هل كانت السينما مجرد محطة عابرة في حياة نجيب محفوظ أم حلمًا طفوليًّا ظل يطارده؟ كيف صنعت شراكته مع صلاح أبو سيف واقعية جديدة؟ وهل ولد مسرح شفاعات من الأدب أم من الكاميرا؟
ثور أعمى…
لم يكن هذا العمى من صنع الطبيعة، بل إرادة قوية مسيطرة على المكان كله، وضعت عصابة ثقيلة على عيني الثور (أو العِجل) ليدور في الطاحونة… وتدور معه الحياة في ذلك المكان الواقعي تمامًا، الأسطوري تمامًا.. هذه واحدة من أشهر الاستعارات في السينما المصرية عن مكان تحكمه أنثى تشبه الآلهة الأسطورية.
"شفاعات"، التي يحكي عنها فيلم صلاح أبو سيف "شباب إمرأة"، هي تلك القوة العلوية، الجبارة، التي تحرك الثور الأعمى ليدوِّر ماكينة عالمها
"شفاعات" في مسرحها الشخصي حيث سطوة المرأة آكلة الرجال
أو مسرحها الشخصي. ومكتمل الفتوة الريفي، الثور الجديد، يسير بكامل عماه إلى مصيدة الإلهة شفاعات… مسرح آكلة الرجال في قلب الفيلم، مثل مدينة ملاهي ضخمة وسط مدينة تتصارع فيها رغبات وقيم، غريزة وأخلاق، وانفجارات الجسد في لحظات القوة والضعف.
من صمم ماكينة الملهى الشخصي للسيدة شفاعات؟ هنا يظهر نجيب محفوظ، ليس لأنه صمم المسرح الشخصي للسيدة شفاعات، بل لأنه، بتأثيره وشراكته الناعمة مع صلاح أبو سيف، أسهم في خلق مزاج سينمائي
جديد في تاريخ السينما المصرية.
ظهور محفوظ في السينما جاء في لحظة تتجه فيها إلى الواقعية، لاكتشاف ذات المجتمع. وإذا سار الأدب في اتجاه "الأدب القومي"، بحثًا عن الهوية الوطنية أو القيم الخاصة، فالسينما كانت مغرية أكثر، بما تمتلكه من إمكانات تصوير الواقع بدرجة تفوق ما تستطيع الكتابة الأدبية تحقيقه. والسينما التقت مع نجيب محفوظ في لحظة امتزجت فيها السذاجة بالنوايا الطيبة، وهما تبحثان عن موهبة تمنح الواقعية سحرها الذي سيبقى.
شراكة ناعمة جمعت بين نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف وكرست للواقعية. أرشيف مدينة الرقمي
تخيَّل سينما واقعية دون نجيب محفوظ؟ الإجابة سريعة: سيكون حصادها ساذجًا، أو خاضعًا لصور ذهنية مفارقة لفن الصور المتحركة مثلما استقبل الجمهور صدمة فيلم الأخوين لوميير الأول. ربما تبدو هذه مبالغة، لكن الأمر يحتاج إلى تأمل لما فعلته الشراكة الناعمة بين نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف. نعم، شراكة ناعمة لا تعتمد فقط على عدد الأعمال المشتركة، أو الإنجازات الفردية، بل صنعت مزاجًا سينمائيًّا فريدًا، ذروته في أعمال أبو سيف.
1
هنا سنعود إلى مسرح شفاعات وملهاها الشخصي.
استعارة الثور والطاحونة هي مفتاح الدخول إلى أسطورة شفاعات التي تبدو في البناء السردي مفرطة في واقعيتها ورمزيتها، محملة بشعور التهديد للنظام القائم على استعراض الذكور الأقوياء المسيطرين. والاستعارة هي غرام صلاح أبو سيف، وأسلوبه في منح الواقعية درجة تبعدها عن الابتذال والسذاجة. وبسبب هذا الغرام بالاستعارة قامت شراكة صلاح أبو سيف ونجيب محفوظ.
استعارات صلاح أبو سيف ثقلها أدبي،
تركيب من معاني "مكتوبة بالكاميرا" على حد وصف، يمكن أن نراه الآن "ساذجًا" أو "قديمًا"، لكنه كاشف عن طريقة تفكير صلاح أبو سيف في السينما، طريقة تريد إلحاق السينما بقوة فن أقدم منها، وله مرجعيات وثقل معنوي في الثقافة. وإلحاق السينما بالأدب تفكك بالضبط في لحظة دخول نجيب محفوظ، بمعنى أن محاولة تشبه السينما بالأدب في الاستعارة انتهت عندما انتقلت الاستعارة إلى مجال السينما، وصارت سينمائية أكثر منها أدبية: "صورة" وليست "تصويرًا
أو شروحًا مصورة للكلمة".
وهذا ما جعل لقاءهما نقطة التحول الكبيرة. نجيب محفوظ أول أديب يعمل بالسينما (من الجيل السابق كان توفيق الحكيم متجولاً كبيرًا بين الأدب والمسرح، ورثه نجيب في أشياء كثيرة، منها التجول والتميز والتأثير في فن من فنون العرض المسيطرة على كل لحظة…)، وشارك في ٢٩ عملاً سينمائيًّا (ليس من بينها رواياته المنقولة للسينما) وبين هذه الأعمال ١١ عملاً مشتركًا مع صلاح أبو سيف.
المهم؛ لا جديد أو مبالغة في التأكيد على أن نجيب محفوظ أكثر الأدباء تأثيرًا
في خلق ما يمكن وصفه بـ"الكتابة للسينما". وهذه ليست مسألة سهلة في ظل ثقافة، الكتابة عمودها الرئيسي، والكاتب معجزتها الكبرى. كانت السينما بالنسبة لعمل نجيب محفوظ هي مساحة يرى فيها تجسيدًا عبر الممثلين والحركة وتزامنها مع الصوت والتفاصيل الصغيرة.
