تبحث سوزان سونتاج في هذا المقال كيف واصل الجمال فقدان هيبته، وصار تدريجيًّا منسوبًا إلى المرأة فقط؛ الجنس الذي مهما كان جميلاً، يأتي في المرتبة الثانية
كان الجمال عند الإغريق فضيلة؛ نوعًا من التميز. آنذاك كان من المفترض أن يكون الأشخاص هم ما ينبغي أن نطلق عليهم الآن، بطريقة منقوصة وحسود، الأشخاص الكاملين. وإذا عنَّ للإغريق أن يميزوا بين "باطن" الشخص و"ظاهره"، كانوا يتوقعون بالضرورة أن الجمال الداخلي سيقابله جمال ظاهري.
وقد وجد الشباب الأثينيون ذوي الأصول العريقة الذين تجمعوا حول سقراط مفارقة واضحة في أن يكون بطلهم ذكيًا جدًا، وشجاعًا جدًا، وشريفًا جدًا، وقبيحًا جدًا في آن واحد. وكانت إحدى ممارسات سقراط التربوية الرئيسية أنه قبيح، ويعلم هؤلاء الأبرياء
لوحة فينوس وأدونيس، إلها الجمال عند الإغريق، للفنان بيتر بول روبنز ١٦٣٥
رائعي المظهر، بلا أدنى شك، من تلاميذه كم أن الحياة مليئة بالمفارقات. لكنهم ربما قاوموا درس سقراط، أما نحن فلا. وقد صرنا بعد عدة ألوف السنين، أكثر حذرًا تجاه سحر الجمال. نحن لا نفصل فقط، بسهولة كبيرة بين "الباطن" (الشخصية، الفكر) و"الظاهر" (المظهر الخارجي)؛ لكننا نتفاجأ بالفعل عندما يكون الشخص الجميل ذكيًّا وموهوبًا وجيدًا في الوقت نفسه.
بشكل جوهري حرم تأثير المسيحية الجمال من المكانة المركزية للتميز الإنساني التي تمتع بها في المُثُل الكلاسيكية. وذلك عبر قصر التميز (الفضائل باللاتينية) على الفضيلة
الأخلاقية فقط؛ فقد تعاملت المسيحية مع الجمال باعتباره افتتانًا سطحيًّا واعتباطيًا ومغتربًا. ثم واصل الجمال فقدان هيبته، ومنذ ما يقرب من قرنين من الزمان، صار معتادًا أن ننسب الجمال إلى واحد فقط من الجنسين: الجنس الذي، مهما كان جميلاً، يأتي دائمًا في المرتبة الثانية، [وهو المرأة]،
وقد كان ربط الجمال بالمرأة، سببًا في وضع الجمال في موقف دفاعي أخلاقيًّا.
بالإنجليزية نقول "امرأة جميلة"، لكننا نقول "رجل وسيم". - "الوسامة" هي المعادل الذكوري الرافض للمجاملة التي حُملت ببعض الدلالات المهينة التي اختصت بها النساء فقط..
إن وصف الرجل بـ"الجميل" بالفرنسية والإيطالية على سبيل المثال فذلك ولا بد يشير إلى أن البلدان الكاثوليكية - على عكس تلك البلدان التي كونتها نسخة بروتستانتية من المسيحية - لا تزال تحتفظ ببعض آثار الإعجاب الوثني بالجمال. لكن الفرق، إن وجد، هو في الدرجة فقط.
في كل دولة حديثة مسيحية أو ما بعد مسيحية، المرأة هي الجنس الجميل، يأتي ذلك على حساب فكرة الجمال، وكذلك على حساب المرأة. يُعتقد أن وصف المرأة بالجميلة أمر جوهري لشخصية المرأة واهتماماتها. (على نقيض الرجال الذين يتمثل جوهرهم في
كونهم أقوياء، أو فعالين، أو أكفاء) ولا يتطلب الحال شخصًا ذا وعي نسوي تقدمي ليفهم ذلك. والطريقة التي يتم بها تعليم النساء كيفية الاهتمام بالجمال تشجع النرجسية وتعزز التبعية وعدم النضج.
والجميع (رجالاً ونساءً) يعرفون ذلك. لأن "الجميع"، أي المجتمع بأكمله، هو الذي ربط الأنوثة بالاهتمام بالمظهر (على عكس الرجولة؛ التي عُرفت بأنها الاهتمام بما هو عليه، وما يفعله، وبشكل ثانوي فقط، ربما يوجد بعض الاهتمام بمظهر الشخص)، وبالنظر إلى هذه الصور النمطية، لا عجب أن يتمتع الجمال، في أحسن الأحوال، بسمعة
مشوشة إلى حد ما. بالطبع، لا يكمن الخطأ في الرغبة في أن تكون جميلة، بل الالتزام بأن تكون جميلة أو تحاول أن تكون جميلة.
