مدينة في صراع شرس للسيطرة على الحياة

تمهيد أولي حول فينومينولوجيا المدينة 5

مدينة في صراع شرس للسيطرة على الحياة

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

لحظة الحداثة لم تكن بالطبع هي لحظة اكتشاف المدينة لقدرتها على الإماتة، بل هي لحظة تفجر هذه القدرة إلى أبعاد غير مسبوقة!

سياسات المدينة وعلاقة نمط حضورها بالرحم
تناولنا بالتحليل علاقة فضاءات الرحم/المعمار، وكيف أدى ذلك إلى تدشين ظاهرة الخلود، وهو ما جعل المدينة، حتى قبل ظهورها، في غير حاجة إلى إبداء أي اهتمام خاص بمقاومة ظاهرة الموت، فبرغم أن المدينة ظهرت بينما لم يكن فضاء ما هو إنساني يحتفي إلا بالحياة، فإنها بالمقابل أسست تنظيمها الداخلي لمجال حضورها اعتمادًا على الموت بوصفه ما يتيح لها أن تعيد إنتاج ذاتها، ومن ثَم فهو ما يمنحها الفرصة لتجديد قواها ونشاطها، ومن هذه الزاوية سيبدو الموت (موتنا!) وكأنه يعزز فرص المدينة في الحياة..

فلولاه لاستيقظت المدينة ذات صباح وقد أصبح كل أفرادها غير قادرين على الاستجابة لما تطلبه منهم من حركة تملأ فضاءها وتحافظ على توازنه، وعلى هذا النحو ستستخدم المدينة الموت كأحد وسائلها في تنظيم ذاتها، ولقد عرضنا من قبل لإحصائية تقريبية عن الملايين الذين قتلتهم مدينة الحداثة من مواطنيها، وكما نعلم، فمدينة الحداثة هي أعلى مراحل التنظيم الذاتي للمدينة على وجه الإطلاق، غير أن لحظة الحداثة لم تكن بالطبع هي لحظة اكتشاف المدينة لقدرتها على الإماتة، بل هي لحظة تفجر هذه القدرة إلى أبعاد غير مسبوقة، فقبل المدينة كان قتل إنسان لآخر حادثا محدودا سواء وقع 

مدينة الحداثة هي أعلى مراحل التنظيم الذاتي للمدينة على وجه الإطلاق!

 بشكل فردي أم قامت به الجماعة على سبيل العقاب، أما المدينة فقد اخترعت حدث “الإعدام”، والذي لا تعد عملية القتل سوى جزء بسيط للغاية منه، مقابل تلك العمليات الطقسية التي توالي نشره داخل ترابطات الفضاء المعرفي لأفراد المدينة، بحيث تقدمه بوصفه حدثًا يمكن أن يطال أيا منا، وتحرص على إقحامه دائما في مجال حضورنا على نحو لا يمكن تجنبه أو تجاهله، بحيث تدشنه كأفق مشهر يؤطر أفعالنا ويحكمها. ولكن لم يكن للمدينة أن تحتفي بالموت على هذا النحو لولا علاقتها المستقرة بالرحم بوصفه ما يعيد إنتاج الحياة لأجلها،

ويهبها من ثَم خلودها الخاص.
وفي ضوء هذه العلاقة، وأيضًا بسببها، نشأ الصراع بين فراغ الرحم باعتباره نقطة أصل لظهور الحياة، وبين فضاء المدينة باعتباره مجال حضور هذه الحياة إن لم نقل مجال صنعها، ومن ثَم أصبحت المدينة تحتفي بتحديدين متعارضين لمواقع سكانها، إذ يترتب على كل منهما استحقاقات مختلفة. والتحديد الأول ينطلق من علاقة السكان بالفراغ الأصلي السابق لحضورهم، والذي صدر عنه هذا الحضور، وهو ما يظل بلا تغيير ما دامت نقطة الأصل هذه، أي الرحم، لا تتغير، والثاني يتشكل وفقًا لقدرتهم على العطاء وعلى الفعل والحركة لصالح 

فضاء المدينة والانتشار داخله، وهو تحديد متغير بالضرورة.
وقد كانت جمهورية أفلاطون هي أول محاولة للانتصار بالكامل للتحديد الذي ينبع من فضاء المدينة، بحيث أحالت الرحم إلى آلة إنتاج للحياة ينتهي دورها عند هذا الحد ثم تتوارى إلى الخلف بحيث لا تتمكن من تحقيق أي مسافة أو حضور أو ترابط مع الفرد الذي تنتجه، بل إن أفلاطون قد أعطى المدينة الحق في الموافقة أو عدم الموافقة على هبة الحياة التي تتلقاها من الرحم طبقًا لما يحقق فائدتها الخاصة، فهؤلاء الذين سيثبتون أنهم يمكن أن يكونوا نافعين للمدينة سيحظون بإمكانية احتوائهم داخل فضائها الذي يصنع

كانت جمهورية أفلاطون هي أول محاولة للانتصار بالكامل للتحديد الذي ينبع من فضاء المدينة

الحياة، أما البقية، سواء كانوا غير قادرين على تقديم الإثبات الكافي، أو أن المدينة لا تحتاجهم الآن، فينبغي أن يعبروا سريعًا نحو موتهم دون أن يزعجوا أحدًا، ودون أن يطالبوا بما لا يستحقونه من مأكل أو مأوى، فمجرد واقعة أنهم ولدوا، أو عبروا فراغ الرحم وصدروا عنه، لا يعطيهم الحق في أن ينالوا ما تملك المدينة وحدها أن تعطيه، وهنا تتحول نقطة الأصل، أي الرحم، إلى مجرد نقطة مرور إلى المدينة، كنقطة مرور فهي لا ترتب لمن يعبرها أي حقوق أو ضمانات، وهكذا، فاقتراح أفلاطون لا يحاول إحالة الرحم إلى آلة إنتاج للحياة وحسب، بل يحولنا نحن أيضًا إلى سلعة تنتج عبر هذه الآلة 

لصالح مستهلك محدد يملك أن يرفض استلام ما هو معيب منها. وبالنسبة لنا، قد يبدو اقتراح أفلاطون منطويًا على بشاعة وفظاعة أخلاقية لا تطاق، إذ أنه من غير الوارد أن يجد لنفسه مكانًا في العالم الواقعي، ولكن تاريخيًّا فإن مدينة الحداثة وهي تخوض ثورتها الصناعية أنتجت ما هو من الزاوية الأخلاقية أشد بشاعة من اقتراح أفلاطون بحيث احتفت بدعوات مشابهة تنادي بترك الفقراء للموت، إذ يمثل فائدة قصوى للمدينة عبر تنقية مجالها من أفراد لا يعملون، ولا يريدون أن يعملوا، ويرغبون في نفس الوقت  في الحصول على ما لا يحق لهم الحصول عليه من مأكل ومشرب، وصولا إلى دعوات 

اقرأ أيضاً

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

نساء القاهرة من المقابر إلى الكافيه

صراع الشريعة والقانون الحديث

صراع الشريعة والقانون الحديث

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

في حرب غزة عرفنا...كيف تقتل مدينة

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

من أنتم..؟تأملات في نرجسية القذافي

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

محاولة دخول إلى متاهة يوسف شاهين

تشوهات الحداثة القانونية 

تشوهات الحداثة القانونية