الكتابة للسينما في مصر اعتمدت في المحاولات الأولى على تراث الفنون الراسخة: المسرح والحكي الشفاهي، أو الرواية، لكن كتلتها الرئيسية عاشت على النقل والاقتباس، مع وضع رتوش محلية على الباترون الهوليوودي.
صلاح أبو سيف مكتشف نجيب محفوظ سينمائيًّا، التقيا للمرة الأولى عام ١٩٤٥، وفي مقال كتبه بمجلة السينما عام ١٩٦٤وصف محفوظ بأنه "أمير القصة الطويلة". وذلك قبل أن يتحول إلى أيقونة الرواية، أو حتى يكتشف هو بنفسه موهبته وحرفته.
أبو سيف مثل قصاص الأثر، اشتم رائحة ما في الروايات الأولى، ليس اكتشافًا محددًا، ولا تصورًا جاهزًا بما سيفعل باكتشافه.
المهم أن أبو سيف، الذي كانت السينما تحولاً في حياته، أو خروجه عن مصائر بعيدة، سار من أجلها رحلة
تصلح فيلمًا من الواقعية الساذجة عن عامل يتحول بعصاميته إلى مخرج، لكن هذه الحكاية خفت بالمقارنة مع صناعته للمزاج السينمائي الخاص والفريد الذي نقل مسار "السينما الواقعية" في مصر إلى أبعد من حدود فيلم "العزيمة" و"السوق السوداء"، ولم تعد حكاية صعود العصامي قادرة على منافسة حكاية اكتشاف تيار… وسينما.
2
صلاح أبو سيف يكتب أفلامه، لكنه ليس وحده. يختار جسوره إلى توليف الحكاية، لتصبح في النهاية حكايته هو.
مؤلف سابق على "سينما المؤلف"،
ومخرج يكتب فيلمه عبر الآخرين، عبر تصور للإخراج على أنه "كتابة" لا مجرد خبرات تقنية أو مهارات العارفين بأسرار الكتالوج المعتمد في السينما العالمية.. يحب صناعة أفلام مسنودة برواية لها طرف واقعي: حادثة، أو جريمة، أو حكاية شخصية، أو حتى رواية مكتوبة.
في "شباب امرأة" تجمعت عدة عناصر بدأت بحكاية شخصية لصلاح أبو سيف مع أنثى "آكلة رجال" في باريس، بادرت بغوايته وهي الأكبر سنًا، فكانت صدمة هزت تصورات الشاب عن السلطة في العلاقة الجنسية. وبعد المتعة
كان الحكي الذي امتزجت فيه الغواية بالافتراس والرغبة في الهيمنة لامتصاص شبابه. والحكاية الشخصية لصلاح أبو سيف تحولت إلى قصة قصيرة كتبها أمين يوسف غراب ثم حولها إلى رواية استغلالاً لنجاح الفيلم.
لم يكتمل الفيلم إلا بشراكة نجيب محفوظ الذي -للمفارقة- لم يُكتب اسمه على التترات لأسباب وصلنا منها رغبة أمين يوسف غراب في أن ينسب الفيلم له وحده. وحسب حكايات متداولة حصل غراب على ورقة من المنتج تثبت أنه المؤلف الوحيد (أقنعه أنها للتقدم إلى نقابة السينمائيين)
ثم استُخدمت هذه الورقة لاحقًا أمام القضاء، ما أدى إلى "استبعاد" اسم نجيب محفوظ من التتر.
لكن من منهما (أبو سيف ومحفوظ) صنع استعارة الثور الأعمى؟
الأديب أم المخرج؟ أم أنها تصميم فضاء مشترك تكوَّن بينهما عبر نمنمات الصنعة والوعي، فضاء يستدعي مرجعيات تمثيل الواقع بطريقة لا يراها الآخرون من الواقعيين السذج، حاملي المرايا العاكسة؟ ما ملامح هذا الفضاء؟ ولماذا نجيب محفوظ، الذي يبدو من هيئته محافظًا وتقليديًّا، هو أكثر الأدباء تأثيرًا في صناعة استسلمت طويلاً
للاقتباس وتمصير السينما الأمريكية والفرنسية؟
نجيب محفوظ لم يكن عابرًا في السينما، مع أن دخوله مجال كتابة السيناريوهات كان بسحر المئة جنيه الأولى التي حصل عليها أجرًا عن أول سيناريو، وكان بالنسبة له مثل "اكتشاف البترول في الجزيرة العربية".. كيف لعبت ثقافة نجيب محفوظ ورحلة تكوينه دورًا في هذا التأثير؟ وكيف التقت رغبة السينما في واقعية تكشف بها ذات مجتمعها، مع ظهور نجيب محفوظ في عالم الأدب (نهاية ثلاثينيات القرن العشرين)؟
كان نجيب محفوظ يحلم في طفولته بأن يسكن دار عرض،. أرشيف مدينة الرقمي
3
لم يحب نجيب محفوظ كلمة "النهاية"... لم يحبها لأنها تقضي على نزهته الخاصة في فضاء غريب وغامض اسمه: السينما.
طفل في الخامسة وفي الظلام مع أشباح صامتة تحكي له حكايات لا يريدها أن تتوقف، لا يريد أن تمسكه "الشغالة" من ذراعه وتعيده إلى أمه في البيت.
نجيب المولود سنة ١٩١١ لم يكن يتمنى أكثر من تمضية يومه كله في سينما "الكلوب" في خان جعفر، المواجه لمسجد "سيدنا الحسين". كانت متعة مشاهدة صور متحركة دون أصوات،
لا تعادلها متعة لطفل حلم وتمنى أن يسكن "دار عرض"، كما حكى لرجاء النقاش في "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ".
نزوة الطفل ليست عابرة، إنها شغف جديد في القاهرة..
القاهرة، مدينة نجيب محفوظ، وفضاء الوعي ومسرح دراما اجتماعية شغلت الجزء الأهم من أعماله. والشغف بالسينما عند طفل في الخامسة يكشف عن ملامح جديدة في وعي طبقات على جسر الانتقال من المجتمع التقليدي إلى مجتمع حديث.
