محاولة خلق مارلين مونرو مضادة

نصف إنسان!

محاولة خلق مارلين مونرو مضادة

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

البطلة في فيلم "شقراء" ليست مارلين مونرو ولا نورما چين، فهل يمكن فصل فيلم السيرة الذاتية بشكل كامل عن حياة بطلته ونسبته إلى خيال الكاتبة ورؤية المخرج فقط؟

تطرف الفنان في انتصاره لفكرة ما، يهدد السردية كلها بالانهيار، ويجعلها مرهونة بالتنصل من تحت جلد الواقعي لرصد ما هو افتراضي ومتخيل، وتعقب ما يعتقد أنه راديكالي جذري؛ بحيث تؤسس الواقع لتراوغه، وتخلق جسدًا من التراكيب والوقائع الموازية فوق هيكل من الصور والمعلومات الموثقة. يبدل المخرِج أندرو دومينيك الأماكن المعهودة للأشياء، ويتلاعب بالصور في سيرة متخيلة للنجمة مارلين مونرو، فيغير مواضع الأشياء، ويتعرض للخصوصي الجواني في شكله الهلامي المحرف كفرضية للحقيقة، موازاة تنتزع الهيكل المخفي (الحياة الشخصية المجهولة) من اللحم وتعرضه على 

مذابح السينما في نمط مستباح يتعاطى مع الظل كأنه الصورة. يكثف الظل داخله رؤى سوداء وطبقات من الخوف والجنس والسذاجة، ولكنه في النهاية يبقى ظلًا محجوبًا، لا يقدم مارلين ولا حقيقتها، بل يمنحنا نظرة عامة لفرضية أدبية حول حياة مارلين، لا يمكن إثباتها، ولكن يمكن تقديرها فنيًّا كمنتج إبداعي؛ لا كتأريخ ورصد للأيقونة الشقراء. وحقيقة وجود الالتباس بين حياة مارلين الحقيقية وسردية أندرو دومينيك الموازية؛ يضيف للمنتج البصري ثقلاً فنيًّا، لأن التقاطعات ذاتها ضرورية لدق أجراس وفتح أبواب على حياة مارلين، وربما لم يكن الفيلم يستدعي فجاجة في الطرح كما فعل 

البطلة هنا ليست مارلين مونرو ولا نورما چين، بل خيال جويس كارول أوتس ورؤية أندرو دومينيك!

دومينيك ليظهر مارلين في أشد درجات السذاجة والبلاهة، كأنها امرأة دون عقل، ولم تستلزم السردية الإفراط في العري ولا الابتذال في عرض بعض العلاقات، بيد أنها تبقى رؤية مهمة خصوصًا على مستوى العرض الفني، ومحاولة تقديم شخصية البطلة، وأنا أقول البطلة لأنها ليست مارلين مونرو ولا نورما چين، بل هي خيال الكاتبة جويس كارول أوتس ورؤية دومينيك لهذا الخيال، لا يتجاوز الأمر ذلك، لذا علينا الفصل بشكل كامل بين حياة مارلين مونرو الحقيقية، وحياة الأخرى الموازية داخل الفيلم. إنهما نسختان مختلفتان، تربطهما الأسماء والأحداث، ولكن مارلين الحقيقية دفنت ودفن 

معها كل ما هو شخصي وخصوصي، ربما توجد بعض المحاولات للرصد الصادق في كتب ووثائقيات أخرى، ولكن كل ما يوجد هنا هو مجرد اجتهادات وتخيلات مبنية على أسماء وهوامش موثقة، ولا يمكن بأي طريقة دفعها إلى حيز موضوعي، لأنه منذ البداية ــ من خلال الاقتباس الأدبي الخيالي ــ يعلن تطرف منظوره الحكائي، الذي لا يراعي الدقة والصدق التاريخي بقدر ما يثير مساحة ملتبسة عائمة على الافتراضات والرؤية الذاتية.
فيلم فوضوي أم شخصية فوضوية؟
يصنع دومينيك فيلمًا فوضويًّا؛ يقوم على التشوهات والانحرافات، اختلال يتطلب موجات من التمادي الفج، 

آنا دي أرماس في شقراء لم تمثل دور مارلين بل امرأة تحولت إلى صورة وحرمت من الصوت!

آنا دي أرماس في شقراء لم تمثل دور مارلين بل امرأة تحولت إلى صورة وحرمت من الصوت!

التمادي في العري والبكاء، في الجنس والاغتصاب، في السذاجة والخوف، وحتى في الميلودراما، يصر المخرِج على رصد جوانب دخيلة يجرد الشخصية من حضورها، مارلين مونرو (آنا دي أرماس) ذات الحضور الطاغي، مسلوبة الهوية، دمية جنسية بلا إرادة حقيقية، ربما هذا ما يريد المخرِج أن يخلقه، نوعًا من التيه والضياع، ولكننا على الجهة الأخرى لا نشاهد مارلين، بل نرى امرأة مجوفة واهنة تقع في حب أغلب الرجال، وتسلم نفسها لآخرين دون مقاومة حقيقية ولو على المستوى النفسي، وتنساق نحو علاقة ثلاثية باسم الحب؛ التركيبة ذاتها غريبة وفجة، بيد أنها داخلية، تقتحم مناطق غامضة وشائكة،

لا يمكن التسليم لها بسهولة، لأنها كما قلنا مجرد تشوهات واختلالات، ثلاث ساعات من التمادي الجسدي والنفسي لا نعرف جذوره بشكل واضح، حتى إنه يحاول توريط المشاهد في نظرية سيكولوجية غريبة ويتعرض لنقطة الأب المفقود لتكون محور الفيلم، ويبرر من خلالها التعلق المفرط بالرجال.
يستهل المخرِج فيلمه بمشاهد خاطفة من طفولة نورما جين/مارلين مونرو (الطفلة ليلي فيشر)، صورٍ خاطفة مختلة، يرصد من خلالها علاقة الأم (جوليان نيكلسون) بابنتها، وإقدامها على الصعود بسيارتها نحو النيران المشتعلة في نوبة جنون، دون سبب واضح سوى هوسها بحبيبها السابق، 

والد نورما جين، الذي خلَّف انفصاله عنها هوسًا بالذات وما يقع خارجها، وعيًا مضاعفًا بالجسدي وامتداداته الفوضوية، لدرجة أنها افتقدت المفاهيم اللغوية المجردة، مما أدى إلى انهيار متلازمة اللفظ إزاء المعني، فكلمة الابن/الابنة افتقدت لما تنطوي عليه من تكثيف عاطفي ينعكس على الرؤية المادية والجسدية.
فالابن/ الابنة كامتداد لجسد الأب/الأم فشلت في تحويل وهم إقصاء الذات إلى نموذج إيجابي، وعلى النقيض أثقلت أكثر على فكرة أن الامتداد هو الخروج عن النموذج الجمالي والاجتماعي المثالي التي تحسب نفسها عليه، لترى طفلتها شيئًا زائدًا دمر حياتها العاطفية 

اقرأ أيضاً

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

بهيجة حافظ على يوتيوب

بهيجة حافظ على يوتيوب

ذئاب تعوي في رأسي

ذئاب تعوي في رأسي

البيرة: ابنة الماء والقمح

البيرة: ابنة الماء والقمح