تيشاناي دوشي: الكتابة في زمن العزلة

الجمال.. الخطر.. الهدوء

تيشاناي دوشي: الكتابة في زمن العزلة

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

جعلتني الحياة في بارامانكيني أعيد التفكير بموقعي كامرأة.. في المدينة أنا في حالة تأهب، أما في بارامانكيني، أخرج إلى الشاطئ بمفردي، فلا شيء، ولا أحد!

في كتابه “والدن” يسأل هنري ثورو Henry David Thoreau “أين تحب أن تعيش؟“.. وهو السؤال الذي طرحته على نفسي –بشكل أكثر ارتجالًا– عندما قررت الانتقال من مدينتي تشيناي، التي يبلغ عدد سكانها 8 ملايين نسمة في جنوب الهند، إلى قرية ساحلية على بُعد 80 كيلومترًا جنوبًا. بالنسبة لثورو، لم تكن مدينة والدن على مسافة بعيدة من مكتب البريد، والبار، والبقالة، والمدرسة، وأي مكان يتجمع فيه الرجال، ليست بعيدة عن “مصدر حياتنا الدائم“..
ولم يكن لدي مثل هذه الأهداف النبيلة عندما انتقلت إلى بارامانكيني.. 

تيشاناي دوشي في عرض راقص عن الفتيات على منصة تيدكس

لقد اختصرتُ طموحات حياتي بأكملها فيما يلي: كوني شاعرة، عيشي على الشاطئ!
في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فكرتُ، أنا وبعض الأصدقاء، في شراء قطعة أرض على ساحل تاميل نادو. كنت قد سئمت التلوث، وازدحام المرور، وارتفاع تكلفة المعيشة في المدينة وأجراس إنذار سيارات الجيران التي تدوشني كل صباح.. في ذلك الوقت، كنت أعمل راقصة وصحفية مستقلة، واضطررت إلى إقناع والدي بأن ذلك سيكون استثمارًا جيدًا. كان المكان الذي وجدناه عبارة عن قطعة أرض بين قناة باكنجهام وخليج البنغال..

طريق ينحرف عن الطريق السريع الساحلي الذي يربط بين تشيناي وبونديشيري. في اليوم الذي أحضرنا فيه السمسار لرؤية المكان، استغرقنا نصف الساعة للسير من السيارة إلى الشاطئ. وهناك رأينا بنات آوى تتمشى في غابة من أشجار الكازوارينا. وانقضت أسراب الرفراف والوروار مثل ومضات مرصعة بالجواهر، وبفعل رياح البحر القوية كانت جميع الأشجار؛ النيم، والشجرة المقدسة، وأشجار الكاجو تتمايل بقوة. عندما وصلنا أخيرًا إلى المحيط، استطعنا أن نرى قرية صيد صغيرة؛ حيث خليط من القوارب الملونة راسية تحت أشجار جوز الهند، ورعاة الشياة يقودون

حيواناتهم إلى المنزل. ذرع باشا؛ كلب صديقي الجريت دان، الشاطئ صعودًا ونزولًا بجنون، ثم اتُخذ القرار.. لقد وجدنا مكاننا.
كان ثمة تعقيدات؛ فشراء الأرض يتطلب الحصول على الكثير من الأوراق، والحصول على الأوراق يتطلب الدفع لعمدة القرية. كان هناك أيضًا مشكلة الصخرة المقدسة التي كانت موجودة على جزء من الأرض، والتي بعد سلسلة من البوجا –الصلوات الهندوسية– والمفاوضات، كان لا بد من نقلها إلى الشاطئ. في عام 2004، دمر إعصار المحيط الهندي واجهة القرية بأكملها، وألقى بأعمدة الجرانيت كأنها أعواد

انقضت أسراب الرفراف والوروار مثل ومضات مرصعة بالجواهر..

ثقاب، وقضى على الأسوار الشبكية الخضراء لنحو ثلث أسوار الكومباوند. ولأكثر من عقد، كانت الحكومة المركزية تهدد ببناء مصنع للفحم على بعد عشرة كيلومترات من الساحل، وهو ما يجعله بالتأكيد مكانًا غير مناسب للسكن، ومع ذلك، بدأنا في البناء، وبعد أربع سنوات، عندما كان البيت جاهزًا، وجدت أنني لم أكن مضطرة إلى الانتقال إليه بمفردي، كما كان متصورًا من قبل؛ لقد وجدت رفيقًا، كاتبًا/ زوجًا، للانتقال معي.  العزلة تضخم كل شيء؛ الجمال، الخطر، الرعب، الهدوء..
العزلة في الحقيقة بحث عن الحميمية، بحث عن أنفسنا.. في البداية، كانت 

الحياة في بارامانكيني مغامرة..
لم يكن ثمة ساعي بريد، لذلك بقينا؛ أنا وكارلو، دون بريد أو صحف. لم يكن لدينا جرس باب، ولا تليفزيون، ولا شبكة إنترنت، ولا محلات للوجبات السريعة. وأقرب سوق لنا في البلدة التي يوجد فيها المحطة النووية في كالباكام على بُعد عشرين دقيقة بالسيارة. الزوجان سامباث وآمو من القرية، يعيشان معنا كقائمين على رعاية الأرض، وباستثنائهما لم يكن لنا تفاعل كبير مع الناس. أصبح التخلص من القمامة أكبر مشكلة لدينا، فكنا نحوِّل قدرًا منها إلى سماد، لكن كان علينا جمع الباقي في أكياس، في حين كان أقرب صندوق 

للقمامة على بُعد ساعة.
ومع عدم وجود خدمات جمع القمامة في القرية، كانوا يحرقون القمامة بشكل دوري، بما في ذلك البلاستيك، وفي تلك المناسبات، كان علينا إغلاق جميع النوافذ وانتظار أن تتبدد أدخنة الديوكسين الملوِثة. على عكس والدن، حيث عاش ثورو على بُعد عشرين دقيقة من موطنه الأصلي؛ وحيث كانت ماما متاحة دائمًا لغسيل الملابس وتقديم وجبة ساخنة، نعيش في مكان ناءٍ (مع أن والدتي كثيرًا ما كانت ترسل لنا بعضًا من الفواكه المجففة وفطائر الكيش المصنوعة في البيت). وكان الأصدقاء الذين يزوروننا يتلقون

اقرأ أيضاً

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

بهيجة حافظ على يوتيوب

بهيجة حافظ على يوتيوب

ذئاب تعوي في رأسي

ذئاب تعوي في رأسي

البيرة: ابنة الماء والقمح

البيرة: ابنة الماء والقمح