ولد نجيب محفوظ بينما قلب القاهرة الحديثة يترسخ في مكانه، ويوحي بفضاءات جديدة لأهل المدينة متعددة القلوب (الفرعونية والقبطية والإسلامية).
العقل الاستعماري قسَّم المدينة افتراضيًّا إلى قسمين: حديث وقديم، أو بمعنى آخر، كوزموبوليتاني وشرقي، وعالمي ومحلي. والمدينة في أواخر القرن التاسع عشر، فيما عرف بـ"الصحوة القومية"، حاولت استعادة صورتها من أسر الصورة الاستعمارية التي تضع حدًّا فاصلاً بين الحداثة والماضي، أو بين الغربي والشرقي، أو بين العالمي والمحلي.
وهذه الاستعادة فيها تصالح ونرجسية معًا، كما بدت في كتابات الواقعية الأولى، التي كان نجيب محفوظ ذروة موهبتها، وآخر طريقها إلى "تمثيل" الواقع واكتشافه.
هكذا عرف أول طريقه، والمدينة الحديثة تسعى إلى تمثيلات جديدة لواقعها، تخرج تدريجيًا من شكلها الاستعماري لتتصل بقلوبها الأخرى. وكان السؤال الضمني لكل محاولات تمثيل الواقع: كيف تبنى الجسور بين القاهرة القديمة والقاهرة الحديثة؟ نجيب محفوظ ولد في قلب سعي المجتمع إلى اكتشاف ذاته،
اكتشاف بدأ في تجلياته الأولى سياسيًا، ساذجًا، من هذه القوة أصبحت روايات محفوظ واقعًا بحد ذاته، وأبطال حكاياته لهم جسم واقعي جعله في السينما يكتسب قوة حضور تقترب من أن تكون "الحقيقة". ونجيب محفوظ أعطى للواقعية حسيتها وخبرتها المحسوسة، وهو ما يشير إلى أن شغف الطفل بالسينما إلى جانب كونه تطورًا أعلى للحكي، يكشف عن نزوع إلى مكان فردي، وسط جماعة كبيرة، مقعد شخصي في صالة تضم عشرات الرواد يجلسون فرادى في طقس جماعي. وهي علاقة مختلفة بالمدينة،
كان نجيب محفوظ يتجول في المدينة المليئة بالمتناقضات، فجاءت كتاباته أوسع من خيال الغرف المغلقة. أرشيف مدينة الرقمي
لا تتكون فيها الذاكرة ولا الوعي عبر الخيالات، بل عبر التعرف المباشر على الشوارع والحياة… معرفة عبر الحواس لا خيالات فاقدة العلاقة بالذاكرة الحسية.
4
أحمد عاكف لم يكن صورة نجيب محفوظ عن نفسه.. بطل خارج من متحف البرچوازية الصغيرة ليعيد تمثيل تضحيتها الكبرى لتعيش العائلة والأخلاق الحميدة.. أحمد عاكف هو نعي نجيب محفوظ لبرچوازية تحتضر في "خان الخليلي"، التي لم يكتبها محفوظ كعادته في رواياته للسينما.
عاطف سالم، المخرج، عندما اختار فريق الفيلم، لم يجد سوى عماد حمدي، الذي جسد فكرة الاحتضار النبيل للبرچوازي القديم، وصنع منه "صورة" قريبة لمزيج نجيب محفوظ من التعاطف والسخرية. وهذه لعبته المتورطة، يسخر ويتعاطف، يلعن ويكشف التناقضات، يلمس الخطوط الفاصلة بمهارة حسية، لا ذهنية فقط، وهذا ما جعله مهمًا للسينما التي دخلت إلى معركة "الواقعية واكتشاف الذات بثقلها وإمكانياتها في نقل الصورة"، بما لا يستطيع الأدب وحده تحقيقه.
نجيب محفوظ لم يكتب عن أبطاله من خيال غرفة مغلقة، فهو ساكن مدينة، يمشي في شوارعها، يعبر جسورها، وله رحلة يومية ذات علامات ارتبطت به إلى آخر حياته. هو برچوازي صغير، يلعب في مساحة وسط، هي اختراع أهل الشرق، الظرفاء لبرچوازيتهم، بين المادة والروح، الرأسمالي والعامل. التأرجح بين المتعة واللعنة. يمارس المتع في أماكنه السرية ويحذر الجميع منها. كما فعل مع شفاعات الخارجة من حفر عميقة في ذاكرة قراءة "ألف ليلة وليلة" وحكايات يخرج منها نساء قويات يتمردن على النظام الذكوري
الذي تخفي فيه المرأة رغبتها وجوعها الجنسي لتكون الطعام المنتظر للذكر الإله حين يطلب. المتمردات فيهن سحر ولعنة. يهددن النظام الاجتماعي ويحطمن السلالم بين الطبقات، والطرق المرسومة مسبقًا في التربية المحافظة.
لكن شفاعات صياغة مشتركة مع صلاح أبو سيف، لم تخضع تمامًا لطريقة نجيب محفوظ في صناعة تاريخ شخصي ودوافع نفسية أعمق مما جاء فيها، التي انتقلت إلى السينما رمزًا للشر والإغواء الملعون، رغم مغناطسيتها الممتعة، في مقابل سلوى التي قدمت نوعا مهذبًا من الإغواء الذي تطلبه
برچوازية الحلول الوسطى المصرية. إغواء أفلاطوني في مواجهة إغواء جسد مسيطر على مسرحها الصغير. وكان لا بد من انتقام يشارك فيه الجميع بمن فيهم ضحايا شفاعات ليتطهر الممثلون وصناع الفيلم، وطبعًا الجمهور، من شفاعات ومسرحها. هكذا كان اللعب في دراما مجتمع صنع تاريخه برچوازيون صغار؛ من جمال عبد الناصر إلى حسن البنا، اختار موقع الوسط بين الحواف الحادة؛ إنها بورجوازية لها ملامح خاصة.
