يحكي محمد هاني كيف تصبح ممرات هامشية مسارح لحكايات المراهقة، وماذا يدفعنا للبحث عن أماكن خفية نمارس فيها تمردنا الأول، وهل تغير حي الزمالك أم المراهقة هي التي تغيرت خريطتها.
ولدت ونشأت في حي العجوزة. حتى بداية تسعينيات القرن الماضي كان ذلك الحي يتسم برقي نسبي لساكنيه من أبناء الطبقتين المتوسطة والمتوسطة العليا. فهو حي سكني بالأساس. تكونت به بقعتان عشوائيتان، وبعض ڤيلات وشوارع مشجرة هادئة سكنها وزراء صارت مساكنهم علامات يستدل بها المرشد لوجهات عدة. لكنها ظلت سكنية الطابع. لا يرتادها زائر للترفيه أو العمل. كما كانت منطقة جاذبة لمن يبحث عن سكن قيمته في المتناول.
كان كثير من أبناء حينا وضواحيه في منطقة المهندسين والصحفيين، ومحيطها من مناطق الكيت كات وشارع أحمد عرابي والدقي وإمبابة
يترددون على مدارس حي الزمالك التي كانت وصمة في جبين أرستقراطية الحي المهدرة. وكما نعرف فالزمالك جزيرة يحاوطها حيّنا وحي إمبابة من ضفة، وكورنيش ماسبيرو من الضفة الأخرى. عرف بهدوئه وبناياته الملكية وساكنيه من رموز الفن، وجاذبيته للطبقات الصاعدة والأجانب. وبسبب جغرافيته فضلاً على إحكامه أمنيًّا، استقرت به معظم السفارات الدبلوماسية، ولم يكن ليعكر كل هذا الصفاء الأرستقراطي سوى تكدس نحو خمسة عشر مدرسة على الجزيرة. كان سكانه يعانون أشد العناء ساعة بداية اليوم الدراسي وساعة نهايته، عندما تُردم شوارع المنطقة بأتوبيسات المدارس
وسيارات أولياء الأمور فضلاً عن المواصلات العامة التي تتولى أمر باقي الزائرين. ويعود الحي إلى أصحابه كل يوم بعد الساعة الخامسة عصرًا، وفي عطلة نهاية الأسبوع، وشهور الإجازة الصيفية.
عندما بلغنا المرحلة الثانوية جمعتنا أروقة المراكز وبيوتنا حول مدرسي ومدرسات الدروس الخصوصية. ففتحت التقاطعات مع زملاء من مدارس مختلفة آفاقًا جديدة، وظهرت لنا اهتمامات أخرى تناسب المرحلة العمرية ومتطلباتها. ومع تنافسية المراهقة، أراد كل منا أن يحتل مكانة تميزه وتكسبه احترامًا ومحبة، وأحيانًا هيبة، وسط الزملاء، والمعارف.
وشغل التدخين حينها الفراغ الذي أحدثه التعالي على اللعب الصبياني. كان للسجائر قيمة في تداولها، وللتدخين إثارة في تشاركيته الحذرة وردائه الرجولي.
يضيئها النهار
وقعت مدرستي في شارع ٢٦ يوليو الرئيسي على ناصية شارع جانبي يسبق شارع حسن صبري. كنا نقطع المسافة إلى حسن صبري من الشارع الرئيسي ثم نكملها من الداخل عبر شارع جانبي موازٍ لـ26 يوليو. شارع قصير لا ينبهنا إليه سوى محل للتحف. كان المحل العلامة الأولى على نشاط يميز المنطقة المرجوة.
ينتهي الشارع إلى تقاطع له ممران
هنا كان العالم الصغير في ممرات هامشية تحولت إلى مسارح لحكايات المراهقة - أرشيف مدينة الرقمي
يفصلان ثلاث عمارات متتابعة عن بعضها. سمعنا أن المخرج يوسف شاهين يقطن إحداها. الممر الأول مُهمل. جزء منه أسفلتي وبقيته من حديد مطابق لسلالم الحريق الخلفية لإحدى العمارات المطلة على الشارع الرئيسي. لا يضيئه سوى النهار. يعمل كجسر فوق قبو من المخازن ومساحة فارغة تحتلها القمامة. أما الممر الثاني فكان بمثابة رصيف رخامي لمدخل عمارة فخمة تتوسطه بوابتها، يفصلها عن المبنى التالي حديقة مسورة. يحتل ناصية الممر محل تحف ويجاوره منافس له. كان هذا الطرف من الممر مستقرًا لي ولزملائي من المدرسة طوال العامين الدراسيين الأخيرين.
كان لمرحلتنا القيادية في المدرسة متطلبات سلوكية تحيد بنا عن باقي القطيع المُذعن. منها تفادينا لطابور الصباح والوصول بعد أن تمتلئ الفصول بالطلاب. انتهزنا وقت الفقرة التي نتجاهلها في اللقاء والتدخين صباحًا. التصقنا بتلك البقعة لبعدها عن مدرستنا وقربها من قاعدتنا الجديدة. تلاقينا قبلها في شارع جانبي مقابل لمدرستنا في الجهة الأخرى من شارع ٢٦يوليو. لكننا اتفقنا على المكان الجديد بعدما فزعنا لمداهمة الأخصائي الاجتماعي وقبضه علينا متلبسين. كان ذلك المكان مثيرًا للشبهات لموقعه قرب قهوة ارتادها كثير من زملائنا ومحل خردواتي نشتري منه السجائر الفرط.