نجيب محفوظ على مسرح "شفاعات"

شذرات عن طفل يحلم بالسكن في قاعة سينما

نجيب محفوظ على مسرح "شفاعات"

  • أسبوعي
  • نص
  • كتابة

هل كانت السينما مجرد محطة عابرة في حياة نجيب محفوظ أم حلمًا طفوليًّا ظل يطارده؟ كيف صنعت شراكته مع صلاح أبو سيف واقعية جديدة؟ وهل ولد مسرح شفاعات من الأدب أم من الكاميرا؟

ثور أعمى…
لم يكن هذا العمى من صنع الطبيعة، بل إرادة قوية مسيطرة على المكان كله، وضعت عصابة ثقيلة على عيني الثور (أو العِجل) ليدور في الطاحونة… وتدور معه الحياة في ذلك المكان الواقعي تمامًا، الأسطوري تمامًا.. هذه واحدة من أشهر الاستعارات في السينما المصرية عن مكان تحكمه أنثى تشبه الآلهة الأسطورية.
"شفاعات"، التي يحكي عنها فيلم صلاح أبو سيف "شباب إمرأة"، هي تلك القوة العلوية، الجبارة، التي تحرك الثور الأعمى ليدوِّر ماكينة عالمها

"شفاعات" في مسرحها الشخصي حيث سطوة المرأة آكلة الرجال 

"شفاعات" في مسرحها الشخصي حيث سطوة المرأة آكلة الرجال 

أو مسرحها الشخصي. ومكتمل الفتوة الريفي، الثور الجديد، يسير بكامل عماه إلى مصيدة الإلهة شفاعات… مسرح آكلة الرجال في قلب الفيلم، مثل مدينة ملاهي ضخمة وسط مدينة تتصارع فيها رغبات وقيم، غريزة وأخلاق، وانفجارات الجسد في لحظات القوة والضعف.
من صمم ماكينة الملهى الشخصي للسيدة شفاعات؟ هنا يظهر نجيب محفوظ، ليس لأنه صمم المسرح الشخصي للسيدة شفاعات، بل لأنه، بتأثيره وشراكته الناعمة مع صلاح أبو سيف، أسهم في خلق مزاج سينمائي

جديد في تاريخ السينما المصرية.
ظهور محفوظ في السينما جاء في لحظة تتجه فيها إلى الواقعية، لاكتشاف ذات المجتمع. وإذا سار الأدب في اتجاه "الأدب القومي"، بحثًا عن الهوية الوطنية أو القيم الخاصة، فالسينما كانت مغرية أكثر، بما تمتلكه من إمكانات تصوير الواقع بدرجة تفوق ما تستطيع الكتابة الأدبية تحقيقه. والسينما التقت مع نجيب محفوظ في لحظة امتزجت فيها السذاجة بالنوايا الطيبة، وهما تبحثان عن موهبة تمنح الواقعية سحرها الذي سيبقى.

شراكة ناعمة جمعت بين نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف وكرست للواقعية. أرشيف مدينة الرقمي

شراكة ناعمة جمعت بين نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف وكرست للواقعية. أرشيف مدينة الرقمي

تخيَّل سينما واقعية دون نجيب محفوظ؟ الإجابة سريعة: سيكون حصادها ساذجًا، أو خاضعًا لصور ذهنية مفارقة لفن الصور المتحركة مثلما استقبل الجمهور صدمة فيلم الأخوين لوميير الأول. ربما تبدو هذه مبالغة، لكن الأمر يحتاج إلى تأمل لما فعلته الشراكة الناعمة بين نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف. نعم، شراكة ناعمة لا تعتمد فقط على عدد الأعمال المشتركة، أو الإنجازات الفردية، بل صنعت مزاجًا سينمائيًّا فريدًا، ذروته في أعمال أبو سيف.

1
هنا سنعود إلى مسرح شفاعات وملهاها الشخصي.
استعارة الثور والطاحونة هي مفتاح الدخول إلى أسطورة شفاعات التي تبدو في البناء السردي مفرطة في واقعيتها ورمزيتها، محملة بشعور التهديد للنظام القائم على استعراض الذكور الأقوياء المسيطرين. والاستعارة هي غرام صلاح أبو سيف، وأسلوبه في منح الواقعية درجة تبعدها عن الابتذال والسذاجة. وبسبب هذا الغرام بالاستعارة قامت شراكة صلاح أبو سيف ونجيب محفوظ. استعارات صلاح أبو سيف ثقلها أدبي،

تركيب من معاني "مكتوبة بالكاميرا" على حد وصف، يمكن أن نراه الآن "ساذجًا" أو "قديمًا"، لكنه كاشف عن طريقة تفكير صلاح أبو سيف في السينما، طريقة تريد إلحاق السينما بقوة فن أقدم منها، وله مرجعيات وثقل معنوي في الثقافة. وإلحاق السينما بالأدب تفكك بالضبط في لحظة دخول نجيب محفوظ، بمعنى أن محاولة تشبه السينما بالأدب في الاستعارة انتهت عندما انتقلت الاستعارة إلى مجال السينما، وصارت سينمائية أكثر منها أدبية: "صورة" وليست "تصويرًا

صلاح أبو سيف مثل قصاص الأثر، اكتشف نجيب محفوظ، قبل أن يتحول لأيقونة الرواية، أو حتى يكتشف هو بنفسه موهبته وحرفته.

اقرأ أيضاً

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

 ملفات إبستين أبشع من الخيال

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

تحرير المرأة في الميلودراما الوطنية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

الوحدة الوطنية على الطريقة الناصرية

بهيجة حافظ على يوتيوب

بهيجة حافظ على يوتيوب

ذئاب تعوي في رأسي

ذئاب تعوي في رأسي

البيرة: ابنة الماء والقمح

البيرة: ابنة الماء والقمح