ولد نجيب محفوظ في بيت لم يعرف الكهرباء بعد. تسربت تفاصيل العالم
إلى وعيه على إضاءة شحيحة لمصابيح كيروسين منتشرة في بيوت "المستورين" من طبقة ستكون بعد سنوات قليلة طليعة البرچوازية الصغيرة في مصر. وعرف أول بطولة خارج حدود البيت والأب مع سعد زغلول، الزعيم القادم من بيئة متواضعة ليعبر عن أمل البلاد في الحرية والاستقلال، وعن آمال الفئات المهمشة في العبور إلى أماكن اجتماعية جديدة.
هنا كانت ثورة زعيم "الوفد" في ١٩١٩ على بعد سنوات من ميلاد نجيب محفوظ، لكنها الأقرب إلى تركيبته الخاصة الجامعة للمتناقضات
في سلام شخصي واجتماعي فريد. وهو متمرد، لكنه ليس إلى آخر المدى، ومخلص للتقاليد القديمة، لكن ليس إلى حدود الجمود. وبين التوق المنضبط إلى الجديد والهرب غير المنفلت من القديم اكتشف نجيب محفوظ "مكانه المريح" في الحياة والثقافة.. ولد في لحظات انتقال المجتمع إلى عصر جديد، ترك مصر القديمة، حيث كان يعيش في حي الحسين، إلى حي العباسية، فردوس الطبقة الوسطى الجديدة، وأحد مصانع وعيها وملاعب وجدانها.
هو ابن الجامعة الوطنية والثقافة الجديدة، وابن المقاهي التي تتخلق
فيها حساسية مختلفة للمجتمع، غير تلك التي تمردت عليها رغبة الأدب في اكتشاف ذات "قومية". لم يكن أسير ازدواجية التعليم المدني والأزهري مثل طه حسين، ولا موزعًا بين عشقين مثل توفيق الحكيم؛ الممزق ثقافيًّا بين الشرق والغرب.. كان الحالة الوليدة لمثقف مصر الحديث، الذي يشحن وجوده الاجتماعي من ثورة التغيير وبدايات مراحل جديدة في تاريخ مصر.
كانت "فاطمة" تصحب ابنها "نجيب" إلى جولاتها الخاصة بين العباسية والجمالية، وفي ضوء وعي الطفولة المندهش. فيذهب معها بحثًا
عن "البركة" في كنيسة "مار جرجس"، بعد أن يتمسح في ضريح "الحسين"، أو عن المتعة الغامضة في مشاهدة "مساخيط" الفراعنة، حيث تقضي أوقاتًا طويلة في حجرة "المومياوات" بالمتحف المصري.. وهي ثقافة غريبة على سيدة لا تعرف القراءة والكتابة. كانت "مخزن ثقافة" شعبية قديمة، لم تدخل السينما غير مرة واحدة، وكان فيلم "ظهور الإسلام"؛ وذلك عندما أقنعها الناس بأن الفرجة على الفيلم تساوي أداء فريضة الحج.
أما الأب، فكان يرتدي في الشتاء مثل الأفندية بدلة إفرنجية وفوقها معطف،
وفي الصيف الزي الأزهري (الجبة والقبطان)، وفي كل الأحوال كان الطربوش غطاء الرأس المميز للطبقة الصاعدة من الموظفين والمتعلمين.. أما في حياته، فكان نموذجًا للزوج المثالي، منضبطًا في مواعيده المنزلية، متسامحًا، ينام بعد العشاء، ولا يعرف سهرات العربدة التي سجلها محفوظ في ثلاثيته الشهيرة، وهكذا، كما في تفسيرات غير شائعة، كان نجيب محفوظ هو الشخصية الثالثة مع أبيه و جاره السوري في التركيبة التي خرجت في الثلاثية باسم "السيد" أحمد عبد الجواد.
لم ير نجيب أباه في حياة الوظيفة الحكومية، لكنه ذاق الاستقرار الذي حققته للعائلة، والأهم أنه بدأ يعي العالم، و"الموظف الميري" هو زهوة المجتمع. الأب كان يحلم له بوظيفة أكبر، وكيل نيابة أو طبيبًا، بينما صدم أساتذته في المدرسة عندما التحق بكلية الآداب قسم الفلسفة، وهو المتفوق في مواد العلوم والرياضيات، ولا يحصد في المواد الأدبية سوى درجات متوسطة. كان لا بد أن يكون، حسب انتظارات العائلة، موظفًا كبيرًا في "هوجة" الموظفين الصاعدة في الثلاثينيات والأربعينيات، أو عالمًا فذا كما توقع
له الأساتذة، أو موسيقيًّا كما خطط هو بنفسه عندما التحق بمعهد الموسيقى العربية، وذلك وقت أن كان طالبًا بالسنة الثالثة في كلية الآداب.. وكما حكى لرجاء النقاش "درست فيه لمدة عام كامل، ويبدو لي الآن أنني لو وجدت توجيهًا سليمًا من أحد، لتغير مسار حياتي واخترت طريق الموسيقى وليس الأدب".
كان حائرًا إذن بين أصناف تشبع موهبة لا يعرف تفاصيلها: إعادة بناء الواقع من خلال حكايات وتمثيلات، تشبه الأشباح الصامتة وصورها في ظلام سينما الكلوب، تطبع بصماتها على الروح
مثل الموسيقى، أم تحفر حكاياتها على الورق…؟
5
كاد نجيب محفوظ أن يترك الأدب ويتفرغ تمامًا للسينما، هكذا أغرته اللعبة السحرية التي دخلها بإغراء المال، لكن اللعبة أعجبته، كما يظهر في حكايته "… راودني أمل كبير عندما بدأت الكتابة للسينما أن يصبح هذا المجال امتدادًا لحياتي الفنية، وقلت لنفسي إن الكتابة للسينما تتضمن عناصر مشابهة إلى حد كبير للعناصر التي يقوم عليها بناء الرواية من خيال وحبكة وشخصيات وصراع... إلخ،
فلماذا لا أكثف عملي في هذا المجال وأعطيه مزيدًا من الاهتمام، ما دام قريبًا من الأدب؟".