إن ما تقبله معظم النساء باعتباره إضفاء للمثالية على جنسهن هو وسيلة لجعلهن يشعرن بالنقص عما هن عليه في الواقع - أو ما يصرن إليه عادة.
إذ يُطبق المثل الأعلى للجمال كشكل من أشكال اضطهاد الذات، إذ تعوَّد النساء على رؤية أجسادهن مقسمًا إلى أجزاء، وتقيمن كل جزء على حدة: الصدور، والأقدام، والوركين، والخصر، والرقبة، والعينين، والأنف، والبشرة، والشعر.. إلخ،
روبرت رد فورد وشاماته التي أنقذته من أن يكون "مجرد وجه جميل"
ويخضع كل جزء من هذه الأجزاء بدوره لفحص قلق، ومضطرب، ويائس في أغلب الأحيان.
وحتى لو نجح البعض في جمعهم، فسيظل البعض الآخر ناقصًا دائمًا. ولن تقبل بأقل من الكمال. أما المظهر الجميل عند الرجال فشيء كلي، يمكن استيعابه في لمح البصر، لا يحتاج إلى تأكيد من خلال قياسات مناطق مختلفة من الجسم؛ لا أحد يشجع الرجل على تشريح مظهره، ميزة بعد ميزة.
أما الكمال، فأمر تافه، وتقريبًا غير رجولي. في الواقع، فوجود عيب، أو عيب بسيط، عند الرجل ذي المظهر المثالي أمر مرغوب بل وإيجابي.
وفقًا لإحدى الناقدات السينمائيات من محبي روبرت ردفورد، فإن وجود مجموعة شامات ملونة على أحد خدي ردفورد هو ما أنقذه من مصير أن يكون مجرد "وجه جميل".
تخيل هنا حجم التقليل من قيمة المرأة، وكذلك من قيمة الجمال، الذي يتضمنه هذا الحكم.
يقول چون كوكتو: "للجمال امتيازات هائلة"، ومن المؤكد أن الجمال شكل من أشكال السلطة، كما أنه يستحق ذلك.
لكن المؤسف أن هذا هو الشكل الوحيد للسلطة الذي تُشجَع معظم النساء على السعي إليه، إذ تُصوَّر هذه القوة دائمًا
فيما يتعلق بالرجال؛ باعتبارها ليست قدرة على الفعل بل قدرة على الجذب. إنها السلطة التي تنفي نفسها، لأنها ببساطة ليست سلطة يمكن اختيارها بحرية - على الأقل عند النساء- أو التخلي عنها دون رقابة اجتماعية. بالنسبة للمرأة، لا يمكن أن يكون التبرج/ التجمُّل، مجرد متعة، بل واجب، وشغل شاغل.
وفي حال مارست امرأة عملاً حقيقيًّا؛ حتى لو وصلت إلى منصب قيادي في السياسة أو القانون أو الطب أو الأعمال أو أي شيء آخر، فستكون دائمًا معرضة لضغوط للاعتراف بأنها لا تزال تسعى لأن تكون جذابة.
وبقدر ما هي واحدة من الجنس الجميل، بقدر ما تثير الشك في قدرتها على أن تكون موضوعية، ومهنية، وموثوقة، ورصينة.
النساء إذن ملعونات إن فعلن ذلك وإن لم يفعلن. لا يمكن للمرء أن يسعى إلى دليل أكثر أهمية على مخاطر اعتبار الأشخاص منقسمين بين "الباطن" و"الظاهر" من هذه الحكاية النصف كوميدية والنصف مأساوية التي لا نهاية لها، وهي مسألة اضطهاد النساء. من السهل البدء بتعريف النساء بأنهن يعتنين بظواهرهن، ومن ثم التقليل منهن (أو القول إنهن رائعات) لكونهن "سطحيات"..
الجمال الكامل دون ذراعين.. تمثال أفروديت الذي وجده مزارع يوناني في أحد الكهوف ١٨٢٠
هذا فخ بدائي، وقد نجح لفترة طويلة جدًا، لكن الخروج من الفخ يتطلب أن تحصل المرأة على مسافة انتقادية إزاء ذلك التميز والامتياز الذي هو الجمال، وأن تمنح مسافة كافية لرؤية قيمة الجمال نفسه، الذي اختُصر لصالح أسطورة "الأنوثة". ينبغي أن توجد وسيلة لإنقاذ الجمال من النساء، ومن أجلهن!
* هذه ترجمة لمقال سوزان سونتاج:
A Woman's Beauty:Put-Down or Power Source..نشر في أبريل سنة ١٩٧٥ بمجلة Vogue | The Complete Archive