وفقًا لألاعيب الزمان، وغموض يحيط بشخصيات يحب الناس أن يخلقوا منها أسطورة؛ مثلاً، لا أحد يعرف تحديدًا متى وُلد محمد عبد الوهاب، وعلى مدى عمر طويل من الغناء والموسيقى نكتشف أنه لم يضع عمره في الأوهام!
يا ورد يا أحمر قل لي.. قل لي دا مين جرَّحك جرَّح شفايفك وخلى.. على شفايفك دمك شُّقَّت جيوب الغزل وانبَّح صوت القبل على الشفاه التي تشرب من مهجتي يا ورد ليه الخجل؟ فيك يحلو الغزل.. يا ورد
من يجرؤ على أن يجرح الورد، الأحمر بالذات، ويخلي على شفايفه دمه… ثم يلاحقه فورًا، وبجرأة مدهشة، بالسبب؛ وهو أن جيوب الغزل شُقَّت من العنف، وأن صوت القُبَل بُحَّ من حرارتها، كل هذا على الشفاه تشرب، مباشرة، من مهجته؟! هذه الصورة حسيَّة ومتوحشة، أو على الأقل حارة، ويبدو أنها كانت معركة حامية…
محمد عبد الوهاب فتى القاهرة المدلل في الثلاثينيات
ومتوحشة، أو على الأقل حارة، ويبدو أنها كانت معركة حامية. في العادة لا يخاطب العاشق الناعم حبيبه هكذا؛ في العادة لا يواجه العاشق الورد الأحمر بهذا السؤال، خصوصًا لو كان يعرف الإجابة!
لكن لماذا لا نعترف مبدئيًّا، ثم نتصرف على هذا الأساس، أنه عندما يحلو الغزل لا داعي للخجل. هكذا ببساطة يغني محمد عبد الوهاب كلمات الشاعر اللبناني بشارة الخوري (١٨٨٥-١٩٦٨)، الذي تنازل وصفا، بعد رفض غاضب، وكتب قصيدة عامية خصيصًا ليغنيها عبد الوهاب، بنيَّة أن تُقرأ بالفصحى وتُغنّى بالعامية، فيستطيع أن يقول
مُبررًا إنه كتب قصيدة فصيحة لكن عبد الوهاب فعل بها ما فعل، وقد غناها، كالعادة، بلا أدنى مجهود.. راح للنسيم واشتكى.. جرَّح خدوده وبكى!
وُلِد في المدينة الفائرة
وفقًا لألاعيب الزمان المتكررة، والأجواء المغبشة التي تحيط بالشخصيات التي يحب الناس أن يخلقوا منها أسطورة؛ لا أحد يعرف تحديدًا متى وُلد محمد عبد الوهاب؛ تختلف الأقاويل بشأن تاريخ ميلاده بين ١٩٩٨، و١٩٠٢، و١٩١٠، المهم أنه كان صبيًّا في بدايات القرن العشرين.. في بدايات القرن العشرين كانت القاهرة مدينة عليها العين؛ وفيها يحدث كل شيء؛ بوادر النهضة التي لم
لم تكتمل، والتوسعات العمرانية التي ربطت أحياءها ببعضها بعضًا، فاتصل حي الضاهر بحي السيدة زينب والأزبكية، واتصل حي شبرا بالقاهرة، وبدأت خطط إنشاء الأحياء الجديدة كمصر الجديدة ١٩٠٤ والمعادي ١٩٠٧ إلخ.. وكانت هناك مقدمات الحرب الأولى، والمسارح والغناء؛ كانت "السلطانة" منيرة المهدية تغني في ملهاها "نزهة النفوس"، وكان مسرح عزيز عيد يقدم الروايات المسرحية، ثم كانت الثورة، وخروج النساء للتظاهر، والسفور، وكانت هناك الصحافة، والبغاء المقنن، والوزارات المتعاقبة والاغتيالات، والاختراع الجديد؛ السينما،
والسلطان "الحقيقي" ووزراؤه، ثم الملك ورجاله، وما خفي كان أعظم. كانت المدينة طرية، تتشكل وتفور وتبنى من جديد، في مرحلة المتون الكبرى. ما بين الميلاد؛ في باب الشعرية، لأب يعمل مؤذنًا لجامع سيدي الشعراني وأم أحبها كثيرًا وتأثر بها، والتشييع بجنازة عسكرية في ٥ مايو ١٩٩١ رحلة مزدحمة بكل شيء، الفن والنجاح والنساء والسياسة. عرف محمد الطفل ما يريد أن يفعله، ربما لم يكن يعلم بعد كيف يفعله؛ لكنه أدرك مبكرًا أنه فنان، وهو ما يحدث لكثيرين ولا يدرون به. واستمرت هذه الدراية طويلًا، في الحقيقة استمرت حتى النهاية.
وهي ما خلقت هذا الاسم المُحيِّر الموجب للتأمل والتوقف أمامه! انسحبت هذه الدراية على أشياء أخرى، فعرف ماذا يريد حقًا من الحياة، وسعى إليه، وحققه "كنت أشعر في قرارة نفسي بالنزوع إلى حياة الأضواء، حيث المسرح والجماهير" يبو وكأنه كان يريد من زمنه ذا أن يبلغه ما ليس يبلغه من نفسه الزمن.
لأن الفن أهم من كل شيء
يحكي محمد عبد الوهاب عن علاقته بالغة الأثر في حياته بأمير الشعراء أحمد شوقي "كان أبي… كان يناديني يا محمد… وكنت أناديه " يا باشا" لأن كل الناس كانت تناديه " يا باشا"