الاكتشاف جاء بعد فترة:
"… وجدت أن عملية الكتابة للسينما تقوم على جهد جماعي، وأنني لست حر التصرف مثلما هو الحال في الرواية، فهناك قيود كثيرة تكبل حركتك ولا تعطيك الفرصة لأن تكتب ما تريد. هناك شروط المنتج والموزع الخارجي والمخرج، بالإضافة إلى الشرط الأهم وهو الجمهور ومطالبه ورغباته التي يجب أن تراعى مهما كانت النتائج…". وهذه الضغوط مزعجة لمن اختار الفن
قصة الجريمة في "ريا وسكينة" حركت روح المغامرة عند نجيب محفوظ ليصنع عنها فيلمًا عن فتنة القاتلات. أرشيف مدينة الرقمي
مساحة للحرية الفردية. فانسحب مع الفرصة الأولى للانسحاب، وامتنع عن التعامل مع الكتابة للسينما على أنها "حرفة" أو "صنعة".
هذه نظرة أحد أهم الأدباء تأثيرًا في السينما، منحها الكثير بصنعته، بعد أن رجع مرة أخرى إلى عالمه الفردي، المنعزل بعيدًا عن جماعية تربك الكاهن الذي يتجول في الشوارع، بذات غير الذات التي يكتب بها الأدب.
6
لا يبدو نجيب محفوظ مغامرًا، لكنه أول من كتب فيلمًا سينمائيًّا عن قصة واقعية "ريا وسكينة"؛ حكاية مثيرة
عن فتنة القاتلات.. وهو أيضًا أول من كتب قصة خصيصًا للسينما، لعبها مع صلاح أبو سيف لما حكى تجربته الشخصية عندما تعطل به المصعد هو وزوجته، فكتب محفوظ على طريقته في "المرايا" سكتشات لشخصيات معلقة "بين السماء والأرض".
الكتابة هي مغامرته، يتقصى بها جوانب في ذاته المشحونة بالسرد، والسينما كانت لحظة عابرة في حياته، لكنها لحظة السرد الموازي، واللعب بما تعلمه في أرض الرواية.
"حكمة خوفو"… هو الاسم الذي اختاره نجيب محفوظ لروايته الأولى...
لم تكن الأولى فعليًّا؛ سبقتها أكثر من محاولة كانت تلقى إجابة واحدة من سلامة موسى: غير صالحة للنشر.
سلامة موسى هو من غيَّر عنوان أول رواية منشورة إلى "عبث الأقدار"، ووزعها هدية على "المجلة الجديدة" التي كان محفوظ أول مشترك فيها. وهذا رغم أن سلامة موسى كان يرى أن فن الرواية لا يصلح في مصر، وأنه يحتاج إلى "أزهرية".
لم يكن سلامة موسى ناشر رواية محفوظ الأولى فحسب، بل كان "المرشد" إلى ثقافة مغايرة في مصر: ثقافة العلم والاشتراكية، والحرية.
ثقافة صادمة خدشت ثقافة مستقرة كانت تنام باسترخاء في زمن السلاطين والجوارى، بينما أوروبا تقفز الحواجز وتدخل ماراثون التقدم الصناعي والعلمي، وولد من ثورتها الصناعية "إنسان جديد" وصل متأخرًا إلى مصر، لكنه وصل تقريبًا مع جيل نجيب محفوظ.
سنة ١٩٤٢ كان لنجيب محفوظ ثلاث روايات أخرى: "كفاح طيبة"، و"رادوبيس"، و"القاهرة الجديدة". الأخيرة هي الرواية الأولى فعليًّا، رواياته السابقة وزعت على نطاق محدود عبر "لجنة النشر للجامعيين" التي أسسها
عبد الحميد جودة السحار لتنشر أعمال نوعية جديدة لكتاب وأدباء خريجي الجامعة المصرية. أما النشر الشعبي الأول لها فكان في "روز اليوسف". إحسان عبد القدوس عَنوَنها "فضيحة في القاهرة"، صحيح أنها عادت في الطبعات التالية إلى اسمها القديم (القاهرة الجديدة)، لكنها ظلت علامة مهمة على روايات من نوع جديد، ترصد بدقة علامات انهيار وتفكك المجتمع القديم في القاهرة، وتبشر بعالم جديد غير واضح المعالم، مجرد منشورات طائرة في الهواء عن العدل والحرية..
جسدت إحسان شحاتة في "القاهرة ٣٠" ذروة الاستعارة السينمائية التي أسس لها نجيب محفوظ وصلاح أبو سيف.
كانت أيام سعد زغلول تنتهي.. توقف مشروعه، لكن صورة البطل والأسطورة استمرت.
7
صلاح أبو سيف أخرج "القاهرة الجديدة" في فيلم صعب للغاية أطلق عليه "القاهرة ٣٠".
ولد بعد نجيب محفوظ بأربع سنوات (١٩١٥)، في أجواء الاحتفال بالواقعية مقابل "الرومانسية المحضة".. ابن حي شعبي (بولاق)، عمل في مصنع نسيج المحلة الكبرى، لم يتعلم السينما في المعاهد بل على يده، قرأ كتيبًا عن الإخراج السينمائي، وعرف أن الفيلم
لا يعني نجومًا وممثلين فقط. وفي لقاء حدث مصادفة، أعاده المخرج نيازي مصطفى إلى القاهرة وأدخله إلى عالم السينما الساحر من بوابة شركة الصناعة الوطنية في السينما (استوديو مصر)، ومن باب تقنية التركيب (المونتاج) حاول دراسة السينما في فرنسا، إلا أن الحرب العالمية الثانية أوقفت هذه المحاولة.
