، إلا إنه قدم الكثير من الأغاني الدينية، وربما ذلك أعطاه فضل أن ينسب له الإسهام الأكبر، لكنه بالتأكيد غير صحيح وغير منطقي. علينا الاعتراف أننا نعاني قصورًا واضحًا في تصوراتنا عن تاريخنا الفني، إذ لا يوجد تأريخ حقيقي دون تنقيح ورقابة، رقابة أخلاقية ومجتمعية وسياسية وعائلية، الجميع يبحث على المشهد بصورة مثالية، والمثالية هنا حسب ما يجتمع عليه الأغلبية والإعلام ويوافق هوى الشارع المصري. في سيرة الكحلاوي؛ الذي كان الابن المنشد أحمد أهم المساهمين في سردها، يجب أن
مدد يا نبي
تخرج القصة في شكل مثالي، وفيها اعتراف ضمني بما سبق دون الخوض في تفاصيل إلا لو كانت تفاصيل تساعد في ترسيخ الفكرة الرئيسية، الكحلاوي منشد ديني، اختار الإنشاد الديني، حياته ملتزمة، دون الخوض في حقائق ووقائع حدثت، لكنها يمكن أن تضع علامات استفهام حول الصورة المنشودة. وصف الكحلاوي أيامه قبل التدين بأنها أيام جاهلية، وتعامل معها باعتبارها غفلة في ملذات الحياة، هجر بيته في الزمالك وسكن في استراحة مسجد بناه في البساتين، تحدث بأن الوسط الفني يبحث عن المادة لا القيمة، تحدث عن الوسط الغنائي وكأنه ليس منهم..
هرب الكحلاوي من ماضيه، هروب الصياد من فريسته، يحج كل عام، حتى تخلد أسطورة إنه حج 40 مرة، لكن بعيدًا عن الأسباب الدينية، لماذا حدث كل هذا، على الرغم من غنائه أغاني دينية وقت غنائه للألوان الأخرى، لماذا هرب وتخلى عما قدمه؟!
هو ابن المدينة؛ القاهرة، حي باب الشعرية، على الرغم من مولده في منيا القمح، الشرقية عام 1912، وبوفاة والدته ثم والده وهو صغير، انتقل إلى الحياة مع خال الوالد، المطرب في ذلك الوقت، واضح إنه لم يكن مشهورًا بالشكل الكافي، فلم تصل إلينا أي تسجيلات أو معلومات عنه خارج
حكايات سيرة محمد الكحلاوي، وقد أخذ الكحلاوي ذلك الاسم من خاله فهو اسمه الحقيقي؛ محمد مرسي عبد اللطيف.. عاش طفولة منطلقة على الرغم من تزمت الكحلاوي الكبير، بدأت تشد سواعده، وانطلق في ممارسة كرة القدم والغناء، وعمل في مصلحة السكك الحديدية لفترة قبل أن يتركها ويتفرغ للفن. من النقاط المبهمة في مسيرته، الحديث عن إنه كان فتوة في بداياته، لما يتمتع به من بنيان جسدي قوي، لا يوجد تأكيد لهذه المعلومة إلا معلومات أخرى يمكن أن توضح الصورة ولو بشكل بسيط؛ يحكي الكحلاوي في برنامج أسماء وذكريات عن صديق له