عندما تشاهد مدينتك تغرق!

هل يأكلنا البحر؟

عندما تشاهد مدينتك تغرق!

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

أسئلة كثيرة تراودني من الآن، ماذا لو اختفت مدينتي بالفعل؟ ماذا لو أكلها البحر مثلما تثرثر الأخبار في السنوات الأخيرة؟ ولماذا أشعر بالخوف من الآن مع أني لن أكون هنا لأشاهدها وهي تغرق؟!

أنا أيضًا أرى مدينتي تختفي..
ماذا يعني أن تختفي مدينتي! قرأت خبرًا، يتكرر من حين إلى آخر، يؤكد أن الوقت اقترب، وأن البحر سيجتاح الشواطئ ويبتلع مدينتي، ومدنًا أخرى بالطبع (نصف شواطئ العالم الرملية في طريقها للاختفاء بنهاية القرن الحالي)، لكن أمر المدن الأخرى لا يعنيني كثيرًا، ربما أتعاطف مع هؤلاء الذين يتألمون مثلما أتألم الآن، الذين تحاصرهم المخاوف والهواجس، مثلما تحاصرني، لكن ليس بقدر يلهيني عما أتوقعه وأخشاه، عما ينتظر مدينتي ويتربص بها، ولا ينتظرني، ولا أنتظره..
وفقًا لسيناريوهات الاندثار المحتملة؛

إذا لم تلتزم الدول ببنود اتفاقية باريس للمناخ، سيرتفع مستوى سطح البحر في كل أنحاء العالم بين ٦١ سنتيمترًا إلى متر واحد، ويتوقع أن يزيد الأمر سوءًا في النصف الثاني من القرن الحالي.
لن أكون هناك، سأشاهدها من بعيد وهي تندثر، أراها من الآن وهي تغوص في أعماق البحر، الذي لن يكون بحرًا ساعتها، سيكون قبرًا، رطبًا، يحتوي جثة، تحتوي هي الأخرى في داخلها جثثًا بلا عدد، تحتوي أصواتًا وذكريات.. هل تتعلم الأصوات مسارات جديدة استعدادًا للمستقبل العائم.. كيف يكون شكل الذكريات وهي تعوم في الماء.. هل تتحول الذكريات إلى أسماك

البحارة يستمرون في التمايل حين يهبطون إلى الأرض، والأرض تصبح أحيانًا بحرًا، ساحة بديلة للرقص، فوقها يرقص البحارة رقصتهم القديمة، يمينًا وشمالاً!

ملونة؟ هل تأكل الذكريات المؤلمة الذكريات المرحة؟!
أعرف مدينة
تمتلئ كل يوم بالشمس
ساعتها ينهب كل ما فيها
ذات مساء تركتها
وفي قلبي
يقيم صوت صراصير الحقل ولا يزال
ومن السفينة البيضاء
رأيت مدينتي تختفي
تاركة لبرهة
عناقًا
بين أضواء
معلقًا في الهواء المضطرب
أونجاريتي

الذكريات آنية الزهور الفارغة
كل المراكب الأنيقة التي كانت تجلس فوق الماء، ستنزل إلى الأعماق في جلال، ببحارتها، بأخشابها، بألوانها، بعيون مرسومة على جانبيها، بشباكها التي تطعمني، لتستقر، فقد كانت تتمايل، والبحارة فوقها يتمايلون، حتى إنهم يستمرون في التمايل حين يهبطون إلى الأرض، والأرض تصبح أحيانًا بحرًا، ساحة بديلة للرقص، فوقها يرقص البحارة رقصتهم القديمة، يمينًا وشمالاً، يحركون أياديهم، ورؤوسهم، وأكتافهم، موسيقاهم في عقولهم، موسيقاه منهم وإليهم، لا يسمعها غيرهم، تمامًا مثلما في الماء، أقدم ساحة للرقص في التاريخ.

مراكب راس البر في ورش التصنيع وإصلاح التوالف.. تصوير أسماء يس

مراكب راس البر في ورش التصنيع وإصلاح التوالف.. تصوير أسماء يس

لو كنا محظوظين ستفقد مصر فقط بين ٣٥.١ و٥٠.٥٪ من شواطئها الرملية بسبب عوامل النحر (هل توجد كلمة أقسى من هذه؛ النحر!)، وهو ما يعني تآكل نحو ١٠٠٠ كم من الشواطئ، ومن المحتمل أن ترتفع النسبة إلى أعلى من ذلك في دول مجاورة مثل السعودية وليبيا..
في مدينتي، التي ستختفي قريبًا، أعبر الماء، إلى الجهة الأخرى من الشاطئ، لأرى كيف يصنعون المراكب، ماذا يحدث لكي تصبح هذه الألواح الخشبية بيتًا.. كي يصبح لها هذا الجسد المغوي، والاسم الفريد، تصبح مثل الإنسان، قادرة على أن تركب البحر.

كم دقة قوية تلزم كي ينبني البيت ويتهادى، ويسافر إلى بلاد بعيدة، ثم يعود، وربما لا يعود. حتى في اللغة، المركب تبنى، لا تصنع. وحتى إن كانت تصنع، فهي تبنى، لتحتوي حياة كاملة، لكن بعيدًا، لذلك أسرارها بعيدة، وغامضة، وحادة، ومليئة بالخوف والمتعة..
هل يأكلنا البحر؟ ربما..
هل نعود في سلام؟ ربما..
هل نصل إلى آخر المدى؟ لا..
لم يحدث أن استطاع أحد أن يصل إلى آخر المدى. وآخر المدى للواقف على الشاطئ ليس كآخره لمن في الماء، في الماء ليس للمدى آخر.

لذلك يتشابه الصيادون في كل مكان، يلقون بأجسادهم في المغامرة، لا يكترثون لصدأ المسامير، ولا للبلل، الغضب عدوهم الأول، وستجد على أغلب المراكب هذه الجملة "لا تغضب ولك الجنة"، أو "لا تغضب وعُد سالمًَا"  وأحيانًا تجدها هكذا "لا تغضب" فقط.
البحارة لا يتكلمون مثل بقية الناس، عندهم لغة خاصة كاملة، غامضة مثل البحر في الليل، وبالتأكيد فالغرق آخر همومهم.
عال عال عال!
لمدينتي التي ستختفي قريبًا، إيقاع خاص.. بعد عمر طويل من الإبحار، ولم الحبال القوية، وفرد الشباك المترامية،

اقرأ أيضاً

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

بهيجة حافظ على يوتيوب

بهيجة حافظ على يوتيوب

ذئاب تعوي في رأسي

ذئاب تعوي في رأسي

البيرة: ابنة الماء والقمح

البيرة: ابنة الماء والقمح