اقترب صلاح أبو سيف من مزاج الواقعية بموديلها الكامل عندما عمل مساعدًا لكمال سليم في "العزيمة"، حين كان الفيلم تبشيرًا بالمنهج الواقعي، بما يعنيه التبشير من حسن نية،
وطغيان الموديل الجاهز على المغامرة. لكن بقي البحث عن حكايات في الأوساط الشعبية لا تخيلها، هاجسًا يتعلم منه أبو سيف المتأثر بعدها بالواقعية الجديدة في إيطاليا، والمغرم بمدرسة تجمع بين الرمزية والواقعية. وهو غرام التقى عنده صلاح أبو سيف مع نجيب محفوظ، وبالتحديد عند التقاء مزيج الواقعية والرمزية، الذي قال عنه أبو سيف ذات مرة:
"أنا مميز بالرمزية والواقعية معًا. بمعنى أن الرمزية عندي ليست تفلسفًا، وإنما أنا أكتب بالكاميرا ما أشاهده وأحس به ويحس به كل إنسان مهما كانت
ثقافته بسيطة. وعندما كنت أرمز إلى شيء في مشهد ما في أفلامي كان الجميع يفهمون ما عنيت…".
ذهب صلاح أبو سيف إلى نجيب محفوظ بعد أولى رواياته المنشورة "عبث الأقدار"، ومنها على ما يبدو التقط موهبة تحويل قصة تاريخية إلى دراما معاصرة يمكن العثور على دلالتها في اللحظة. وكان قبل أن يخرج أعماله الأولى، ناقدًا ينادي بكتابة مصرية بدل الاقتباس، استجابة على ما يبدو لتيار المناداة بفن "قومي" يحمل هذا الشيء الغامض: "الروح المصرية". الكتابة للسينما لم تكن على برنامج
نجيب محفوظ، فلها تقنيات تصور أنه يفتقدها، لكنه مع صلاح أبو سيف تعلم "الصنعة" وعثر فيها على متعته، بعيدًا عن رواياته. في كتاباته للسينما، نجيب محفوظ أقرب إلى "أسطى"، ينقل مهارات السرد من الأدب إلى الصورة، بمزيد من تقنيات الحفر تحت سطح الظواهر الاجتماعية والسياسية.
8
"مغامرات عنتر وعبلة"، فيلم لا ينسى.. لم يعرف وقت عرضه (١٩٤٨) أنه كتابة نجيب محفوظ الأولى للسينما، ولا حتى عند عرضه الأوسع في التليفزيون، وبعد أن نال نجيب شهرته الأدبية الواسعة.
نجيب محفوظ رأي أن حسن الإمام أخضع الثلاثية لمدرسته في إثارة الحواس وركز على العوالم والمتع الجسدية
منذ فيلمه الأول، تحرر نجيب محفوظ من ثقل المناخ التاريخي، وصنع فيلمًا أقرب إلى المعاصرة، يلمس بحساسية ما اكتسبها من رواياته الأولى التي أعاد فيها كتابة حكايات تاريخية بنفس معاصر، وقدرات على اكتشاف ما يمكنها أن تلمس به متفرجًا يعيش في زمن آخر، ويرهن صراعاته في حياة مختلفة تمامًا.
قصة الحب الأسطورية تفككت في سيناريو نجيب محفوظ، الذي أزال بسرد سينمائي خفيف الغربة بين الأسطورة وجمهور يبحث عن أبطال يتعرف فيهم على نفسه.
فريد شوقي في دور البطل العاشق، أليف لجمهور سيعرفه بعد سنوات قليلة ملكًا للترسو. لم يكن نجمًا وقتها، لكنه قريب من صورة الفتوات الشعبيين في الحارات. وكوكا حبيبته المستقرة في شرفات طبقات أعلى، والمسافة بينهما مشحونة بلحظات صراع اجتماعي، وقصص غدر، وبطولات، وفقراء نبلاء، إذ تبدو واقعية الأربعينيات في السينما مغرمة بانتصار الفقراء المطلق على وحشية الأغنياء.
نجيب محفوظ لم يكن بعيدًا عن هذا المزاج، خاصة مع تأثر معلمه السينمائي صلاح أبو سيف بأجواء المخرج
كمال سليم وفيلم "العزيمة" واشتراكيته الطوباوية. و"العزيمة" كان افتتاح الواقعية في السينما المصرية، وقرار مثقفيها الضمني بتأسيس سينما تكتشف الذات المصرية.. جورج سادول اعتبر أن السينما المصرية بهذا الفيلم وقفت "على أرض صلبة ودخلت به مجال التعبير الواقعي في مجال الفن والفكر…". صلاح أبو سيف وصل بهذا المزاج الواقعي إلى ذروته مع نجيب محفوظ، عثر معه على مبتغاه في سرد لا يقع في الواقعية المبتذلة، لكنه يحملها على أجنحة شفافة من فكر وفلسفة، ويضعها على مرصد اجتماعي مدهش
في التقاط تفاصيل ما بين الشروخ الاجتماعية.
صلاح أبو سيف يرى أن السيناريو العمود الفقري للفيلم، ويحشر أصابعه في كل ورق أفلامه، يتعامل معه كأنه خريطة محارب، ولن ينجح إلا إذا كانت الخريطة كاشفة لأرض المعركة. وهنا تأتي الشراكة، أي استخدام صلاح أبو سيف لخريطة نجيب محفوظ في العبور إلى جزيرته… وليس من الصعب اكتشاف أن أغلب أفلام صلاح أبو سيف المهمة كان لنجيب فيها أثر، يشبه أثر الأدلة في الصحراء.
9
حسنين كان المتحرك الوحيد في مشهد كل عناصره ثابتة.
الطموح يخترق حارة كلها ثابتة في مكانها، متحرك ومتسارع في الصعود.. هذه "بداية ونهاية"… رحلة صعود برچوازي تعلق بهوى الأرستقراطية، ثم سقط في بير السلم.. الفيلم لم يبدأ إذن من نقطة الرواية، بل جعل افتتاحيته تكشف من اللحظة الأولى عن غربة حسنين مع مصيره، ولهاثه في الصعود بعدما أنزلهم موت الأب من سلم الصعود درجات، ليسكنوا البدروم في بير السلم.
تحرك فيلم "بداية ونهاية" في استعارات محفوظ الخاصة بصعود البرجوازية، على عكس "القاهرة ٣٠"..
الرواية نشرت في ١٩٤٩، والفيلم ظهر على الشاشات عام ١٩٦٠، وبينهما كانت البرچوازية الصغيرة قد نجحت في الاستيلاء على الحكم، ولم يعد لنماذجها الانتهازية مكان على خريطة الاحتفاء بالصعود.. لم يرسم الفيلم بافتتاحيته (وفيها إشارة إلى أن الأحداث تخص القاهرة سنة ١٩٣٦) مأساة سقوط البرچوازية مثلما فعلت الرواية، بل رسم مسار شخصية انتهازية من برچوازية نظيفة... والزمن أضاف للوعي الذي لعب عليه صلاح أبو سيف في تحويل المرثية إلى نقد اجتماعي لعائلة سقطت في لحظة تحول عاشتها مصر
في الثلاثينيات... ونفيسة في الفيلم كانت "ضحية" تقليدية، حذف منها السيناريو- على عكس الرواية- مشاعرها السلبية تجاه رجال تركوا جسدها يقودها إلى مصيرها المخزي.
استعارات "بداية ونهاية" دارت أغلبها في سياق نجيب محفوظ، على عكس "القاهرة ٣٠" الذي كان فيلمًا مجهدًا احتاج إلى بناء سينمائي قوي، لهذا شارك في كتابته أربعة كتاب سيناريو، شحنوه بعدد ضخم من الاستعارات المسجلة بامتياز في تاريخ السينما.
الاستعارة الأشهر: صورة محجوب عبد الدايم وخلفه قرنان غالبًا لكبش،
وهي استعارة من ثقافة شعبية ترى القواد شخصًا يضع قرنين على رأسه. واستعارة أخرى على حائط (وصلاح أبو سيف لم يكن يترك المساحات المفتوحة بالشوارع دون إشراكها في صنع الدلالات أو الرسائل الضمنية)، تظهر فيها إحسان شحاتة، وحبيبها الاشتراكي علي طه يحكي عن أحلام المفكرين الاشتراكيين عن حياة خالية من استغلال المال، بينما الإعلان في الخلفية يقول "كل شيء يتحقق بالمال".
"القاهرة الجديدة" أو "٣٠…" تبدأ بقبة الجامعة في مركز الصورة، أحلام جيل من البرچوازية الصغيرة،
طلاب قادمين من الأرياف، يطلون من حجراتهم المشتركة على الجمال الفقير في البدروم. إحسان شحاتة، العابرة من البدروم إلى حجرات الفخامة بعد هزيمتها في استكمال الحب مع الاشتراكي الحالم، حين تستجيب لنظرة القناص الثري من نافذة سيارته، يطل هو الآخر على الجمال الفقير.. إحسان أحبت الحلم، لكنها استسلمت للصفقة "أنتِ بجمالك وأنا بثروتي"، مشوار قصير لصناعة السعادة كان لا بد أن يشترك فيه الانتهازي. كانت ليلة سقوط إحسان في لحظة استجابتها للإعلان على حائط ثابت، رسالة لا تخلو من الإلحاح،
بينما أحلام علي طه تتناثر في الهواء مثل نسمة عابرة لا تلتقطها يد محتاجة.
10
مسرح شفاعات، أو ملهاها الشخصي، إذن محطة مهمة في شراكة نجيب محفوظ مع صلاح أبو سيف.. محطة وصلت بالصنعة إلى نقطة يحفر فيها أبو سيف، بتأليفه عبر الآخرين، أرض نجيب محفوظ الذي يحب أبو سيف ويكن له ود المعلم، وربما يتعامل معه على أنه الوجه السينمائي لواقعيته ذات الخليط المدهش (الحسية والرمزية والقدرة على التجريب).. لكن الأقرب إلى قلب نجيب محفوظ
هل كانت مؤامرة أن تقع الثلاثية في يد حسن الإمام على غير رغبة نجيب محفوظ؟ -أرشيف مدينة الرقمي
هي سينما توفيق صالح، وكان يتمنى أن تكون الثلاثية بتوقيعه، مع أن أفلامه مغلقة على رسالة ذهنية لا تمنح الفتنة الكاملة للاستعارة.
صلاح أبو سيف وقتها كان المسؤول عن المؤسسة العامة للسينما، فأفسد المشروع، وذهب به إلى حسن الإمام... نجيب لم يحب ثلاثيته مع حسن الإمام، يقول لرجاء النقاش "رغم أن حسن الإمام التزم إلى حد ما بروح النصوص التي قدمها لي في السينما… إلا أنه أخضعها لمدرسته التي تميل إلى الإثارة الحسية والميلودراما، حتى بدا أن السيد أحمد عبد الجواد بطل الثلاثية
وكأنه شخص لا هم له سوى العوالم والمتعة الجسدية…". ويفسر أكثر "ربما كان لنشأة حسن الإمام في جو العوالم بمدينة المنصورة حيث ولد، ثم عمله في مطلع حياته بالقاهرة في صالات عماد الدين أثر كبير في الأسلوب الذي سار عليه عندما عمل بالإخراج السينمائي. دخل حسن الإمام السينما وهو ممتلئ بالحس البلدي، وهو شيء آخر غير الحس الشعبي؛ فالثاني متأثر بالثقافة والتراث، أما الأول فهو حس مصري صميم غير مخلوط".
هل وقع نجيب محفوظ في فخ حسن الإمام؟ هل كان قرار صلاح أبو سيف
بسحب الثلاثية من توفيق صالح مؤامرة؟ نتكلم هنا عن المعنى الفني لا النميمة.. حسن الإمام من الجيل المضروب بالواقعية نفسه.. يسبق في الولادة نجيب محفوظ (١٩٠٥) وعنده طريقته في الشغف باكتشاف الذات.
يُختصر حسن الإمام عادة في نظرة تحتقر تقريبًا ما يسمى الثقافة الشعبية (أو البلدي كما وصفها نجيب محفوظ) وتضعها في مرتبة أدنى، ومع أن هذا الجمهور العادي هو هدف الرسائل الكبرى وبيانات المعرفة، فإن كل ما يحبه ويهواه على الشاشة هو أفيون الشعوب وبضاعتها الاستهلاكية..
هكذا كان يمكن اختصار حسن الإمام في الميلودراما والترسو، وفي مواجهته، لا بد أن تكون مثقفًا وتحب أفلام "الثقافة الرفيعة".
حسن الإمام يكتشف الشخصية المصرية من خلال عروض تشبه مسارح برودواي، حيث العرض هو مركز الفيلم، والڤودڤيل الترفيهي أداة الكشف القوية. واختيار هذه الزاوية يجمع بين التسلية الخفيفة وحسية الشجن الثقيل، وهو ما يجعل ما فعله حسن الإمام في "الثلاثية" و"زقاق المدق" عصيًّا على الاختصار، خاصة مع احترافه في صنع التكوين والصورة بشحنات
من التسلية والشجن، لا يمكن نسيانها.
هذه الشحنات تقدم الذات المصرية المنتظرة، لكن من زاوية أخرى تصعد من أسفل إلى أعلى، وليس كما يفعل البرچوازيون المهذبون تطل من أعلى إلى أسفل.
11
لم تستطع "شريفة" في ١٩٧١ أن تقيم مسرحها وملهاها الشخصي كما فعلت شفاعات في ١٩٥٦… اللحظة مختلفة. انتقال مؤلم من أحلام الصعود بعد ١٩٥٦ إلى كابوس السقوط بعد هزيمة ١٩٦٧. في الأولى اجتذب صلاح أبو سيف نجيب محفوظ بكامل حمولته الواقعية
الجوع يتشابه، لكن الغواية عند شريفة في "الاختيار" لاتقترب من الافتراس .أرشيف مدينة الرقمي
والرمزية ليوجه رسالة غير مباشرة تحت السطح بأن الشباب في خطر. فالقروي الساذج العابر للمدينة اختطفته "الساحرة الشريرة" آكلة الرجال كما صورها فيلم "شباب إمرأة". ومع أن الفيلم بداية من اسمه عن مقامرة المرأة لاستعادة شبابها عبر جسد الرجل التائه في المدينة، فإن بوسترات الفيلم وضعت صورة تحية كاريوكا على الهامش، وفي الصدارة شكري سرحان وشادية في تحالف رومانسي بين شباب القرية والمدينة، كأنه انتصار في معركة كان الجسد فيها مركز السلطة، والغواية مرتبطة بالحارات الشعبية،
بينما الحب الطاهر من الدنس يسكن العباسية، المستقبل الجديد المنطلق لبناء "بلد جديدة"، وهذا المستقبل الجديد يبدأ بالانتقام من موروثات الغواية والرغبة ودنس الجسد.
هذه الأفكار التبشيرية واجهت نفسها في فيلم يوسف شاهين "الاختيار" الذي قدم تشريحًا نفسيًّا واجتماعيًّا يسير مع المزاج العام بعد هزيمة يونيو ١٩٦٧. وكانت مغامرة نجيب محفوظ في العمل خارج مجال الواقعية، والانتقال إلى عالم يوسف شاهين، وتجريب أسلوب جديد عليه، بدأ مع هذا الفيلم.
أفيش "شباب امرأة" همش شفاعات، وكأنه انتصار للرومانسية على الغواية. - أرشيف مدينة الرقمي
شريفة في الفيلم ليست المركز، ليست مثل شفاعات، بل المرآة التي كشفت انقسام البطل الداخلي. وجودها لا يصنع "الجريمة"، بل يفضحها. ورغبات جسدها ليست مجال القوة، بل مساحة للهشاشة. الجوع واحد، لكن الغواية عند شريفة لا يمكن أن تتماهى مع الافتراس، لأن القلق هو مصدرها.
لم يكن العمل مع يوسف شاهين مغامرة سهلة بالنسبة لنجيب محفوظ، لكنها نقلة اختبرت أسئلته وهذيانات أبطاله في "ثرثرة على النيل" قبل الهزيمة بعام واحد، وشغلت الوقت قبل صدور "المرايا"، ١٩٧٢،
ثم رواية "الحب تحت المطر"، ١٩٧٣.
سرد مشحون بالغموض والخطوط المتقاطعة تعبيرًا عن عنف الاكتشافات الداخلية وقسوتها. وهذا في حد ذاته مختبر لواقعية نجيب محفوظ الرمزية، ولبصمته في السينما التي تبلورت عندما شارك في بناء مشرح شفاعات.
في "الاختيار" انهار المسرح، ولم يعد صالحًا لتقديم "حكاية شعبية ذات خط واحد في السرد"، والتوتر لم يعد وليد محاولات شفاعات عرقلة حركة "الشباب"، سلوى وإمام، لتلئم جرحها العميق من مغادرة الشباب.
هذه نظرة مستقرة تفهمها قطاعات تعيش تحت مظلة "الثقافة المحافظة" لكن ماذا يفعل الجمهور نفسه عندما تكشف الحكاية الغامضة للتوأم "سيد ومحمود" الذي يسعى المحقق لمعرفة من منهما المقتول، وهل الثاني هو القاتل؟
أما جسد شريفة ففي عوامتها البرچوازية،-أي البيت غير المستقر- مرآة نرى فيها أن التوأم شخص واحد انقسم بين البرچوازي والصعلوك.. انقسامًا لا يلتئم.
هل كان نجيب محفوظ يبحث عن "نهاية" ليدلل بها الجمهور المنتظر لحل لغز القاتل و المقتول؟ من سينتصر في
الحرب الداخلية؟
من سيبقى مع "شريفة"؟
هل كان نجيب يعرف؟ أم أن اللعبة دارت بغموض يوسف شاهين وحدها؟
هل كان هناك في الفيلم صراع بين نجيب محفوظ ويوسف شاهين ..؟
ربما